كانت الحركة المصالية، في أساسها، تركز كل آمالها على فئة العمال والمعدمين من أبناء الشعب الجزائري، ثم جاءت حركة مايو الثورية فعززت قناعة قيادة حزب الشعب الجزائري بضرورة تنظيم كل الفئات الاجتماعية حتى تجعل
منها امتدادًا طبيعيًا للتنظيم السياسي، ولكي يسهل تجنيدها وتأطيرها عند الحاجة.
هكذا ومباشرة بعد مؤتمر شباط سنة ١٩٤٧، شرع حزب الشعب الجزائري في إنشاء هيآت نقابية للحرفيين أسماها الاتحاديات مستفيدًا، في ذلك، من التجارب السابقة التي حاول، من خلالها، تأسيس نقابة وطنية على غرار الاتحاد العام للعمال التونسيين والتي كانت في كل مرة، تصطدم بمعارضة النقابات الفرنسية التي كانت تعتبر الجزائر جزءًا لا يتجزأ من فرنسا. وبسرعة فائقة ظهرت إلى الوجود، وفي نفس الوقت تقريبًا، اتحاد الخبازين واتحاد الخضارين واتحاد التجار الصغار واتحاد أصحاب المطاعم واتحاد الحلاقين وغيرها. وقد كانت كلها تسير من طرف مناضلين محنكين. وفي داخل الاتحاد العام للعمال نفسه زرع الحزب خلايا قوية أسند إليها مهمة تكوين المناضلين النقابيين. وقد برزت أسماء كثيرة قامت بأدوار ريادية في مجال التنظيم النقابي خاصة بعد إشعال فتيل ثورة نوفمبر سنة ١٩٥٤ (٧٢).
وفي شهر حزيران (يوليو) سنة ١٩٤٧، أسس الحزب جمعية النساء المسلمات الجزائريات بتنشيط ورئاسة السيدة مامية شنتوف (٧٣) وعضوية كل من نفسية حمود (٧٤) وسليمة بلحاف (٧٥) ومليكة مفتي (٧٦) وباية نوار (٧٧) بالإضافة إلى السيدتين شرشالي وبومعزة (٧٨). وعلى الرغم من أن هذا التنظيم النسوي لم يتجاوز نشاطه دائرة الجزائر العاصمة، فإن أهم عضواته قد تميزن بنفس نضالي طويل وبرهن على قدرة فائقة في تعبئة أعداد كبيرة من النساء وتوعيتهن بمتطلبات الكفاح التحريري. وبعد استرجاع الاستقلال الوطني كانت نفس السيدات شنتوب وحمود وبلحاف على رأس الاتحاد العام للنساء الجزائريات وذلك بعد أن قامت كل منهن بدورها في إطار جبهة وجيش التحرير الوطني.
[ ١ / ١٧٢ ]
وفيما يتعلق بالطلبة، فإن حزب الشعب الجزائري الذي كان قد تغلغل في أوساط جمعية طلبة شمال إفريقيا المسلمين بواسطة المناضل الطالب محمد يزيد (٧٩) سنة ١٩٤٤، وأنشأ، بواسطة خلاياه النشطة بالجزائر، عددًا من جمعيات التلاميذ في كثير من ثانويات الوطن (٨٠)، فإنه التفت بحزم وعزم إلى جامع الزيتونة واستطاع، في شهر نوفمبر سنة ١٩٤٧، أن يفوز بقيادة جمعية الطلبة الجزائريين التي كانت قد تأسست سنة ١٩٣٤، وظلت حتى تلك السنة تنشط تحت إشراف ورعاية جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
وفي نفس سنة ١٩٤٧، تمكن حزب الشعب الجزائري من السيطرة على منظمة الكشافة الإسلامية الجزائرية التي كانت قد تأسست بمناسبة مرور قرن
على احتلال الجزائر، وظلت تنشط في إطار قريب جدًا من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. أما في تلك السنة، فإن الجمعية العامة التي انعقدت بسيدي فرج في شهر سبتمبر، قد انتخبت قيادة جديدة كلها من مناضلي أو محبي الحركة المصالية (٨١).
