على خلاف التشكيلات السياسية الأخرى، دخلت الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية معركة الانتخابات البلدية بهدف توظيفها لتعميم إيديولوجية حزب الشعب الجزائري، لأجل ذلك ضبطت شعارات واضحة وقريبة جدًا من فهم سائر الفئات الاجتماعية (٣٧) وراحت تركز، من خلال الاجتماعات والتجمعات، على ضرورة التزام المواطن الجزائري ببرنامجها السياسي إذا كان يريد استرجاع حقوقه المغتصبة والخروج من دائرة التخلف والتهميش والحرمان.
وبفضل وعي المناضلين وحماسهم، استطاع حزب الشعب الجزائري أن يحول المناسبة إلى عرس وطني كبير سادته روح الأخوة والتضامن وتجندت، من خلاله، جماهير الشعب لتقول "لا" لغير العمل من أجل استرجاع الاستقلال الوطني ولتعلن، أمام الملأ، أنها تتبنى في معظمها، مرشحي الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية، وأنها بذلك، تتحدى الإدارة الاستعمارية وترفض كل البرامج التي لا تدعو إلى محاربة قانون الجزائر التنظيمي ولا تهدف، أولًا وقبل كل شيء إلى بعث الدولة الجزائرية ذات السيادة المطلقة.
وكانت نتيجة الانتخابات تعبيرًا آخر عن تفاعل الجماهير الشعبية مع سياسة حزب الشعب الجزائري، فمرشحوا الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية فازوا بأغلبية المقاعد المتنافس عليها وسيطروا كلية على أكثر من مائة بلدية، ولم يتمكن ما سمي في ذلك الوقت بالتحالف الديموقراطي من الوقوف في وجه التيار الجارف الذي جعل الحزب الشيوعي يعترف على أعمدة صحافته بأن جماهير الشعب الجزائري قد اختارت قوائم الحركة في كثير من البلديات (٣٨).
وكان من الممكن أن يكون انتصار حزب الشعب الجزائري في الانتخابات البلدية حافزًا لتحقيق الاتحاد مع الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين غير أن ذلك لم يحدث رغم جميع المحاولات والمساعي التي توقفنا عندها في دراستنا الخاصة بحزب السيد فرحات عباس. ولأن التشكيلات السياسية الوطنية لم تجد طريقها للاتحاد، فإن الإدارة
[ ١ / ١٦٠ ]
الاستعمارية قد استطاعت، بكل سهولة، أن تحول انتصار الوطنيين إلى نوع من الهزيمة تمثلت في رفض منتخبي المجموعة الأولى التعامل معهم وتمكينهم من تأدية مهامهم كما هي محددة في القانون.
واستخلص غلاة الكولون الدرس من تلك الانتخابات البلدية فتأكدوا أن معظم الجزائريين يؤيدون حزب الشعب في نشاطه الهادف إلى استرجاع الاستقلال الوطني، ولكي لا تتكرر نتائج الانتخابات البلدية في مستويات أخرى، عملوا بواسطة ممثلهم في حكومة باريس (٣٩) على استبدال الوالي العام السيد ايف شاتينيو بوزير التربية السابق السيد ايدموند نايجلان الاشتراكي المذهب والذي جئ به خصيصًا لسد جميع الطرق وبكل الوسائل في وجه كافة التشكيلات السياسية الوطنية.
ولقد استطاع الوالي العام الجديد، خلال الفترة التي قضاها في الجزائر، أن يربط اسمه بتزييف الانتخابات حتى صارت الطريقة النايجلانية مضرب الأمثال في سائر أنحاء البلاد. وكانت الانتخابات الأولى التي أشرف عليها هي تلك الخاصة بالجمعية الجزائرية التي نص على تأسيسها قانون الجزائر التنظيمي في مادته السادسة (٤٠).
ومرة أخرى لاحت في الأفق آمال الاتحاد بين التشكيلتين السياسيتين الوطنيتين لكن ذلك الأمل سرعان ما تلاشى بسبب موقف الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية التي اشترطت أن تكون الحملة الانتخابية تحت شعار: "الأمة الجزائرية ذات السيادة المطلقة" وأن تكون حصتها من المقاعد الثلثين غير أن ذلك لم يكن هو السبب الوحيد، بل لابد من الإشارة إلى رفض الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري ثنائية العمل وإلحاحه على ضرورة إشراك الحزب الشيوعي الجزائري في ما يمكن تسميته بالجبهة الديموقراطية التي تكون قادرة على التصدي للمناورات الاستعمارية التي يقوم بها "تجمع الشعب الفرنسي" (٤١) الذي جعل شعارًا له "الجزائر ووهران وقسنطينة عمالات فرنسية وستبقى كذلك" (٤٢).
إن السببين المشار إليهما أعلاه لم يكونا كافيين لإجهاض عملية الاتحاد بين التشكيلتين الوطنيتين لأن اشتراط العمل تحت شعار: "الأمة الجزائرية ذات السيادة المطلقة" يلتقي في الأعماق مع الدعوة إلى تشكيل جبهة وطنية تتصدى لبرنامج تجمع الشعب الفرنسي الذي يهدف إلى الإبقاء على الجزائر الفرنسية. ولو أن قيادتي الحزبين تحاورتا جديًا في الموضوع لوجدتا طريقهما إلى ضبط
[ ١ / ١٦١ ]
إطار تتضافر فيه الجهود الرامية إلى تخليص الجزائر من السيطرة الأجنبية.
