كل هذه المنافذ وغيرها وظفت إلى أبعد الحدود من طرف فرنسا الاستعمارية التي وجدت لتأدية مهامها مساعدة غير منتظرة في تسابق القيادات الجزائرية نحو السلطة وفي تناقض تلك القيادات من حيث التكوين الأيديولوجي والمنطلقات الحضارية والفكرية والثقافية.
فالتسابق نحو السلطة لم يكن جديدًا كما أنه لم يكن وليد وقف إطلاق النار، بل إنه بدأ مباشرة مع تكوين الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية كما سبقت الإشارة إلى ذلك في الفصل الثالث من الباب الثاني، وبلغ أوجه عندما تشكلت الحكومة الجديدة برئاسة السيد بن يوسف بن خدة الذي أقدم في السابع والعشرين من شهر سبتمبر سنة واحدة وستين وتسعمائة وألف على أمر الولايات بقطع جميع العلاقات مع قيادة الأركان العامة التي رغم استقالتها، لم تفقد سيطرتها الفعلية على جيش التحرير الوطني المرابط على الحدودين الشرقية والغربية (٢).
ولقد ازداد الخلاف حدة مع مطلع السنة الجديدة عندما عادت قيادة الأركان العامة إلى نشاطها وهي أكثر قوة من أي وقت مضى وعندما فشل السيد بلقاسم
_________________
(١) المعهد التربوي، برنامج التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي، وزارة التربية الوطنية، مديرية البرامج، سبتمبر ١٩٧٢.
(٢) حربي (محمد) جبهة التحرير الوطني، ص٢٨٦.
[ ٢ / ٢٠٠ ]
كريم في مسعاه المتعلق بتقسيم أعضائها (١) ثم عندما تقدمت المفاوضات مع فرنسا
ولاح في الأفق تحالف محتمل بين أحمد بن بلة وقيادة الأركان العامة. صحيح أن السلطة كانت هي الهدف الأسمى الذي كانت جميع الأطراف تسعى إلى تحقيقه، ولكن المتصارعين عليها كانوا في جريهم وراءها ينطلقون من مواقف أيديولوجية مختلفة يمكن حصر أهمها في الآتي:
١ - الموقف الرافض الذي يرى أن حل القضية الجزائرية يكمن، أولًا، في إلحاق هزيمة عسكرية بالجيش الاستعماري، وعليه فإن التفاوض مع العدو يعد تنازلًا خطيرًا ونوعًا من الخيانة التي يجب التصدي لها بكل حزم وصرامة. وصاحبة هذا الموقف هي قيادات الأركان العامة التي تعتبر اتفاقيات إيفيان إجهاضًا للثورة وإرساء لقواعد الدولة الليبرالية في الجزائر (٢).
٢ - موقف القبول يرى أن الحل العسكري مستحيل، وأن التفاوض مع فرنسا هو الطريق الأوحد والأسلم لوقف إطلاق النار وتمكين البلاد من استرجاع استقلالها وبالطبع، فإن الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية هي صاحبة هذا الموقف وهي تعترف أن اتفاقيات إيفيان، على ما فيها من نواقص، صالحة لأن تكون قاعدة متينة لبناء الدولة الجزائرية كما هي محددة في النصوص الأساسية للثورة (٣).
وإذا كان الموقف الأول متأثرًا بالثورية التي تريد أن تكون محصلة للتجربتين الكوبية والصينية وهو، من ثم، يشترط أن تنتقل السيادة الجزائرية مباشرة من الحكومة الفرنسية إلى الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، ويدعو إلى بناء مجتمع اشتراكي في الجزائر متمايز عن المجتمعات الاشتراكية الأخرى بارتكازه على أبناء الريف ورفضه لمبدأ الصراع الطبقي، فإن الموقف الثاني، في الظاهر، بنداء أول نوفمبر الذي اكتفى بالتفاوض مع فرنسا على أساس اعتراف هذه الأخيرة باستقلال الجزائر وبأن لا يتوقف إطلاق النار إلا بعد تسوية جميع القضايا السياسية. وفي الحقيقة فإن هذا الموقف متأثر برغبة ملحة لدى أعضاء الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية في إنهاء حالة الحرب
_________________
(١) ذكر السيد عبد الحفيظ بو الصوف أن كريم عرض على بومدين رتبة جنرال. وأن هذا الأخير سجل عرضه على غير علم منه ووزعه على إطارات جيش التحرير الوطني للتقليل من شأنه.
