الجيش الاستعماري
خط موريس من أخطاء تجسدت، بالتدريج، في منع الإمدادات المادية والبشرية من الوصول إلى داخل الوطن حيث أصبحت كل الولايات في حاجة ماسة إليها نظرًا للعمليات المكثفة (١) التي جند لها الجنرال شارل أكثر من نصف مليون جندي لتمشيط الجزائر من الغرب إلى الشرق.
فهذان المبرران هما اللذان جعلا كريم يفصل لصالح أولئك الضباط في صراعهم مع خصومهم المشار إليهم أعلاه، وقد عبر في تحيزه لهم بواسطة تعيين الرائد مولود ايدير (٢) رئيسًا لديوانه العسكري وتكليفه بإعداد مشروع بناء نظامي على الحدود يتولى الإشراف عليه الضباط الجزائريون المكونون في صفوف الجيش الإستعماري.
وعلى الرغم من أن الرائد مولود إيدير قدم مشروعه (٣) إلى لجنة التنسيق والتنفيذ بتاريخ التاسع عشر من تاريخ جويلية سنة ثمان وخمسين وتسعمائة وألف، فإن كريم بلقاسم لم يتمكن من تمريره وجعله يحظى بالموافقة الجماعية، بل أن ضباط جيش التحرير الوطني قد وجدوا في ذلك عاملًا أساسيًا للتضامن والتوحد اللذين مكنا في إجهاض المشروع وسدّ طريق المسؤولية الحقيقية في وجه الضباط القادمين من الجيش الفرنسي (٤) وسوف يظل هذا الخلاف قائمًا إلى
_________________
(١) تعرف هذه العمليات إجمالًا بمخطط شال، وكانت في تفرعها تأخذ أسماء مختلفة مثل: اكلار (البرق) وجيمال (التوأمان) وقد استمرت من ديسمبر ١٩٨٥ إلى فيفري ١٩٦٠.
(٢) كان رائد في الجيش الفرنسي عندما التحق بجبهة التحرير الوطني وعين مسؤولًا عسكريًا عن الحدود الجزائرية الليبية ثم استدعاه كريم ليكون رئيسًا لمكتبه العسكري سنة ١٩٥٨. وعندما قوي جانب خصوم كريم عين سفيرًا لدى الباكستان سنة ١٩٦٠.
(٣) يحدد هذا المشروع رجال جيش التحرير بعدد ١٦٠٠٠٠ جندي منهم ٥٠٠٠ ضابط و١٦٠٠٠ ضابط صف و٠٠٠و٢٥ عريف، وفي جميع مستويات الجيش يطبق الإنضباط العسكري المعروف في صفوف الجيش الفرنسي. أما القادة المناضلون فيسرحون باعتبارهم ينطوون على بذور الفوضى.
(٤) حربي (محمد) جبهة التحرير الوطني، ص ٢٣٢وما بعدها.
[ ٢ / ١٢٥ ]
أن يقع الإنقلاب التاسع عشر من شهر جوان سنة خمس وستين وتسعمائة وألف ويقوم العقيد هواري بومدين بترجيح كفة هؤلاء الأخيرين وتمكينهم من السلطة الفعلية التي ستساعدهم بالتدريج على تصفية الإطارات الذين قامت الثورة على أكتافهم (١).
ولقد كان الفصل في الموضوع بالكيفية التي لجأ إليها بلقاسم كريم. قد أفقد هذا الأخير سمعته الطيبة التي يتمتع بها في أوساط مختلف ولايات الوطن بالإضافة إلى أنه حول معظم ضباط جيش التحرير الوطني على الحدود الشرقية والغربية إلى خصوم صاروا يعملون بكل الوسائل على طرده ومن معه من القيادة العليا ودخلت الثورة في الأراضي التونسية خاصة مرحلة حرجة تميزت بالفوضى وعدم الإنضباط وبالاستعداد الفعلي للإنقلاب لكن الباءات الثلاث، وفي جو من التضامن بينهم، سبقوا الأحداث فتمردوا على المجلس الوطني للثورة وأعلنوا، باسم لجنة التنسيق والتنفيذ، عن ميلاد الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية كما أشرنا إلى ذلك في الفصل السابق.
وعلى الرغم من تمكن الباءات الثلاث من إجهاض المحاولة التصحيحية التي قام بها كل من العقداء محمد (٢) لعموري ومصطفى لكحل، فإن قيادات الداخل قد عقدت ندوة بأراضي الولاية استمرت من اليوم السادس إلى اليوم الثاني عشر من شهر ديسمبر سنة ثمان وخمسين وتسعمائة وألف (٣) وصادقت على محضر جلساتها ثم أرسلته إلى الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية بواسطة الرائد عمر أو صديق (٤).
ومن الجدير بالذكر أن هذا المحضر قد تضمن نقدًا لاذعًا للطريقة التي
_________________
(١) استطاع عبد القادر شابو الذي عينه بومدين أمينًا عامًا لوزارة الدفاع أن يصفي صفوف الجيش الوطني الشعبي من ضباط جيش التحرير الوطني في ظرف خمس سنوات فقط وأسند كل مناصب الحل والربط لرفاقه القادمين من الجيش الفرنسي. لقاء مطول مع الرائد عبد المجيد كحل الرأس في بيته يوم ١٢/ ٠٤/١٩٧٢.
(٢) أنظر التفاصيل في الفصل السابق.
(٣) حضر هذه الندوة العقيد عميروش قائد الولاية الثالثة وهو صاحب الدعوة، والعقيد العبيدي الحاج لخضر قائد الولاية الأولى والعقيد أحمد بن عبد الرزاق، قائد الولاية السادسة، والعقيد بوقرة سي امحمد قائد الولاية الرابعة، حين لم يستجب للدعوة العقيد لطفي قائد الولاية الخامسة واعتذر عن المشاركة العقيد علي كافي قائد الولاية الثانية المستضيفة للندوة.
(٤) كان عضوًا بمجلس الولاية الرابعة عندما تأسست الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية وعين بها كاتب للدولة.
[ ٢ / ١٢٦ ]
تم بها تأسيس الحكومة، واشتمل على توبيخ للقيادة على تقاعسها وتهاونها بالنسبة لعملية التسليح التي توقفت نهائيًا بسبب خطي موريس وشال. وورد في المحضر، دعوة إلى العودة للمبادئ التي وضعها مؤتمر وادي الصومام وخاصة منها أولوية الداخل على الخارج والقيادة الجماعية. وفي النهاية أعلن الحاضرون عن تأسيس لجنة التنسيق فيما بين الولايات لأن (الثورة لا يمكن تسيّرها بقيادة أركان مقرها خارج الحدود) (١).
ففي الثاني عشر من شهر مارس سنة تسع وخمسين وتسعمائة وألف تسلمت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية المحضر المذكور واستمعت إلى شروح وافية في الموضوع قدمها كاتب الدولة الرائد عمر أو صديق (٢). بعد ذلك بدأت المهمات في إتجاه عواصم الوطن العربي وآسيا وبعض البلدان الأوربية (٣). وفي التاسع والعشرين من شهر جوان عادت كل الوفود إلى القاهرة حيث اجتمعت الحكومة برئاسة السيد فرحات عباس، وفي أثناء الإجتماع وقع إصطدام حاد بين العقيدين كريم ومحمود شريف (٤) كاد أن يقود إلى استعمال الأسلحة ثم رفعت الجلسة وتقرر إستدعاء المجالس التي أصبحت تعرقل حسن سير الثورة.