لقد كان حزب الشعب الجزائري يسعى، بالدرجة الأولى، إلى تنظيم الطليعة المتشبعة بإيديولوجيته قصد تكليفها بالنفاذ إلى أوساط الجماهير حيثما وجدت توعيها بالواقع الذي تعيشه وتجندها لخوض المعركة عندما يحين الأوان، لأجل ذلك كان المناضلون يستعملون جميع الوسائل لإقناع أكبر عدد ممكن من المواطنين بضرورة الخلاص من كل أنواع السيطرة الأجنبية.
كان الهدف الأول، إذن، يرمي إلى جعل الإنسان الجزائري يدرك أنه يعيش وضعًا مختلفًا كليًا عن وضع الأوربي، وأن من الواجب عليه العمل على إحداث التغيير.
فالمستعمر الدخيل استطاع، بوسائل متعددة، أن يستولي على الأراضي
_________________
(١) أوزقان (عمار) ذكر لي في لقاء أجريته معه بمقر حزب جبهة التحرير الوطني في ساحة الأمير عبد القادر بالعاصمة يوم ١٠/ ٠٤/١٩٦٤ أنه كان المحرر الرئيسي لمشروع الميثاق الذي عرض للمناقشة على مؤتمر وادي الصومام.
(٢) هناك عدد من المسؤولين يقولون أنهم يملكون بعض المخطوطات وأنهم سينشرونها في الوقت المناسب، ولكن بعضهم طبع مذكراته وذيلها بملاحق دون أن ينقل للقراء أشياء جديدة عن وثيقة وادي الصومام التي يبدو أن ماهو منشور منها كامل ولا ينبئ بأن ثمة أجزاء ناقصة، لقد أتيحت لي فرصة الحديث في الموضوع مع السيد عمار أوزقان بعد تعيينه رئيسًا للجنة المنبثقة عن المؤتمر الأول لحزب جبهة التحرير الوطني فأكد لي أن مايعتبره بعضهم قد ضاع إنما هي مجموعة من الاقتراحات المقدمة من جهات مختلفة ولم ير المؤتمرون ضرورة لتبنيها، وهناك أيضًا عدد من الفقرات التي تعالج موضوعات متنوعة حذفت أثناء المناقشة العامة.
[ ٢ / ٤٦ ]
الخصبة والمناجم الغنية بالثروات المعدنية وأن يسخر، لاستغلالها، كل السواعد
القادرة على العمل كما سبقت الإشارة إلى ذلك في الباب الأول من هذه الدراسة.
ولكي تتمكن السلطات الاستعمارية من تأييد حالة التبعية في أوساط الجماهير الجزائرية ومن إبقائها في دائرة التخلف، فإنها كانت تطبق بكل دقة مبدأ "فرق تسد".
"فالجزائر لم تعرف الاستقلال في تاريخها، ولم يكن فيها شعب واحد، ولا هي قادرة على العيش بدون وصاية أجنبية. أما سكانها فأجناس مختلفة وقبائل متنافرة متناحرة" (١).
لقد استطاع المؤرخون أن يعرفوا المكتبات بما مفاده أن العناية الاستعمارية قد جعلت من الجزائريين أمة في طور التكوين أهم عناصرها هم العرب واليهود والأوروبيين، ولأنها لم تكن موجودة من قبل، فإنه لا يحق لأبنائها أن يموتوا لكي تبعث من جديد كما أكد ذلك السيد فرحات عباس عندما قال: لو اكتشفت الأمة الجزائرية لكنت وطنيًا دون أن أخجل من ذلك خجلي من ارتكاب الجريمة، لكنني لن أموت من أجل الوطن الجزائري لأنه غير موجود. إنني لم أعثر عليه. لقد سألت التاريخ واستنطقتُ الأحياء والأموات وزرت المقابر ولم أجد من يعرف ذلك. إن البناء لا يكون على رأس من الريح (٢).