(٢) ابن بلة (احمد) حديث في بيته يوم ٢٤/ ٠٦/١٩٩١ ويؤكد الرئيس بن بلة تأييده لهذا الموقف وهو ما بعد يقبل التحالف مع قيادة الأركان ضد الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية.
(٣) بن يوسف بن خدة، اتفاقيات إيفيان، ص٢٦.
[ ٢ / ٢٠١ ]
"خوفًا من أن تعطي لفرنسا فرصة توظيف (١) الخلافات الداخلية لإجهاض الثورة". كما جاء في التفسيرات التي قدمها السيد ابن يوسف بن خدة.
وعلى الرغم من أن ثورية الموقف الأول إلا أن أصحابه لم يكونوا معروفين على الساحة السياسية، ولذلك توجهوا إلى قصر أولنوي (٢) ووقع اختيارهم في بادئ الأمر، على السيد محمد بوضياف لما اشتهر عنه من قدرة التنظيم على محاربته لعبادة الشخصية وتشبع بالمبادئ اليسارية لكن بوضياف رفض عرض مبعوث قيادة الأركان العامة السيد عبد العزيز بوتفليقة نظرًا لارتباطه مع الحكومة المؤقتة وبالضبط مع السيد بلقاسم كريم الذي كان قد تحالف معه من قبل ضد السيد أحمد بن بلة. ولقد تبنى هذا الأخير موقف قيادة الأركان العامة بدون أدنى تردد وأعلن عن انضمامه إليها من أجل فرض حلها للأزمة والمتمثل في تشكيل مكتب سياسي يكون مسؤولًا عن الحكومة المؤقتة وفي وضع مشروع جديد للمجتمع الجزائري (٣).
ومما لاشك فيه أن قبول السيد أحمد بن بلة هذا التحالف مدفوع في جزء منه بمصالح الشخصية ولكنه، أيضًا جاء نتيجة تكوينه السياسي والأيديولوجي خاصة عندما نعرف أن فكرة الثورة بواسطة الأرياف تحتل مكانة رئيسية في برنامج نجم شمال إفريقيا ومن بعده حزب الشعب الجزائري وحركة الانتصار للحريات الديمقراطية، في هذا الجو المكهرب اجتمع المجلس الوطني للثورة الجزائرية وصادق، كما ذكرنا على برنامج طرابلس ثم لم ينه أشغاله، بل توقف عند مسألة تشكيل الهيئات العليا التي تسند إليها مسوؤلية تسيير شؤون البلاد بعد اتفاق الجميع على أن "جبهة التحرير الوطني ستواصل مهمتها التاريخية في قيادة الثورة (٤).
وتعبيرًا عن الموقفين المذكورين أعلاه تبلورت في داخل المجلس نزعتان رئيسيتان. إحداهما بزعامة السيد أحمد بن بلة وهي ترى أن المكتب السياسي المزمع انتخابه يجب أن يتكون من سبعة أعضاء وأن تعطى له كل الصلاحيات اللازمة لقيادة البلاد إلى أن يتم تزويدها بالمؤسسات الشرعية المنتخبة، واقترح
_________________
(١) المصدر نفسه.
(٢) حيث كان القادة الأربعة معتقلين وهو كائن ببلدية أولنوي في شمال فرنسا.
(٣) بوتفليقة (عبد العزيز) حديث أجريته معه يوم ١٦/ ٠٤/١٩٩١ في بيت السيد محمد الشريف مساعديه.
(٤) حزب جبهة التحرير الوطني، الأمانة الدائمة للجنة المركزية، النصوص الأساسية لجبهة التحرير الوطني ١٩٥٤ - ١٩٦٢. نشر وتوزيع قطاع الإعلام والثقافة، الجزائر ١٩٨٧ ص٥٣. وما بعدها.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
السيد أحمد بن بلة إلى جانب اسمه كلًا من السادة: محمد خيضر، محمد بوضياف، حسين آيت أحمد، رابح بيطاط، محمدي السعيد والحاج بن عله. أما النزعة الثانية فقد تزعمها السيد كريم بلقاسم، الذي اقترح مكتبًا سياسيًا من تسعة أشخاص وهم بالإضافة إلى اسمه: حسين أحمد، محمد بوضياف، محمد خيضر، رابح بيطاط، عبد الله بن طوبال، عبد الحفيظ بوالصوف، أحمد بن بلة، وسعد دحلب.
