موقعة المسلمين والفرنج عند الشريعة:
في ثالث عشر المحرَّم التقى عسكر دمشق الجزيرة وعسكر الفرنج بقرب طبريّة، وصبر الفريقان، واشتدّ الحرب، وكانت وقعة مشهورة، ثمّ انكسرت الفرنج ووضع المسلمون فيهم السّيف، وأسروا خلقًا، وأُسِر ملكهم بغدوين، لكن لم يُعرف، فأخذ الَّذِي أسره سلاحه وأطلقه، فنجا جريحًا، ثمّ مات بعد أشْهُر. وغرق منهم في الشّريعة طائفة. وغنم المسلمون الغنيمة١.
ثم جاء عسكر أنطاكية وعسكر طرابلس، فقويت نفوس المنهزمين وعاودوا
_________________
(١) ١ البداية والنهاية "١٢/ ١٧٥، ١٧٦".
[ ٣٥ / ١٨ ]
الحرب، فثبت لهم المسلمون فانحاز الملاعين إلى جَبَل، ورابط المسلمون بإزائهم يرمونهم بالنُّشّاب، فأقاموا كذلك ستّةً وعشرين يومًا١، وهذا شيء لم يُسمع بمثاله قطّ، وعُدِموا الأقوات.
ثمّ سار المسلمون إلى بَيْسان، فنهبوا بلاد الفرنج وضياعهم مِن القدس إلى عكّا، ورجعوا فنزلوا بمرج الصفر، وسافرت عساكر المَوْصِل٢.
اغتيال مودود صاحب المَوْصِل:
ودخل مودود في خواصّه دمشق، وأقام عند صاحبه طُغتِكين، وأمر عساكره بالبحر في الربيع ونزل هُوَ وطغتكين يوم الجمعة في ربيع الأول للصلاة، ومشى ويده في يد طغتكين في صحن الجامع، فوثب عَلَى مودود باطنيّ جرحه في مواضع، وقُتِل الباطنيّ وأُحرق٣.
قَالَ أبو يَعْلَى حمزة٤: ولمّا قُضَيت الجمعة تنفّل بعدها مودود، وعاد هُوَ والأتابك وحولهما مِن الأتراك والدَّيلم والأحداث بأنواع السّلاح مِن الصّوارم والصّمصامات والخناجر المجرَّدة ما شاكل الأَجَمَة المشتبكة، فلمّا حصلا في صحن الجامع وثب رجلٌ لَا يُؤبَه لَهُ، فقرب مِن مودود كأنّه يدعو لَهُ ويتصدَّق عَليْهِ، فقبض ببند قبائه، وضربه بخنجر أسفل سُرَّته ضربتين، هذا والسّيوف تنزل عَليْهِ. ومات مودود ليومه صائمًا. وكان فيه عدل وخير.
فقيل: إنّ الإسماعيلية قتلته.
وقيل: بل خافه طُغتِكين، فجهز عَليْهِ الباطني، وذلك بعيد.
قَالَ ابن الأثير٥: حدَّثني والدي -﵀- أنّ ملك الفرنج كتب إلى طُغتِكين كتابًا فيه: وإنّ أمّة قتلت عميدها، يوم عيدها، في بيت معبودها، لحقيق على الله أن يبيدها.
_________________
(١) ١ التاريخ الباهر "١٩"، والعبر "٤/ ١٢"، وعيون التواريخ "١٢/ ٢١". ٢ الكامل "١٠/ ٤٩٥، ٤٩٦"، والعبر "٤/ ١٢". ٣ البداية والنهاية "١٢/ ١٧٣"، وشذرات الذهب "٤/ ٢٠، ٢١". ٤ في ذيل تاريخ دمشق "١٨٧". ٥ في الكامل في التاريخ "١٠/ ٤٩٧"، والتاريخ الباهر "١٩".
[ ٣٥ / ١٩ ]
ودُفن مودود في تربة دُقَاق بخانكاه الطّواويس، ثمّ حُمِل بعد ذَلِكَ إلى بغداد، فدُفن في جوار الإمام أَبِي حنيفة، ثمّ نُقل إلى أصبهان١. وتسلّم صاحب سنجار حواصله وحملها إلى السلطان محمد، فأقطع السّلطان المَوْصِل والجزيرة لأقْسُنْقُر البُرْسُقيّ، وأمره أن يتوافق هُوَ والأمير عماد الدين زنكي ابن أقسُنْقُر، ويتشاوروا في المصلحة لنهضته وشهامته.
نقل المصحف العثماني إلى دمشق:
وكان بطبريّة مُصْحَف. قَالَ أبو يَعْلَى القلانسيّ٢: كَانَ قد أرسله عثمان -﵁- إلى طبريّة، فحمله أتابك طُغتِكين منها إلى جامع دمشق.
وفاة الوزير ابن جَهير:
وفيها مات الوزير أبو القاسم عليّ بْن جَهير، ووليّ وزارة الخليفة بعده ربيب الدّين أبو منصور الحسين بْن الوزير أَبِي شجاع٣.
وفاة المُلْك رضوان:
وفيها توفي الملك رضوان صاحب حلب، وولي بعده ألب أرسلان الأخرس فقتل أخوين لَهُ مباركشاه وملكشاه، وقتل رأس الباطنيّة أبا طاهر الصّائغ في جماعة مِن أعيانهم، فرحلوا عَنْ حلب، وكان لهم بها مَنْعة وشوكة قويّة.
وكان رضوان قد عمل لهم دار دعوة بحلب لقلّة دينه، وكان ظالمًا فاتكًا يقرّب الباطنيّة، ويستعين بهم، وقتل أخَويه بهرام، وأبا طَالِب، وكان غير محمود السّيرة٤.
ثورة الباطنية بشيزر:
وفيها، ذكر سِبط الجوزي ثورة٥ الباطنيّة بشَيْزَر، وقد مرّ لنا ذَلِكَ قبل هذه السّنة٦.
_________________
(١) ١ الكامل "١٠/ ٤٩٧". ٢ في ذيل تاريخ دمشق "١٨٧". ٣ المنتظم "٩/ ١٧٥"، والكامل "١٠/ ٤٩٨". ٤ الكامل في التاريخ "١٠/ ٤٩٩"، والعبر "٤/ ١٣"، والنجوم الزاهرة "٥/ ٢٠٥". ٥ في مرآة الزمان "٨ ق١/ ٤٥". ٦ اتعاظ الحنفا "٣/ ٥٢".
[ ٣٥ / ٢٠ ]
مهادنة بغدوين أهل صور:
وفيها هادن بغدوين أهل صور، وأَتَتْهم النجدة والإقامات مِن مصر في البحر.
[ ٣٥ / ٢١ ]