"عزل أبي شجاع عن الوزارة":
وفيها: عُزِل عن الوزارة ببغداد أبو شجاع بعميد الدّولة ابن جَهِير وأُمِرَ بلزوم داره، فتمثل عن نفسه:
تولاها وليس له عدو وفارقها وليس له صديقُ١
"سجن الصّاحب بن عبّاد":
وفيها: استولى أمير المسلمين يوسف على بلاد الأندلس قُرْطُبة، وإشبيلية، وسجَنَ ابن عبّاد، وفعل في حقه ما لا ينبغي لملك، فإنّ الملوك إمّا أن يُقتلوا، وإمّا أن يُسجنوا، ويُقرَّر لذلك المحبوس راتبٌ يليق به، وهذا لم يفعل ذلك، بل استولى على جميع ممالكه وذخائره، وسجنه بأغْمات٢، ولم يُجْرِ على أولاده ما يكفيهم، فكان بناتُ المعتمد بن عَبّاد يغزلْن بأيديهنَّ، وينفقن على أنفسهنّ، فأبان أمير المسلمين بهذا عن صِغَر نَفْسٍ، ولُؤْم طَبْع٣.
"بدء المرابطين":
واتّسعت مملكته واستولى على المغرب وكثير من إقليم الأندلس، وترك كثيرًا من جيوشه بثغور الأندلس، وطاب لهم الخصب والرفاهية، واسترحوا من جبال البربر وعَيْشِها القشب، ولقَّبهم بالمرابطين. وسالمه المستعين بالله ابن هود صاحب شرق الأندلس، وكان يبعث إليه بالتُّحَف.
وكان هو وأجناده ممّن يُضْرَب بهم المثل في الشجاعة، فلما اختصر يوسف بن تاشفين أوصى وَلَده عليًّا ببني هود وقال: اتركهم بينك وبين العدوّ، فإنّهم شجعان٤.
_________________
(١) ١ الكامل في التاريخ "١٠/ ١٨٦، ١٨٧". ٢ أغمات: ناحية في بلاد البربر من أرض المغرب قرب مراكش "معجم البلدان "١/ ٢٢٥". ٣ البداية والنهاية "١٢/ ١٣٧". ٤ الكامل في التاريخ "١٠/ ١٩٢، ١٩٣".
[ ٣٣ / ٩ ]
"استيلاء الفرنج على صقليّة":
وفيها: استولت الفرنج على جميع جزيرة صَقَلّية، وأوّل ما فتحها المسلمون بعد المائتين، وحكم عليها آلُ الأغلب دهرًا، إلى أن استولى المهديّ العُبَيْديّ على الغرب، وكان العزيز العُبَيْديّ صاحب مصر قد استعمل عليها الأمير أبا الفتوح يوسف بن عبد الله فأصابه فالج فاستناب ولده جعفرًا فضبط الجزيرة، وأحسن السيرة إلى سنة خمس١ وأربعمائة، فخرج عليه أخوه عليّ في جَمْعٍ من البربر والعبيد، فالتقوا فقُتِل خلْقٌ من البربر والعبيد، وأُسِرَ عليّ، وقتله أخوه، فعظُم قتْلُه على أبيه وهو مفلوج، وأمر جعفر بنفْي كل بربريّ بالجزيرة، فطُرِدوا إِلى إفريقيّة، وقتلوا سائر العبيد، واستخدم له جُنْدًا من أهل البلاد، فاختلف عسكره، ولم تمض إلّا أيّام حتّى أخرجوه وخلعوه، وأرادوا قتله. وكان ظَلُومًا لهم، عَسوفًا، فعملوا حِسْبَتَه، وحَصَروه في قصره سنة عشر وأربعمائة، فخرج لهم أبوه أبو الفتوح في مِحَفَّةٍ، فَرَقُّوا لحاله، وأرضاهم، واستعمل عليهم ابنه أحمد المعروف بالأكحل. ثمّ جهزّ ابنه في البحر في مركب إِلى مصر، وسار هو بعد ابنه ومعهما من العين ستّمائة ألف وسبعون ألف دينار.
وكان ليوسف من الخيل ثلاث عشرة ألف حجرة، سوى البِغال وغيرها.
ومات يوم مات وما له إلّا فرسٌ واحد.
وأمّا الأكحل فكان حازمًا سائسًا أطاعه جميع حصون صقلّية الّتي للمسلمين، ثمّ إنّ أهل صَقَلّية اشتكوا منه، وبعث المعزّ بن باديس جيشًا عليهم ولده، فحصروا الأكحل، ووثب عليه طائفة من البلد، فقتلوه في سنة تسْعٍ وعشرين وأربعمائة. ثمّ رأوا مصلحتهم في طرد عسكر ابن باديس عنهم، فالتقوا، فانهزم الإفريقيّون، وقُتِل منهم ثمانمائة نفس، ورجع الباقون بأسوأ حال، فولّى أهل صقلّية عليهم الأمير حَسَنًا الصِّمْصام أخا الأكحل، فلم يتّفقوا وغلب كلّ مقدّم على قلعةٍ، واستولى الأراذل.
_________________
(١) ١ في المختصر في أخبار البشر "٢/ ٢٠٠" "إلى سنة عشر".
[ ٣٣ / ١٠ ]
ثمّ أخرجوا الصِّمْصام فانفرد القائد عبد الله بن متكون١ بمَازَرَ٢ وطَرَابُنُش٣، وانفرد القائد عليّ عليّ بن نعمة بقَصْرُيَانِه٤ وجُرْجنْت وانفرد ابنُ الثُمنة بمدينة سَرَقُوسة٥ وقَطَانِيَة٦، وتحاربَ هو وابن نِعْمة، وجَرَت لهم خُطُوب، فانهزم ابن الثُمنة، فسوّلت له نفسه الانتصار بالنّصارى، فسار إلى مالطة، وقد أخذتها الفرنج بعد السبعين وثلاثمائة وسكنوها، فقال لملكها: أنا أملك الجزيرة، وملأ يدَ هذا الكلب خسايا، فسارت الفرنج معه في سنة أربع وأربعين وأربعمائة، فلم يلقوا من يمنعهم، فأخذوا ما في طريقهم، وحاصروا قَصْرُيَانِهْ، وعمل معه ابن نعمة مُصَافًا، فهزموه، فالتجأ إلى القصر، وكان منيعًا حصينًا. فحلوا عنه واستولوا على أماكن كثيرة، ونَزَحَ عنها خلْقٌ من الصّالحين والعلماء، واجتمع بعضهم بالمعزّ، فأخبره بما النّاس فيه من الوَيْل مع عدوّهم، فجهَّز أسطولًا كبيرًا، وساروا في الشّتاء، فغرَّق البحر أكثرهم، وكان ذلك ممّا أضعف المعزّ، وقويت عليه العرب، وأخذت البلاد منه، وتملّك الفرنج أكثر صَقَلّية.
واشتغل المعزّ بما دهمِه من العرب الّذين بعثهم صاحب مصر المستنصِر لحربه وانتزاع البلاد منه، فقام بعده ولده تميم في المُلْك، فجهَّز أسطولًا وجيشًا إلى صَقَلّية، فَجَرَت لهم حروبٌ وأمورٌ طويلة، ورجع الأسطول، وصحِبهم طائفة من أعيان أهل صَقَلّية، ولم يبق أحدٌ يمنع الفرنج، فاستولوا على بلاد صَقَلّية، سوى قَصْرُيَانِهْ وجُرْجنْت٧، فحاصروا المسلمين مدّة حتّى كلّوا، وأكلوا الميتة من الجوع، وسلم أهل جرجنت بلدهم، ولبث٨ قَصْرُيَانِهْ بعده ثلاث سِنين في شدَّةٍ من الحصار، ولا أحد يغيثهم، فسلَّموا بالأمان، وتملَّك رُجار جميعَ الجزيرة، وأسكنها الرومَ والفرنجَ مع أهلها.
_________________
(١) ١ في الكامل في التاريخ "١/ ١٩٥"، "منكوت" ومثله في المختصر في أخبار البشر "٢/ ٢٠١". ٢ مازر: مدينة بصقلية "معجم البلدان" "٥/ ٤٠". ٣ طرابنش: مدينة بجزيرة صقلية "معجم البلدان ٤/ ٢٦". ٤ قصريانه: مدينة كبيرة بجزيرة صقلية على سن جبل "معجم البلدان ٤/ ٣٦٥". ٥ في الأصل "سرقوس" والتصحيح من: معجم البلدان "٣/ ٢١٤"، وهي الآن عاصمة جزيرة صقلية. ٦ قطانية: مدينة على سواحل جزيرة صقلية وتعرف بمدينة الفيل "معجم البلدان ٤/ ٣٧٠". ٧ في الأصل: "جرجنته" والتصحيح من الكامل في التاريخ "١٠/ ١٩٧". ٨ في الأصل: "ولبث".
[ ٣٣ / ١١ ]
وهلك رجار قبل التسعين وأربعمائة، وتملّك بعده ابنه، فاتَّسَعت ممالكه، وعمّر البلاد، وبالغ في الإحسان إلى الرّعيّة، وتطاول إلى أخذ سواحل إفريقيّة١.
"دخول السلطان بغداد للمرّة الثّانية":
وفي رمضان وصل السّلطان إلى بغداد، وهي القدْمة الثّانية، وبادر إلى خدمته أخوه تاج الدّولة تُتُش صاحب دمشق وقسيم الدّولة أقْسُنْقُر صاحب حلب، وغيرهما من أمراء النّواحي٢ فعمل الميلاد ببغداد، وتأنّقوا في عمله على عادة العجم، وانبهر الناس، وأروا شيئًا لم يعهدوه من كثرة النّيران، حتّى قال شاعرهم٣:
وكُلُّ نارٍ على العُشَّاق مُضْرَمَةٌ مِن نار قلبي أو من ليلة الصَدَقِ
نارٌ تَجَلَّت بها الظَّلْمَاءُ فاشتبهتْ بسُدْفةِ اللَّيل فيه غُرَّةُ الفَلَقِ
وزارتِ الشّمسُ فيه البدرَ واصطلحا على الكواكب بعد الغَيْظِ والحَنَقِ
مُدّت على الأرض بسطٌ من جواهرها ما بين مجتمع دارٍ ومفترقِ
مثلَ المصابيح إلّا أنّها نزلتْ من السّماء بلا رجمٍ ولا حَرَقِ
أعْجِبْ بنارٍ ورضوانٌ يُسعّرُهَا ومالكٌ قائمٌ منها على فَرَقِ
في مجلسٍ ضحِكَتْ روضُ الْجِنَانِ لهُ لمّا جلى ثغْرُهُ عن واضحٍ يَقَقِ
وللشُّمُوع عيونٌ كلْما نظرتْ تظلّمتْ من يديها أنْجُمُ الغَسَقِ
من كلّ مرهفةٍ الأعطافِ كالغُصْن الـ ـمياد لكنّه عارٍ من الوَرَقِ
إنِّي لأعجب منها وهي وادعةٌ تبكي وعِيشَتُهَا من ضَرْبة العُنُقِ٤
"بناء جامع السّلطان ببغداد":
وفي آخرها أمر السّلطان بعمل جامعٍ كبير له ببغداد، وعمل الأمراء حوله دورًا
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء "١٨/ ٣٢٢"، والبداية والنهاية "١٢/ ١٣٨". ٢ البداية والنهاية "١٢/ ١٣٧". ٣ هو "المطرز" كما في الكامل "١٠/ ١٩٩". ٤ الخبر والأبيات في الكامل في التاريخ "١٠/ ١٩٩، ٢٠٠".
[ ٣٣ / ١٢ ]
لهم ينزلونها، ولم يدروا أن دولتهم قد ولت، وأيامهم قد تصرمت نسأل الله خاتمةً صالحةً١.
"الزّلزلة بالشّام":
وفيها: كانت زلازل عظيمة مزعجة بالشّام، تخرّب من سور أنطاكية تسعون برجًا، وهلك من أهلها عالمٌ كثير تحت الرَّدْم، فأمر السّلطان بعمارتها٢.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية "١٢/ ١٣٧". ٢ البداية والنهاية "١٢/ ١٣٨"، والكامل في التاريخ "١٠/ ٢٠٠".
[ ٣٣ / ١٣ ]