وعلى إثر مشاورات فردية قامت بها لجنة (١) عينها المجلس لهذا الغرض، تبين أن قائمة ابن بلة تحظى بتأييد ثلاثة وثلاثين عضوًا بينما لم يؤيد قائمة السيد كريم سوى واحد وثلاثون عضوًا فالفارق إذن، كان ضئيلًا جدًا وهو معرضًا للزوال لأن من المؤتمرين لم يعبرا عن رأيهما. وزيادة على ذلك، فإن تشكيليتين لم يراع فيهم التجانس، بل أن آيات أحمد ومحمد بوضياف قد صرح أنهما يرفضان مشاركة في هيئة عليا يشرف عليها السيد أحمد بن بلة، وذلك بحجة أنهما لم يتفقا معه طيلة سنوات السجن وأن نظرتهما للجزائر تختلف كلية عن نظرته.
وعندما نراجع قائمة التشكليتين نستثني الحاج بن علة، فإننا نجد كل العناصر المقترحة لعضوية المكتب السياسي كانوا وزراء في الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية ووقعوا قبل غيرهم، على اتفاقيات إيفيان وبالتالي فهم يكادون يمثلون توجه واحد ولاتفارق بينهم سوى الحساسيات الشخصية والحزازات التي لاعلاقة لها بأيديولوجية جبهة التحرير الوطني. وإذا تعمقنا أكثر في التحليل، فإننا نجد أن الخلاف بين السيدين أحمد بن بلة وبلقاسم كريم لايعود إلى أشياء جدية ولكنه، فقط، ينطلق من اعتقاد كل واحد منهما أنه أحق من الآخر لقيادة الثورة.
فالسيد بلقاسم كريم يرى أنه التاريخي الوحيد من بين مفجري الثورة الذي ظل طليقًا وعلى قيد الحياة، ولم يتوقف لحظة واحدة عن نشاطه كمسؤول في أعلى قمة الهرم القيادي، وعليه فهو أولى من غيره وخاصة من ابن بلة الذي لم يعش الثورة من الداخل ولم ينشط لفائدتها في الخارج سوى أشهر معدودة اعتقل بعدها ولم يستعمل السلاح الذي كان معه يوم اعتقاله ثم ظل يتابع الأحداث وفي مأمن من أخطارها (٢).
أما السيد ابن بلة فيرى أنه أولى بقيادة الثورة لأنه كان مسؤولًا عن
_________________
(١) تشكلت هذه اللجنة من العقيد محمد يزوران والرائد أحمد ومحمد بن يحيى والحاج بن عله.
(٢) بو الصوف (عبد الحفيظ) اللقاء المشار إليه سابقًا.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
المنظمة الخاصة التي كانت في أساس اندلاعها في حين أن السيد كريم من أنصار الكتلة المصالية إلى غاية الأيام الأخيرة التي سبقت بدء الكفاح المسلح، وإضافة إلى ذلك، فإن السيد كريم يتحمل مسؤولية كبرى في عقد مؤتمر وادي الصومام الذي يصفه السيد أحمد بن بلة بالمنعطف الخطير في طريق انحراف الثورة.
ومهما يكن الأمر، وأمام عدم ظهور أغلبية حقيقية لصالح واحد من الاقتراحيين فإن أطرافًا كثيرة قد حاولت تقريب وجهات النظر وكان من الممكن أن يتفق الجميع على مكتب سياسي مكون من أحد عشر عضوًا ويكون متضمنًا لكل الأسماء الواردة في القائمتين. لكن ذلك لم يحدث بسبب تعنت السيد أحمد بن بلة الذي رفض عضوية الباءات الثلاث. ويقول السيد ابن يوسف بن خدة أنه خشي على الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، المسؤولة مباشرة على توقيع اتفاقيات إيفيان، وخشي أيضًا، أن يقود استمرار الخلاف إلى تفجير الأوضاع، فتحمل مسؤولية كاملة وغادر طرابلس إلى تونس في اليوم السابع من شهر جوان مرفوقًا بالسيد محمد بوضياف وآخرين (١).