وفي نفس هذا المعنى كتب السيد بيار مونتانيون "أن فحص ألفي سنة من تاريخ المغرب الأوسط يجعلنا نؤكد عجز الشعب الجزائري عن بناء أمة وإنشاء حضارة. لقد تساءل المؤرخون حول ذلك فلم يجدوا أثرًا للدولة الجزائرية ولا لثقافة خاصة تتميز بمؤلفاتها الأدبية وآثارها الفنية. إن تاريخ الجزائر فارغ مثل أرضها التي ليس فيها سوى آثار الآخرين" (٣)
ولم يقف السيد مونتانيون عند مجرد الادعاء، بل إنه حاول إيجاد أسباب للفراغ وللموت المذكورين: وفي نظره، فإن ذلك يرجع إلى كون الجزائر لم
_________________
(١) مجموعة من المؤرخين الفرنسيين، تاريخ شمال إفريقيا الفرنسي بدون معلومات حول الطباعة والنشر. ص: ١٧ ومن الجدير بالذكر أن هذه أيضًا، هي نظرية الحزب الشيوعي الجزائري التي ظل يدافع عنها إلى نهاية الأربعينات وكتابات موريس توريس وأقواله في الموضوع معروفة وكثيرة.
(٢) فرحات عباس، جريدة الوفاق الصادرة يوم ٢٣/ ٠٢/١٩٣٦.
(٣) PIERRE MONTAGNONS، LA GUERRE D'ALGERIE. GENESE ET ENGRENAGEE D'UNE TRAGEDIE EDITIONS PYMALION- PARIS ١٩٨٤. P.٢٩.
[ ٢ / ٤٧ ]
تنجب أبطالًا يوحدون شعبها ولا بين شخصيات علمية وثقافية وسياسية قادرة على إحداث التغيير والتطور التارخيين. يقول في هذا الصد" إن هذا البلد الذي أنجب
أمثال القديسين أوغستين (١) وتارتليان (٢) والقدس سيبريان (٣) قد أصبح بعد الفتح العربي مفترقون إلى عظماء باستثناء الأمير عبد القادر. ومن الواضح أن في ذلك تكمن أسباب التبعية التي عاش فيها الجزائريون والتي دامت مدة ألفي سنة (٤).
لأنه كان يعتبر الأمة الجزائرية غير موجودة ولا مجال لبعثها، فإن الاستعمار لم يجعل لنفسه حدودًا في تعامله مع الجزائر. فقد أعلن مبكرًا عن ضمها إداريًا إلى التراب الفرنسي (٥) ولجأ إلى كثير من المحاولات لتحقيق فرنسة الجماهير وتنصيرها قصد دمجها نهائيًا في الشعب الفرنسي، ومن خلال كل تلك المحاولات كان يتفنن في سن القوانين المساعدة على إنجاح عملية السلخ والتشويه، نذكر على سبيل المثال: قانون الأهالي الذي لم يبلغ إلا سنة ١٩٤٤ (٦) والقانون البلدي الصادر يوم الخامس من شهر أفريل سنة أربع وثمانين وثمانمائة وألف والقاضي بإعطاء حق التصويت للمالكين والمزارعين والموظفين والمتقاعدين والحاصلين على الأوسمة بهدف فصلهم عن جماهيرهم الشعبية. وهناك، أيضًا، القانون الخاص بإنشاء الفوضويات المادية (٧) الذي وقع إصلاحه يوم ٠٤/ ٠٢/١٩١٩ بواسطة القانون الذي يحمل اسم صاحبه الوالي
_________________
(١) من مواليد سوق أهراس سنة ٣٥٤ توفي بعنابة سنة ٠٤٣٠، يعتبر من آباء الكنسية الكاثوليكية له مؤلفات كثيرة أهمها: مدينة الله، اهتم في حياته، بموضوعات متعددة لكنه ركز كل مجهوداته في السنوات الأخيرة على معالجة موضوع الآلة وموضوع الإنسان، يحتفل به يوم ٢٨٠ أوت من كل سنة.
(٢) من كبار رجال الكنيسة، ولد بقرطاج سنة ١٥٥ وتوفي فيها بعد ذلك بخمس وستين سنة، له مؤلفات عديدة في اللاهوت وفي الفلسفة.