إن هذا الافتراض لا يعني أن قيام الاتحاد بين الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية والاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري كان قادرًا على تغيير نتائج الانتخابات. فهذه الأخيرة خطط لها بدقة كي تكون في غير صالح التوجه الوطني الذي ترى الإدارة الاستعمارية أنه "يهدد أمن الفرنسيين في الجزائر ويقضي على سمعة فرنسا ويؤدي إلى إلغائها نهائيًا من شمال إفريقيا" (٤٣).
أما الموقف الأسلم بالنسبة للتشكيلتين الوطنيتين فكان هو المقاطعة، لأن الجمعية الجزائرية تتناقض كلية مع مشروع المجتمع الذي تدعو إليه كل واحدة منهما. ولأن الإدارة الاستعمارية كانت تدرك ذلك وتعلم أيضًا، أن انتخاب مرشحيهما سيمنع الجمعية المذكورة من أن تؤدي الدور المحدد لها في القانون التنظيمي ويسعى لتحويلها إلى مجلس تأسيسي يتنافى مع مصالح فرنسا في الجزائر، فإنها اختارت الحل الأسهل والأنجع بالنسبة إليها وهو التزييف بجميع أنواعه حتى يكون أعوانها هم الأغلبية الساحقة من بين ممثلي المجموعة الانتخابية الثانية.
وكان حزب الشعب الجزائري يعرف ذلك، ويعرف، أيضًا، أنه لا يستطيع منع الإدارة الاستعمارية من القيام بما يحلو لها، لكنه رغم كل ذلك، أصدر تعليمات واضحة إلى الإطارات والمناضلين في القاعدة يأمرهم، من خلالها، باستعمال جميع الوسائل بما في ذلك العنف بسائر أنواعه، للتعبير عن رفض تلك الإجراءات التعسفية. ومن جملة ما أمر به المناضلون في صفوف المنظمة الخاصة أن يضرموا النيران في الصناديق وفي المكاتب ذاتها عندما تقدم الإدارة الفرنسية على منع المواطنين من ممارسة حريتهم في التصويت على من يريدون. (٤٤)
هكذا خيم على الحملة الانتخابية جو من الرعب، وعم الساحة السياسية كثير من الاضطهاد الذي لجأت إليه الإدارة الاستعمارية قصد ترهيب الوطنيين وحملهم على التخلي عن حزبهم. وقد شمل الاضطهاد جميع المجالات بدءًا من عدم الترخيص بعقد ندوة المنتخبين التي اعتزمت الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية عقدها بالعاصمة يوم ٢٥/ ١/١٩٤٨ وانتهاء باعتقال العديد من إطارات ومرشحي حزب الشعب الجزائري، مرورًا بوقف "المغرب العربي" وتنظيم حملات التفتيش عبر مختلف أنحاء البلاد. وزيادة على كل ذلك،
[ ١ / ١٦٢ ]
أعطيت التعليمات للمسؤولين، على جميع المستويات، كي يمنعوا ممثلي الحركة الوطنية من مراقبة سير الاقتراع ومن المشاركة في عملية الفرز، وأذن لهم، في حالة
ظهور أدنى مقاومة، أن يستعملوا ضدهم مختلف أنواع العنف بما في ذلك الضرب والاعتقال وحتى القتل في الحالات المعقدة.
ففي هذا السياق، وضعت العدالة تهمتين يمكن إلصاقهما بكل من يراد حبسه. فهناك، أولًا، المساس بأمن الدولة وسيادتها إذا كان المتهم مناضلًا بارزًا أو إطارًا في حزب الشعب الجزائري. أما إذا كان مناضلًا بسيطًا أو من المحبين فقط فتهمته الإخلال بالنظام العام، وفي الحالتين يطبق القانون دون إعمال الظرف المخفف.
وبالرجوع إلى "الجمهورية الجزائرية" في عدديها الصادرين بتاريخ ٩ و١٦/ ٤/١٩٤٨.
يجد الدارس نماذج متعددة من الاعتداء على حرية الانتخاب. فأحيانًا تفتح الإدارة المكاتب في بيوتات بعض الأعيان الذين يغلقون أبوابهم إلا على الأصدقاء. (٤٥) وأحيانًا أخرى تنقل المكاتب من أماكنها الرسمية دون إشعار المواطنين (٤٦). وفي أثناء الفرز يؤتى بصناديق جديدة مملوءة بأصوات أغلبيتها الساحقة لفائدة مرشحي الإدارة. وبالإضافة إلى كل هذه الإجراءات الاستبدادية كان الأجناد وأفراد الشرطة بأنواعها والجندرمة ورجالات الإدارة يلاحقون المنتخبين ويستعملون شتى الوسائل لإرغامهم على عدم إعطاء أصواتهم لمرشحي الحركة الوطنية الذين هم "عملاء ستالين والشيوعية" (٤٧) والذين لاهمَ لهم سوى "العمل على تحويل الجمعية الجزائرية إلى مجلس تأسيسي يرسي قواعد الدولة الجزائرية المستقلة" (٤٨).