هكذا، فإن المجلس الوطني للثورة الجزائرية لم يختتم أشغاله رسميًا ولم ينتخب أية هيئة سياسية عليا أو دنيا كما أنه لم يجدد ثقته للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، معنى ذلك أن الأزمة ازدادت حدة وأن الأمل في تسويتها بالطرق السلمية لم يعد واردًا، وراح كل طرف يبحث عن أنصار أقوياء يستعين بهم للاستيلاء على السلطة، ومعلوم أن الأنصار الأقوياء موجودين فقط على رأس القوات المسلحة.
أما أحمد بن بلة، فإنه ضمن، تأييد قيادة الأركان العامة والولايتين الأولى والسادسة ثم راح يجمع، حوله، الإطارات السياسية التي تريد تصفية حساباتها مع الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية أو مع الباءات الثلاث. وأما ابن يوسف بن خدة، فإنه استمال الولايات الرابعة والخامسة والثانية والثالثة بالإضافة إلى منطقة العاصمة وفيدرالية جبهة التحرير الوطني في أوربا ثم أعلن، باسم الحكومة، عن حل قيادة الأركان العامة وراح يبحث في الحدود الشرقية والغربية عن بديل لها (٢).
وفي نفس هذا الإطار، ومخالفة للاتفاق المبرم مع فرنسا، دخل السيدان محمد بوضياف وبلقاسم كريم إلى الجزائر خفية في اليوم التاسع من شهر
_________________
(١) ابن خدة (ابن يوسف) اتفاقيات إيفيان، ص٢١.
(٢) حربي (محمد) جبهة التحرير الوطني، ص٢٨٨.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
جوان (١). لقد كان دخولهما بالاتفاق مع رئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية من أجل حمل الولايات على تنسيق حركتها وتكوين هيئة موحدة لمواجهة قيادة الأركان العامة التي رفضت الامتثال لقرار حلها وشرعت في الإعداد لإدخال جيش التحرير الوطني إلى أرض الوطن. وكما كان منتظرًا انعقد في زموره
بالولاية الثالثة، اجتماع دام يومي الرابع والعشرين والخامس والعشرين من نفس الشهر وشارك فيه ممثلون عن الولايات الثانية والثالثة والرابعة وعن منطقة العاصمة وفيدرالية فرنسا. وبعد التداول حول مجمل القضايا المطروحة على الساحة الوطنية، لاحظ المجتمعون أن الحكومة فقدت هيبتها ولجنة التنسيق تسند إليها مهمة وضع قوائم المرشحين للمجلس التأسيسي، وضبط الشروط الموضعية اللازمة لعقد المؤتمر الوطني، وتنظيم عملية إدماج وحدات جيش التحرير الوطني المرابطة على الحدود في ولايتها الأصلية وتوفير الوسائل الضرورية لإدخال الأسلحة والذخيرة المخزونة في الخارج (٢).
ولقد كان من الممكن أن تؤدي هذه اللجنة التنسيقية دورًا بالغ الأهمية في تغيير موازين القوة لو أنشأت قبل إطلاق النار، وحظيت بمشاركة باقي الولايات. لكن ظهورها عشية الاستفتاء أضفى عليها طابع المحاولة اليائسة لسد الطريق في وجه قيادة الأركان العامة التي لم تكن بحاجة إلى أراضي كل الولايات لإدخال الجيوش المرابطة على الحدود.
فالولايات التي لم تستجب لنائبي رئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية هي التي كانت تتحكم في جميع البوابات الحدودية المعينة لتحقيق العودة إلى البلاد. فالحدود الغربية كلها تقع في أراضي الولاية الخامسة بينما تمتد معظم الحدود الشرقية على أراضي الولاية الأولى والقاعدة الشرقية أما اللجنة التنسيقية التي أدانت أعضاء قيادة الأركان العامة قد طلبت من الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية أن تبقى موحدة وأن تستمر في التحضير لما بعد الثاني من شهر جويليه سنة اثنتين وستين وتسعمائة وألف، كما أنها شرعت في تنظيم الحملات الدعائية ضد مناورات السيد بن بلة وجماعته، لكن مجرد الكلام لم يعد يجدي نفعًا بل لابد للتخطيط النظري أن يكون مدعومًا بالقوة العسكرية وهو ماكان ينقص الحكومة المؤقتة.