وإلى جانب هذه المنظمات الوطنية، فإن حزب الشعب الجزائري قد بذل جهودًا كبيرة لتأسيس جمعيات رياضية (٨٢) ومراكز ثقافية ومجموعة من المدارس الحرة على غرار مدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
كل هذا النشاط التنظيمي قد مكن حزب الشعب الجزائري من الانتشار بقوة في أوساط سائر فئات المجتمع، مما دفع الإدارة الاستعمارية إلى تزييف الانتخابات على جميع مستوياتها وبالتالي من استعمال كل الوسائل لسد طريق السلطة في وجه كافة التشكيلات السياسية الوطنية، ولقد أدركت قيادة الحزب هذه الحقيقة وتيقنت القواعد الحزبية من أن مسلك ما يسمى بالشرعية السياسية لا يمكن أن يقود إلى تسوية القضية الجزائرية التي هي قضية استعمارية ليس لها حل غير الكفاح المسلح، لأجل ذلك فإن أنصار هذا الأخير قد عادوا، بقوة، للمطالبة بالتراجع عن السياسة التي أقرها مؤتمر فبراير سنة ١٩٤٧.
اجتماع زدين والبليدة ونتائجه:
هكذا تعود المؤرخون والمهتمون بالحركة الوطنية الجزائرية أن يسمو الدورة الموسعة التي عقدتها اللجنة المركزية لحزب الشعب الجزائري في نهاية شهر ديسمبر سنة ١٩٤٨. وكما يستنتج بسهولة من التسمية، فإن المجتمعين قد بدأوا أشغالهم بزدين (٨٣) حيث مزرعة السيد جيلالي عبد القادر بلحاج (٨٤)
[ ١ / ١٧٣ ]
المفتش العام للمنظمة الخاصة، وأنهوها بمدينة البليدة.
كانت الدورة من أهم اللقاءات التي جمعت قيادة حزب الشعب الجزائري فمن خلال أشغالها تبين أن النشاط السياسي في إطار الشرعية الفرنسية ضرب من الأوهام، ولم يعد أمام الحزب سوى التركيز على تدعيم وتطوير المنظمة الخاصة التي تستطيع وحدها تقديم الحل الجذري للقضية الجزائرية والمتمثل حسب السيد حسين آيت أحمد في "تعميم فكرة الكفاح المسلح والعمل على إقناع جماهير الشعب بأن الأراضي المغتصبة بحد السلاح لن تسترجع إلا بالسلاح" (٨٥).
وعليه، أكد نفس المسؤول "أنه ينبغي الدخول، فورًا، في حرب عصابات
تخوضها الطلائع التي تم تكوينها عسكريًا وجماهير الشعب التي وقعت تعبئتها سياسيًا وتم تأطيرها على أحسن وجه" (٨٦).
وعلى الرغم من أن التقرير المطول والمركز الذي قدمه مسؤول المنظمة الخاصة لم يحظ بإجماع المشاركين في الدورة، فإن اللائحة الختامية التي صادقت عليها اللجنة المركزية قد أكدت ضرورة تزويد المنظمة الخاصة بكل الإطارات والمناضلين الذين تتوفر فيهم الشروط السياسية والعسكرية لخوض معركة التحرير التي "سوف تكون صعبة وطويلة" كما جاء في ختام التقرير المذكور. ولقد اعتبر السيد علي محساس اللائحة الختامية للجنة المركزية "تعبيرًا واضحًا عن فشل تجربة النشاط السياسي في إطار الشرعية الفرنسية" (٨٧).
ودائمًا في إطار هذا المسعى الثوري اقترح عضو اللجنة المركزية السيد عمار ولد حمودة (٨٨) على الدورة أن تعطي السلطة المطلقة للدكتور محمد الأمين دباغين لتسيير سياسة الحزب الخارجية لكن أعضاء المكتب السياسي رفضوا ذلك وفضلوا الحل الذي جاء به الرئيس مصالي والقاضي بتعيين السيد حسين لحول أمينا عامًا. ورأى الدكتور دباغين في ذلك التعيين إدانة مقنعة للمشاريع التي كان يلوح بها من أجل تقويم الحزب وتطويره في جميع الميادين. لكن مسؤول التنظيم السري، السيد أحمد بودة في ذلك الوقت، يعطي تفسيرًا مغايرًا ويؤكد أنه كان أول من عارض منح الثقة المطلقة للدكتور رغم ما كان بينهما من صداقة متينة وتفاهم كبير حول أمهات القضايا. أما في تلك الأثناء، "فإن الوضع كان خطيرًا وكان ينبغي الاهتمام، أولًا، بتصفية ما يسمى بالأزمة البربرية التي كان أبرز عناصرها من أقرب المقربين للدكتور وفي مقدمتهم
[ ١ / ١٧٤ ]
يأتي السادة عمار ولد حمودة وواعلي بناي وعمر أو صديق الذين كانوا من أكثر أعضاء اللجنة المركزية نشاطًا وحيوية والذين كانت الإدارة الاستعمارية تعتقد أنهم قادرون على تحقيق الانفصال وتشكيل حزب الشعب البربري الذي استطعنا أن نقضي عليه في المهد نظرًا لما فيه من خطورة على وحدة الشعب الجزائرية" (٨٩).