كل هذه الإجراءات العسفية لم تنل من عزم المناضلين على الذهاب إلى أبعد الحدود في العمل من أجل تجسيد تعليمات الحزب على أرض الواقع، كما أنها لم تمنع إراقة الدماء بل إنها ساعدت كثيرًا على تعبئة الطاقات الحية في البلاد كرد فعل للتدليل على أن جماهير الشعب في الجزائر تسير وراء حركتها الوطنية وأنها مستعدة للتضحية القصوى من أجل إقامة الجمهورية الجزائرية الديموقراطية الاجتماعية.
ومن الجدير بالذكر أن المعارك التي طبعت يوم الانتخابات والتي جرت بين أفراد القوات المسلحة الفرنسية وجحافل المواطنين في أماكن عديدة من أنحاء الوطن قد أسفرت عن استشهاد كثير من الجزائريين وجرح أعداد كبيرة
[ ١ / ١٦٣ ]
منهم. ولقد عملت الصحافة الاستعمارية على تصوير بعض تلك الأحداث على طريقتها المتميزة بتناقض الأخبار وتزييف الحقائق وعلى سبيل المثال نورد نبأ ما وقع في
قرية أولاد فرحة الكائنة على بعد ١٥ كلم من سور الغزلان نقلًا عن "ليكودلجي" في عددها الصادر بتاريخ ٥/ ٤/١٩٤٨. "اجتاح مكتب الانتخاب ما بين ١٠٠٠ و١٥٠٠ من مناضلي حزب الشعب الجزائري. فغادرت مجموعة من الحرس المتنقل سور الغزلان قصد استرجاع النظام والأمن، لكن حوالي ٢٠٠٠ متظاهرًا استوقفوا شاحنتهم واعتدوا عليها وعلى ركابها مما جعل الحرس الجمهوري يطلق النار محدثًا سبعة قتلى وكثيرًا من الجرحى".
وعلى الرغم من يقظة المناضلين واستبسالهم في المقاومة وفي التصدي لاعتداءات الإدارة الاستعمارية، فإن هذه الأخيرة قد سيطرت كلية على عملية الفرز وزيفت النتائج بحيث أعطت لمرشحيها واحدًا وأربعين مقعدًا من جملة الستين المخصصة للمجموعة الانتخابية الثانية. أما الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية فإنها لم تأخذ سوى تسعة في حين كان ينبغي أن تفوز بالأغلبية الساحقة وذلك بشهادة السيد فرحات عباس نفسه (٤٩).
إن النتائج، في حد ذاتها، لم تكن هي المعنية بالنسبة لحزب الشعب الجزائري الذي لم يغير سياسته الرافضة للقانون التنظيمي نفسه والتي ظلت، منذ تأسيس نجم شمال إفريقيا، تهدف إلى تقويض أركان الاستعمار وبعث الدولة الجزائرية من جديد. أما ما عدا ذلك فوسائل لابد من توظيفها لتحقيق الغرض الأساسي. ومن هذا المنطلق، فإن الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية تكون، رغم قلة المقاعد التي منحت لمرشحيها، قد أحرزت نجاحًا باهرًا تمثل خاصة في تعبئة جماهير الشعب حول البرنامج الإجمالي لحزب الشعب الجزائري وفي تأكد القيادة السياسية لهذا الأخير من ربحها ثقة الأغلبية الساحقة من الجزائريين.
ولأن هدف الحزب السياسي لم يكن هو المشاركة في أشغال الجمعية الجزائرية التي كان يدرك جيدًا أنها لن تكون سوى أداة طيعة في خدمة مصالح الكولون، فإن منتخبيه قد تلقوا تعليمات صارمة كي يبذلوا كل ما في وسعهم لتحويل جميع جلسات الجمعية المذكورة إلى مناسبات للتذكير بإرادة الشعب الجزائري في مواصلة النضال ضمن إطار الحركة الوطنية من أجل استرجاع السيادة الوطنية المغتصبة وإقامة الجمهورية الجزائرية الديموقراطية الاجتماعية ببرلمانها وحكومتها وألوانها الوطنية.
[ ١ / ١٦٤ ]
ولأجل ذلك تجدر الإشارة إلى أن المؤرخين الذين يجعلون تزييف الانتخابات من الأسباب الرئيسية التي أدت إلى إشعال فتيل ثورة نوفمبر ١٩٥٤ مخطئون في
تحليلهم، لأن الانتخابات في جميع مستوياتها إنما كانت تجري، فقط، في إطار السيادة الفرنسية التي هي إلغاء للسيادة الوطنية الجزائرية التي لم تبرح جماهير الشعب تناضل بقيادة الطلائع الواعية من أجل استرجاعها. إن هذه الحقيقة كلما تكررت ازدادت وضوحًا وتجلت الحاجة إلى تكرارها مرات ومرات.