أما السيد أحمد بن بلة الذي تأكد من أن الوضع العسكري كان لصالحه وأن قيادة الأركان العامة تتحكم في الميدان كما ينبغي، فإنه تفرغ للتعبئة السياسية
_________________
(١) Fares (Abderrahmune) la Cruelle veise، L'Agerie ١٩٥٤ a l،inaependance plon، paris ١٩٨٢ p.١٢٦
(٢) Ben Khedda (Ben Youcef) Historique FLN، Alger، ١٩٦٤. P.١٩٧.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
واستطاع في ظرف قصير جدًا أن يجمع حوله عددًا كبيرًا من المسؤولين الممثلين فعلًا، لتوجيهات مختلفة لكنهم موحدون من أجل إسقاط الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، وتجاوز المجلس الوطني للثورة الجزائرية.
ومن بين المسؤولين البارزين الذين أضفوا على حركة ابن بلة طابع الشمولية
والشرعية والوحدة تجدر الإشارة إلى السيد فرحات عباس الذي كان محاطًا بالإطارات القيادية في الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري (١). ولو كان الأمر يتعلق بصراع أيديولوجي لتموين عباس في الجانب الآخر الذي يعود إلى احترام اتفاقيات إيفيان التي خططت للنظر الليبرالي في الجزائر. وهناك أيضًا مجموعة من الإطارات الذين شاركوا في اجتماع الاثنين والعشرين والذين تم اعتقالهم في فترات متفاوتة وأَهملوا مدة حبسهم من طرف القيادة العليا ممثلة في شخص الباءات الثلاث (٢).
وإذا كان السيد بن خدة قد طار إلى تونس حيث استأنف مهامه كرئيس للحكومة المؤقتة المسؤولة تجاه فرنسا عن تطبيق اتفاقيات إيفيان، فإن السيد أحمد بن بلة قد توجه إلى القاهرة معلنًا عن شق عصى الطاعة مدعيًا فيما بعد، أن الحكومة المؤقتة التي كان هو أحد نواب رئيسها قد حلت بمجرد انعقاد المجلس الوطني للثورة الجزائرية، لكن ذلك غير صحيح، لأن المجلس رفض بالإجماع استقالة الحكومة ولم يعين أخرى بديلة لها. وحينما ألح السيد ابن خدة على تقديم استقالته، فإن السيد ابن بلة قد قاد حملة واسعة النطاق من أجل إرغامه على سحبها (٣). ويبدو أنه إنما فعل ذلك، فقط، ليسد طريق الرئاسة في وجه السيد بلقاسم كريم الذي كان يسعى جاهدًا للحصول عليها.
فذهاب ابن بلة إلى القاهرة بدون استشارة أحد كان، إذن، دليلًا على بدء الصراع العلني. وقد كان من المفروض أن يلتحق بتونس من أجل اجتماع توضيحي ومن أجل لم شمل الحكومة وإجراء التحليلات اللازمة بحثًا عن عدم قدرته على الارتقاء إلى مستوى عظمة الحركة الجهادية في الجزائر.
وبينما كانت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية تواصل نشاطها كسلطة تنفيذية عليا لجبهة التحرير الوطني، كان ابن بلة في القاهرة يدعو إلى عدم الاعتراف بقراراتها ويندد بسلوكات أعضائها الذين هم في الواقع زملاؤه في
_________________
(١) خاصة منهم أحمد فرانسيس وأحمد بومنجل بالإضافة إلى السيد قائد أحمد.
(٢) من بين هؤلاء الإطارات تجدر الإشارة إلى: الزبير بوعجاج، أحمد بوشعيب، محمد مرزوقي، وعثمان بلوزاداد.
(٣) النصوص الأساسية لجبهة التحرير الوطني، ص٤٩.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
النضال ولهم فضل البقاء خارج المعتقلات لضمان مواصلة الكفاح المسلح.
ولقد كانت الثورة الجزائرية تستفيد أكثر لو أن أعضاء الحكومة كلهم اجتمعوا في تونس برنامج طرابلس على ضوء وثيقة وادي الصومام ومن أجل الاستعداد ميدانيًا لما بعد الإعلان عن استرجاع السيادة الوطنية ولمواجهة آثار التخريب الذي قامت به منظمة الجيش السري (١).