(٣) من مشاهير آباء الكنيسة، ولد مع مطلع القرن الثالث بقرطاج وتوفي فيها سنة ٢٥٨. قام بأدوار سياسية كبيرة وترك مؤلفات كثيرة. يحتفل به يوم ١٦ سبتمبر من كل سنة.
(٤) بيار مونتانيون، ص: ٣٠.
(٥) انظر المرسوم الملكي الذي يحمل تاريخ ٢٢/ ٧/١٨٤٣.
(٦) وفي الحقيقة، فإن الإلغاء لم يكن سوى شكليًا لأن محتوى القانون ظل ساري المفعول حتى اندلاع الثورة.
(٧) صدر هذا القانون لتحديد وضع الجزائريون بالنسبة إلى الجنسية الفرنسية والحقوق المدنية والسياسية التي تعود إلى المواطن. وأهم ما جاء فيه الشروط التي لابد أن يتوفر واحد منها في الإنسان الجزائري كي يصبح مواطنًا فرنسيًا وهي سبعة: الخدمة العسكرية- القراءة والكتابة باللغة الفرنسية- الملكية- الوظيف- أن يكون قد انتخب لمنصب سياسي- حيازة الأوسمة الفرنسية- أن يكون من أب متجنس.
[ ٢ / ٤٨ ]
العام جونار إلى غير ذلك من الأمريات والقرارات والمراسيم.
إن كل هذه الأوضاع اللاطبيعية هي التي استهدفت سياسة جبهة التحرير الوطني تغييرها جذريًا واستبدالها لما يمكن شعب الجزائر ليس من استرجاع الاستقلال الوطني فحسب ولكن، وفي المقام الأول، من استعادة مقومات الشخصية الوطنية التي لابد منها لبناء صرح الدولة الجزائرية التي قوضت أركانها جيوش الاحتلال عام ثلاثين وثمانمائة وألف.
لأجل ذلك أكدت وثيقة وادي الصومام (١) على أن الكفاح المسلح يبقى مستمرًا، وأن كل الطاقات الوطنية يجب أن تعبأ لتدعيمه وتطويره بجميع الوسائل إلى أن تتحقق الأهداف التالية:
١ - الاعتراف بالشعب الجزائري شعبًا واحدًا لا يتجزأ، معنى ذلك أن خرافة "الجزائر فرنسية" و"الشعب الفرنسي المسلم" و"الأمة التي في طور التكون" كل ذلك يجب أن يزول من القاموس الاستعماري.
٢ - الاعتراف بالسيادة الوطنية على كافة الميادين بما في ذلك الدفاع الوطني والسياسة الخارجية. وهذا يعني أن الحلم الذي بدأ يراود فئة من المستعمرين وعددًا ممن يسمون بالمعتدلين الجزائريين يجب أن يتبخر، لأن أي نوع من الاستقلال الذاتي لا يمكن إلا أن يكرس الهيمنة الأجنبية وتثبيت الاستعمار الجديد.
٣ - الاعتراف بجبهة التحرير الوطني كممثل وحيد للشعب الجزائري، لها وحدها حق التفاوض وحق الأمر بوقف إطلاق النار وينجر عن هذا الاعتراف إجبار السلطات الاستعمارية على إطلاق سراح جميع الجزائريين والجزائريات الأسرى المعتقلين والمنفيين بسبب نشاطهم الوطني قبل وبعد اندلاع الثورة.
إن استرجاع السيادة الوطنية على هذا الأساس من إلغاء الواقع الاستعماري الذي من المفروض أن تزول بزوال كل علاقات العسف والتبعية، وتبني من جديد على قواعد ثابتة ومتينة، أركان الدولة الجزائرية المتخلصة نهائيًا من الرواسب التي من شأنها تسهيل عودة الاستعمار الجديد.
فالسيادة الوطنية التي ترمي جبهة التحرير الوطني إلى استرجاعها لا
_________________
(١) FRONT DE LIBERATION NATIONAL- EL MOUDJAHIS، IMPRIME EN- YOUGOUSLAVIE، JUIN ١٩٦٢ TOME I.P ٥٨ ET SUIVANTES. يجد القارئ عددًا خاصًا يتضمن أكبر جزء من ميثاق وادي الصومام.