فالدكتور محمد الأمين دباغين لم يدرك أن أعضاء المكتب السياسي إنما عارضوا اقتراح ولد حمودة لحمايته من أن يتحول إلى أداة مفجرة للحزب من الداخل، ولذلك فإنه غادر الاجتماع واعتزل النشاط السياسي ورفض الاستجابة لكل المحاولات التي قام بها رفاقه على اختلاف ميولاتهم، من أجل حمله على العودة إلى ممارسة مهامه. ولما لم تنجح كل المساعي، فإن اللجنة المركزية قد اتخذت، بالإجماع في جلسة يوم ١٠/ ٨/١٩٤٩ قرارًا بطرده من الصفوف (٩٠).
وعلى الرغم من ذلك الحادث المؤلم الذي كان نتيجة سوء تفاهم، فإن دورة اللجنة المركزية لحزب الشعب الجزائري المنعقدة بزدين قد كانت إيجابية بالنسبة للتوجه الثوري وفسحت المجال للمنظمة الخاصة بتوظيف سائر إمكانيات الحزب من أجل الإعداد والاستعداد لمرحلة الكفاح المسلح، وقد كان قرارها ذلك بسبب ما لاحظه المشاركون من عدم جدوى الاستمرار في طريق ما يسمى بالشرعية السياسية.
غير أن الإقرار بأولوية المنظمة الخاصة لم يمنع حزب الشعب الجزائري من مواصلة هيكلة صفوف الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية طبقًا لمقررات مؤتمر شباط سنة ١٩٤٧، ونشر التكوين السياسي والأيديولوجي في أوساط المناضلين المكلفين بتنفيذ البرامج المختلفة. ففي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن الحزب تخلى نهائيًا عن بعض التسميات مثل الفدرالية والجهة والقطاع والفرع التي حلت محلها على التوالي: الولاية والدائرة والقسمة والخلية. وفي المستوى الوطني، استحدث اللجان المختصة وحدد أعضاء اللجنة المركزية ما بين ثلاثين وأربعين وأعضاء المكتب السياسي ما بين ثمانية واثني عشر بالإضافة إلى الرئيس والأمين العام، وعندما نريد الاختصار نقول أن تنظيم الحزب ابتداء من سنة ١٩٤٨ قد أصبح مطابقًا للرسم التالي، وهو الشكل الذي سوف يلازمه إلى غاية اندلاع الثورة في أول نوفمبر سنة ١٩٥٤ (٩١).
[ ١ / ١٧٥ ]
ـ[تخطيط]ـ
[ ١ / ١٧٦ ]
ولم تقتصر التغييرات على الهيكل، بل أن عملية انتقاء المناضلين وإعدادهم هي الأخرى قد سجلت تحسنًا ملحوظًا. وإذا كانت خلايا المحبين لا تخضع لأي نوع من أنواع الانضباط ولا يفرض على أعضائها دفع الاشتراك أو القيام بأدوار أساسية في أوساط الجماهير الشعبية، فإن خلايا المنخرطين تكون محاطة بكثير من العناية المتمثلة في رقابة اجتماعاتها التي تعقد بانتظام والتي توظف لخبرة أعضائها باستمرار وبكيفية تشبه الامتحانات المتواصلة. وعندما يرى المناضلون المسؤولون عن التكوين والمراقبة أن المنخرط أصبح أهلًا للتمتع بصفة المناضل، فإنهم يستدعونه لتأدية القسم الذي يقرأه أو يردد عباراته ويده اليمنى على المصحف (٩٢). بعد ذلك تحدد له الخلية التي يناضل في إطارها.