وبفضل وساطات متعددة قامت بها جهات مختلفة وخاصة منها الحكومة المصرية وفي مقدمتها الرئيس جمال عبد الناصر رجع ابن بلة إلى تونس وعقدت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية اجتماعًا مطولًا في اليوم السادس والعشرين من شهر جوان. لكن الأمور ازدادت تعقيدًا عندما حضر الاجتماع المذكور ممثلون عن اللجنة التنسيقية للولايات (٢)، ومعهم اقتراح بفصل رئيس وأعضاء قيادة الأركان العامة.
يقول السيد محمد حربي: (إن الاقتراح كان من وحي السيدين كريم بلقاسم ومحمد بوضياف) (٣) لكنه لايقدم أي دليل على ذلك. وقد اعتبره السيد أحمد بن بلة إجراءًا استفزازيًا ورفض حتى مجرد مناقشته ثم غادر قاعة الاجتماع. أما السيدان آيت أحمد وبوضياف فإنهما وجدا فيه حلًا صائبًا للأزمة القائمة بين الحكومة وقيادة الأركان العامة في حين أبدى السيد محمد خيضر معارضة شديدة له، وعلى سبيل الاحتجاج قدم استقالته التي كانت إيذانًا بانتهاء الحكومة وإعلانًا عن وقوفه رسميًا إلى جانب ابن بلة وقيادة الأركان العامة.
لم تكن لهذا الصراع أسس أيديولوجية، ولم يكن من أجل الدفاع عن مصالح الثورة، ولذلك فإن المساعي باءت بالفشل، واليوم، وبعد أكثر من ثلاثين سنة من وقوع الحادث نستطيع الجزم بأنه، في لحظة من اللاوعي واللاشعور، تمكن من القضاء على مكتسبات وطنية تطلب تحقيقها كثير من التضحية، وفي مقدمة تلك المكتسبات وجود وحدة الشعب الجزائري التي لم يجبر كسرها بعد ذلك الحين. ومن جهة ثانية أن الصراع على السلطة قد أهمل الجانب الأيديولوجي وحرم الجماهير الشعبية الواسعة من المشاركة الفعلية في مناقشة مشروع المجتمع المزمع تجسيده على أرض الواقع.
إن المعتقلين التاريخيين الأربعة (٤) يتحملون أكبر قسط من المسؤولية فيما
_________________
(١) ابن طوبال (لخضر) الحديث المذكور سابقًا.
(٢) هؤلاء الممثلون هم الدكتور سعيد حرموش، الرائد رابح زراري والرائد عبد المجيد كحل الرأس.
(٣) حربي، ج ت والسراب والواقع، ص٣٥٢.
(٤) لأن الخامس وهو السيد رابح بيطاط كان معتقلًا في الجزائر ولم ينضم إليهم إلا في الأشهر الأخيرة.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
وقع من مشاكل زائفة أفرغت الثورة من محتواها الحقيقي وفتحت أبواب القيادة واسعة للخونة والانتهازيين على اختلاف أنواعهم. وأول مايعاب على أولئك التاريخيين عجزهم عن التفاهم فيما بينهم وهم في سجن واحد وأمام عدو واحد ومصير واحد ورغم تشبعهم بأيديولوجية واحدة.
أما عيبهم الثاني فيتمثل في عدم قدرتهم على توظيف فترة اعتقالهم التي بلغت خمسة وستين شهرًا لوضع مشروع مجتمع متكامل وبرنامج عمل شامل قصد مواجهة الفترة الموالية لوقف إطلاق النار واسترجاع الاستقلال الوطني، وإذ لم يفعلوا كل ذلك فإنه كان عليهم أن يتعففوا ويتركوا مسؤولية القيادة لمن برهنوا على أنهم أهل لها.
وعلى إثر انفضاض اجتماع الحكومة المؤقتة بالطريقة المشار إليها أعلاه، توجه السيد محمد خيضر في اليوم السابع والعشرين من شهر جوان إلى الرباط، وفي اليوم الموالي طار ابن بلة إلى القاهرة التي لن يغادرها إلا ليلتحق بصاحبه في اليوم التاسع من شهر جويلية. أما الحكومة المؤقتة فإنها دخلت إلى العاصمة يوم الإعلان عن استرجاع الاستقلال الوطني وهي مبتورة الأعضاء بفعل تمرد بعضهم واستقالة بعضهم الآخر (١).