[ ٢ / ٤٩ ]
تخص ميدانًا دون آخر، بل إنها تشمل جميع مجالات الحياة وتمتد على كافة التراب الوطني حسب الحدود المرسومة من قبل السلطات الاستعمارية نفسها. لأجل ذلك. فإن ميثاق وادي الصومام قد عالج مسألة التفاوض مع العدو بكيفية دقيقة ومفصلة لا تترك أي منفذة للتحاليل وللمناورات.
وعندما ينظر الدارس بتمعن إلى الأهداف المذكورة أعلاه يجد أنها مترابطة فيما بينها ومتكاملة، ذلك أن السيادة الوطنية تفقد كل معناها إذا كان الشعب مطعونًا في وحدته مصابًا بداء التقسيم والفرقة اللذين يكونان نتيجة لو فتح المجال لأطراف أخرى تتحدث باسم الشعب الجزائري. مع العلم أن التمثيل مطلقًا في مثل هذه الحالة لا يكون مجديًا. إلا إذا كان الممثل قويًا ويملك بين يديه وسائل حقيقية ولتوجيه الأحداث في الاتجاه الذي يقطع على العدو خطوط الرجعة، ويفرض عليه الالتزام بالإطار المرسوم للتفاوض.
على هذا الأساس، أكدت وثيقة وادي الصومام ضرورة مضاعفة الجهد من أجل إعادة تنظيم الجماهير الشعبية في الأرياف وفي المدن وإعدادها عن طريق التوعية والترشيد لتجاوز دائرة التخلف التي وضعها فيها الاستعمار وللتخلص من الذهنيات المتحجرة التي ألصقها بها وأنماط الحياة التي فرضت عليها والتي تهدف فقط إلى إبقائها في حالة الغيبوبة والتبعية الدائمتين.
فالمجالس الشعبية التي شرع في إنشائها منذ الأشهر الأولى لاندلاع الثورة (١) يجب أن يتم تدعيمها وتوسيع شبكتها بحيث تشمل كافة أنحاء الوطن وأن تسند إليها مسؤوليات تجعلها أكثر فعالية وأكثر اتصالًا بالجماهير الشعبية. فالمجلس الشعبي الواحد أصبح يتكون قانونيًا من خمسة أعضاء بما في ذلك الرئيس، ويشرف على تسيير الحالة المدنية والمالية والاقتصادية والشرطة.
وبعابرة أدق، فإن المجلس الشعبي حيث ما وجد يحل محل الإدارة الاستعمارية التي يجب أن تزول نهائيًا وتزول اتصالاتها بالأوساط الشعبية (٢).
لقد نجحت المجالس فعلًا في أداء مهمتها إذ استطاعت خاصة أن تقضي قضاءً مبرمًا على النزاعات التي كانت قائمة بين الأعراش والأفراد والتي كانت السلطات الاستعمارية تحبذها كي تبقى دائمًا مصدر ضعف بالنسبة للمتنازعين ومنفذًا يسمح للمحتل وأعوانه بالتمركز أكثر لمواصلة العبث بمصير المواطنين.
_________________
(١) المنظمة الوطنية للمجاهدين، أشغال المؤتمر الأولى لكتابة التاريخ، ص ١٨٥.
(٢) نفس المصدر.
[ ٢ / ٥٠ ]
ولم يكن ذلك النجاح ليخفى على الإدارة الاستعمارية التي كانت تقابله بمحاولات يائسة تتمثل في الترهيب والترغيب وفي الإعلان عن عدم اعترافها بالصلح الذي يحدث والتآخي الذي يتم (١). ويندرج الإشراف على المجالس الشعبية ضمن اختصاصات المحافظين السياسيين الذين يتولون كذلك، مهام تربية الجماهير وتنظم التعليم والإعلام والدعايةإلى جانب القيام بتوجيه الحرب النفسية على مختلف الجبهات (٢).
