"الفتنة بين السُّنَّة والشِّيعة":
في صَفَر كَبَس غَوْغَاء السُّنَّة الكَرْخَ، وقتلوا رجلًا وجرحوا آخر، فأغلق أهل الكَرْخ أسواقهم، ورفعوا المصاحف وثياب الرّجُلين بالدّماء، ومضوا إلى دار كمال المُلْك الدّهسْتانيّ مستغيثين، فأرسل إلى النّقيب طِراد يطلب منه إحضار الرّجُلين القاتلين، فلم يقدر، وكفّ النّاسَ، فلمّا سار السُّلطان عادت الفتنة١.
"تملُّك السلطان ما وراء النّهر":
وفيها: ملك السّلطان ما وراء النَّهْر، وذلك لأنّ سَمَرْقَنْد تملّكها ابن أخي تُرْكان زوجة السّلطان، وكان صبيًّا ظلومًا غَشُومًا، كثير المصادرة فكتبوا إلى السّلطان سِرًّا يستغيثون به ليتملّك عليهم، فطمع السّلطان، وتحرّكت همّته، وسار من إصبهان بجميع جيوشه، وعَبَر النَّهر، وقَصَد بُخَارى فملكها٢، وقصد سَمَرْقَنْد ونازَلها، وكاتب أهلها، ففرح به التُّجّار والرّؤساء، وفرَّق صاحبها أحمد خان الأبرِجة على الأمراء، وسلَّم برج العيّار إلى رجلٍ علويّ، فنصح في القتال، وكان ولده ببُخَارى "أسيرًا"٣ فبعث إليه ملكشاه يهدّده بقتله، ففتر عن القتال، ورمى السّلطان عدّة أماكن من السُّور بالمنجنيقات، فلمّا صعِدوا السّورَ اختفى أحمد خان في بيت عاميّ، فغُمِز عليه، وحُمِلَ إلى السّلطان يُجَرّ بحبْل، فأكرمه السلطان وأطلقه، وأرسله تحت الاحتياط إلى إصبهان. ورتَّب لسَمَرْقَنْد أبا طاهر عميد خُوارَزْم.
ثمّ قصد كاشْغَر٤، فبلغ إلى يوزكَنْد٥، وهي بلدة يجري على بابها نهرٌ، فأرسل رُسُلَه إلى ملك كاشغر يأمره بإقامة الخطْبة والسّكّة له، ويتهدّده إنْ خالف. فدخل في الطّاعة، وجاء إلى الخدمة، فأكرمه السّلطان وعظمه، وأنعم عليه، ورده
_________________
(١) ١ البداية والنهاية "١٢/ ١٣٤" "حوادث سنة ٤٨١هـ". ٢ سير أعلام النبلاء "١٨/ ٣٢١"، البداية والنهاية "١٢/ ١٣٥". ٣ في الأصل بياض والمستدرك من "الكامل "١٠/ ١٧٢". ٤ كاشغر: مدينة وقرى ورساتيق يسافر إليها من سمرقند وتلك النواحي. وهي في وسط بلاد الترك. ٥ في الأصل: بئر كند والمثبت عن: "الكامل في التاريخ "١٠/ ١٧٢"، بلد بما وراء النهر يقال له: أوزكند.
[ ٣٣ / ٥ ]
إلى بلده. ثمّ ردَّ إلى خُرَاسان، فوثب عسكر سَمَرْقَنْد بالعميد أبي طاهر، فاحتال حتّى هرب منهم١، وكان كبيرهم عين٢ الدّولة، ثمّ ندم وخاف، فكاتب يعقوب أخا الملك صاحب كاشغر فحضر واتّفق معه، وجَرَت أمورٌ، فلمّا اتّصلت الأخبار بالسّلطان كرّ راجعًا إلى سَمَرْقَنْد، فهرب يعقوب٣ وكان قد قتل عين الدّولة، فلحِق بفَرْغَانة وهي ولايته، ثمّ هادنه، ورجع بعد فصولٍ طويلة٤.
"وفاة ابنة السّلطان":
وكانت ابنة السّلطان زوجة الخليفة أرسلت تشكو من الخليفة لكثره اطّراحه لها، فأرسل يطلب ابنته طلبًا لا بد منه، فأذِن لها الخليفة، ومعها ولدُها جعفر، وسعد الدّولة كوهرائين، فذهب إلى إصبهان، فأدركها الموت في ذي القعدة من السّنة، وعمل الشّعراء فيها المراثي٥.
_________________
(١) ١ الكامل في التاريخ "١٠/ ١٧١-١٧٣". ٢ في نهاية الأرب "٢٦/ ٣٢٨"، "عز". ٣ في نهاية الأرب: "يعقوب تكين". ٤ البداية والنهاية "١٢/ ١٣٥"، ونهاية الأرب "٢٦/ ٣٢٨". ٥ سير أعلام النبلاء "١٨/ ٣٢١، ٣٢٢
[ ٣٣ / ٦ ]