وبعد ذلك التاريخ بأسبوع، شرع السيد أحمد بن بلة في تنفيذ انقلابه الذي كلف الجزائر آلاف القتلى والجرحى بالإضافة إلى تهميش مئات الإطارات ممن دللوا، في الميدان وفي وقت الشدة، على تحليهم بالكفاءة والنزاهة والالتزام. وكانت أول محطة هي تلمسان التي بدأت تستقبل أنصاره منذ اليوم الحادي عشر من شهر جويلية والتي وقع عليها الاختيار لكونها الولاية التي بها مسقط رأسه (٢) ولأن واليها السيد أحمد مدغري الذي يعتبر من العناصر الأكثر وفاء للعقيد هواري بومدين. وفي اليوم السابع عشر من نفس الشهر اجتمع بقادة الولايات في مدينة الشلف الحالية وطلب منهم تزكية المكتب السياسي الذي اقترحه على المجلس الوطني ولم يحصل إلا على واحد وثلاثين صوتًا من جملة ستة وستين.
ومن الجدير بالذكر أن الولاية الثالثة أعطت موافقتها شريطة استبدال السيد محمدي سعيد بالسيد بلقاسم كريم (٣). وبينما اقترحت الولاية الرابعة تكوين المكتب السياسي مؤقتًا من قادة الولايات وتكليفها فقط بتحضير المؤتمر الوطني
_________________
(١) فارس (عبد الرحمن)، ص١٣٥.
(٢) السيد أحمد بن بلة من مواليد مدينة مغنية الواقعة في ولاية تلمسان على الحدود الجزائرية المغربية.
(٣) حربي (محمد) جبهة التحرير الوطني، ص٣٥٩.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
الذي ينتخب المؤسسات والهيئات الوطنية القارة، فإن الولايات الأولى والخامسة والسادسة قد طلبت مهلة للتشاور مع مجالسها. لكن ابن بلة الذي استجاب لرغبتهم لم ينتظر عودتهم إلى تلمسان وفاجأ الجميع في اليوم الثاني والعشرين من الشهر ذاته بالإعلان عن تأسيس المكتب السياسي مشكل من سبعة أعضاء هم: أحمد بن بلة، محمد خيضر، رابح بيطاط، حسين آيت أحمد، محمد بوضياف، محمدي السعيد والحاج بن عله.
ورغم المفاجأة والإعلان الأحادي، فإن موقف الحكومة المؤقتة والولايات كان متزنًا إلى أبعد الحدود إذ لم يشترط سوى استدعاء المجلس الوطني للثورة الجزائرية وإنهاء حالة الحصار المفروضة على قسنطينة. لكن ابن بلة كان يعرف عواقب ذلك الشرط، وعليه فإنه أمر باحتلال قسنطينة بواسطة جيش الحدود وقرر أن المكتب السياسي هو البديل للمجلس الوطني للثورة الجزائرية (١).
وفي اليوم الموالي وهو اليوم السادس والعشرون من شهر جويلية أعلن السيدان محمد بوضياف وبلقاسم كريم عن معارضتهما، وشكلا، في تيزي أوزور، اللجنة الوطنية للدفاع عن الثورة محددين لها مهمة التحضير للمؤتمر وللانتخابات التشريعية.
وترتب عن الإعلان المذكور دخول الطرفين في مفاوضات تخللتها أحداث كثيرة وقادت في النهاية إلى إبرام اتفاق بين المعنيين في اليوم الثاني من شهر أوت. وبمقتضى ذلك الاتفاق تراجع السيد بوضياف عن استقالته من المكتب السياسي الذي كلف، دون غيره، بإعداد قوائم الانتخابات وبتولي المهام التي كانت مسندة إلى الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية. وفي اليوم العشرين من شهر سبتمبر توجه الشعب الجزائري إلى صناديق الاقتراع وزكى القوائم المقدمة له والمكون لأول مجلس تأسيسي ترأسه السيد فرحات عباس، وانبثقت عنه أول حكومة برئاسة السيد أحمد بن بلة.