فالاستعمار الذي لم يفته التطور السريع الذي تعيشه الثورة في كافة المجالات لم يعد مكتفيًا بالعمليات العسكرية التي ينظمها في سائر أرياف الوطن ويوفر لها ماتحتاج إليه من عدة وعتاد وحينما رأى تلك العمليات تعداها إلى التركيز على تسخير الإمكانيات المادية والبشرية لمحاولة تحييد الجماهير في مرحلة أولى قبل الدفع بها في معسكره تساعده على إخماد أنفاس الثورة. وقد كان المحافظون السياسيون يتصدون إلى هذه المساعي قصد إحباطها بجميع الوسائل. فقد كانوا يعتمدون على وسائل الإقناع، وعندما يشعرون أنها لم تعد تجدي نفعًا، فإنهم يلجأون إلى الترهيب الذي كثيرًا مايكون مصحوبًا بالتنفيذ الفعلي. وفي بعض الأحيان توظف الخرافة واللامعقول إذا كان ذاك ضروريًا لرفع معنويات الجماهير الشعبية أو لتنشيط عزائم العدو أو لتحقيقهما معًا (٣).
وهكذا فإن مؤتمر الصومام لم يكتف بترسيم وظيفة المحافظ السياسي، ولكنه جعلها أساسية بالنسبة لمسار الثورة. فالمحافظ مسؤول متجول، يقضي كل أوقاته في التنقل بين المداشر والمشاتي يراقب المجالس الشعبية ويجمع ما أمكن من المواطنين يكونهم سياسيًا وينشر بينهم إيديولوجية جبهة التحرير الوطني. وفي ذات الوقت، كان يزور وحدات جيش التحرير الوطني يزودها بالأخبار ويحلل أمامها المعطيات السياسية في داخل البلاد وفي خارجها، ويسجل الاحتياجات والمطالب التي يناقشها مع المسؤولين الأعلى ويعمل على الاستجابة لها بقدر الإمكان وفي حدود المستطاع.
_________________
(١) صدى الجزائر، عددها الصادر بتاريخ ٢١/ ٠٦/١٩٥٥.
(٢) حول اختصاص المحافظ السياسي انظر المجاهد، العدد ١١ الصادر بتاريخ ٠١/ ١١/١٩٥٧، ص ١٤٦.
(٣) من ذلك أن المحافظين السياسيين كانوا يشيعون في أوساط الجماهير أن الملائكة، عندما تشتد المعارك، تنزل من السماء لنصرة المجاهدين، وأن الله أعطى للمجاهد قدرة للتحول بكل سهولة وسرعة فائقة إلى الهيأة التي يريدها. من ثمة فإنه يستطيع الدخول إلى ثكنات العدو أو التجول في شوارع المدينة والقرية دون أن يشعر بوجوده أحد باستثناء المناضلين.
[ ٢ / ٥١ ]
ويعتبر هذا الاهتمام البالغ الذي أولاه المؤتمر للجماهير الشعبية دليلًا على التحول الجذري الذي حدث في إيديولوجية الثورة التي كانت تعتمد على الطليعة لتحقيق الأهداف المرسومة فصارت تركز على الشعب وتثق على إحداث المعجزة التي لم تكن في الحسبان. ويبدو أن هذا التحول قد بدأ يفرض نفسه مع انتفاضة العشرين من شهر أغسطس سنة خمس وخمسين وتسعمائة وألف. ففي ذلك التاريخ حدث انقلاب لا مثيل له في موازين القوى إذ تخلص جيش التحرير الوطني الفتي من عقد الخوف التي كانت تفرض عليه التحرك ليلًا والنشاط خفية فصار أفراده ينتقلون في وضح النهار بينما انتقل الرعب إلى نفوس الأجناد الفرنسيين الذين أصبحوا، بفعل دعاية الكولون، يرون في كل واحد من الجزائريين مجاهدًا أو مناضلًا مستعدًا للانقضاض عليهم.
ولم يكن ذلك هو التحول الوحيد الذي عرفته إيديولوجية الثورة الجزائرية، بل هناك نقاط أخرى اختلفت حولها الآراء كثيرًا واشتد فيها إلا عن طريق التصويت بأغلبية الثلثين. ومن بين تلك النقاط الحساسة التي سيكون لها أثر بالغ على سير أحداث الثورة ما يلي: