عصيان صاحبي ماردين ودمشق عَلَى السّلطان:
لمّا بلغ السّلطان عصيان صاحب ماردين وصاحب دمشق غضب، وبعث الجيوش لحربهما، فساروا وعليهم برسق صاحب همذان في رمضان من السّنة الماضية، وعدّوا الفُرات في آخر العام، فأخذوا حماه عَنْوَةً ونهبوها، وهي لطُغتِكين، فاستعان بالفرنج فأعانوه١.
استرجاع كفر طاب مِن الفرنج:
وسار عسكر السّلطان وهم خلْقٌ كثير، فأخذوا كَفرَ طاب مِن الفرنج واستباحوها٢.
خذلان المسلمين أمام الفرنج:
ثمّ ساروا إلى المَعَرَّة، فجاء صاحب أنطاكية في خمسمائة فارس وألْفَيْ راجل، فوقع عَلَى أثقال العساكر، وقد تقدّمتهم عَلَى العادة، فنهبوها وقتلوا السّوقيّة والغلمان، وأقلبت العساكر متفرّقة، ولم يشعروا بشيءٍ، فكان الفرنج يقيلون كلّ مِن وصل. وأقبل بُرْسُق مُقَدَّم العساكر في مائة فارس، فرأى الحال، فصعِد تلّا هناك، والتجأ إليه النّاس وعليهم ذُلّ وانكسار، فأشار عَلَى بُرْسُق أخيه بأنّنا ننزل وننجو. فنزل بهم عَلَى حميّة، وساق وراءهم الفرنج نحو فرسخ. ثمّ ردّوا، فتمّموا الغنيمة والأسْر، وأحرقوا كثيرًا مِن النّاس، واشتدّ البلاء، وتبدَّل فرح المسلمين خوفًا وحزنًا،
_________________
(١) ١ الكامل في التاريخ "١٠/ ٥٠٩"، والعبر "٤/ ١٧". ٢ البداية والنهاية "١٢/ ١٧٩".
[ ٣٥ / ٢٣ ]
لأنّهم رجوا النَّصر مِن عساكر السّلطان، فجاء ما لم يكن في الحساب، وعادت العساكر بأسوأ حال، نعوذ بالله مِن الخذْلان١.
موت بُرْسُق وأخيه:
ومات بُرْسُق، وأخوه زنكي بعد سنة٢ ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٦] .
استرداد رفنية مِن الفرنج:
وجالت الفرنج بالشّام، وأخذوا رَفَنية، فساق إليهم طُغتِكين عَلَى غرّة، واستردّ رَفَنيَة، وأسر وقتل٣.
اجتماع طُغتِكين بالسلطان:
ثمّ رَأَى المصلحة أن يتلافى أمر السّلطان، فسار بنفسه إلى بغداد بتقادُم وتُحَف للسّلطان والخليفة، فرأى مِن الإكرام والتّبجيل ما لَا مَزِيد عَليْهِ، وشُرّف بالخِلَع٤، وكتب لَهُ السّلطان منشورًا بإمرة الشّام جميعه٥.
وكان السّلطان هذه السّنة قد قِدم بغداد واجتمع بعه طُغتِكين في ذي القِعْدة٦.
مصالحة بغدوين والأفضل:
قَالَ سِبْط الجوزيّ: وفيها صالح بغدوين صاحب القدس الأفضل متولّي الدّيار المصرية. وكان بغدوين صاحب القدس قد سار إلى السّنجة المعروفة ممّا يلي العريش، فأخذ قافلة عظيمة جاءت مِن مصر، فهادنه الأفضل، وأمِن النّاس قليلًا٧.
_________________
(١) ١ الكامل في التاريخ "١٠/ ٥١٠، ٥١١"، والبداية والنهاية "١٢/ ١٧٩". ٢ أي سنة ٥١٠هـ، كما في الكامل "١٠/ ٥١١". ٣ الكامل في التاريخ "١٠/ ٥١٢"، وذيل تاريخ دمشق "١٩٢"، وتاريخ طرابلس "١/ ٤٨٩". ٤ الكامل "١٠/ ٥١٤". ٥ البداية والنهاية "١٢/ ١٧٩". ٦ المختصر في أخبار البشر "٢/ ٢٢٩". ٧ النجوم الزاهرة "٥/ ٢٠٩".
[ ٣٥ / ٢٤ ]