حركة مايو الثورية
[ ١ / ٦١ ]
هناك كتابات كثيرة عالجت هذا الموضوع لكنها لم تشبعه بحثًا، وحتى الآن، فإن الآراء لم تنفق حول المسائل الأساسية التي تتحكم في كل دراسة علمية والتي بدون الفصل فيها لا يمكن التوصل إلى حقيقة ما وقع في ذينك الاسبوعين الأول والثاني من شهر مايو (أيار) سنة ١٩٤٥.
فالمؤرخون الفرنسيون والمتأثرون بهم من الجزائريين يتجنبون الحديث عن الثورة ويركزون على مصطلح الأحداث او المظاهرات، بعد ذلك يتعمدون الضبابية حتى يظل المصدر مجهولًا وتبقى الأهداف المسطورة من طرفه غير واضحة وقابلة للتفسيرات المغرضة والتآويل المختلفة. وزيادة في التعتيم، يؤكد أولئك المؤرخون أن "حوادث مايو" كانت عفوية ولا يوجد أي تنظيم.
وإذا كانت السلطات الاستعمارية قد اتهمت أحباب البيان والحرية معتمدة على كون العديد من القتلى والمعتقلين الجزائريين كانوا يحملون بطاقات العضوية في تلك الحركة (٥٢)، فإن الحزب الشيوعي الجزائري، فيما يخصه، قد وجه أصابع الاتهام إلى من أسماهم بالوطنيين المزيفين الذين يعملون في ركاب "الفاشية الهتلرية" و"الفاشية الإيطالية" وإلى الأوربين الاقطاعيين والمسؤولين الإداريين تحت سلطة حكومة فيشي.
ونحن عندما نعود إلى تلك الفترة الزمنية نستنطقها، وإلى النصوص المعاصرة نحللها ونفحص المعلومات الواردة فيها، وحينما نتوقف عند الشهادات التي أدلى بها المسؤولون السياسيون الذين كانوا يصنعون الحدث التاريخي في ذلك الوقت، وعندما نعيد قراءة الجرائد والمجلات التي عالجت الموضوع في وقته، فإننا لا نستطيع سوى الاعتراف بأن ما وقع في شهر مايو سنة خمس وأربعين وتسعمائة وألف إنما هو حركة ثورية أعدت لها قيادة حزب الشعب الجزائري التي كانت قد أخذت كل الاحتياطات لتكون النتيجة الحتمية هي إقامة الجمهورية الجزائرية وما يتبعها من مؤسسات وطنية.
إن ما وقع في شهر مايو سنة ١٩٤٥ يجب البحث عن أسبابه القريبة في شهر مارس (آذار) من نفس السنة. ففي اليوم الثالث من ذاك الشهر، وبينما كان طريح الفراش، أرسل السيد فرحات عباس لائحة إلى مؤتمر أحباب البيان والحرية، غير أنها لم تلق قبولًا ورفض المؤتمرون المصادقة عليها، رغم ما كان لعباس من مكانة، لأنها تدعو إلى إدراج الجزائر في نظام اتحادي مع
[ ١ / ٦٣ ]
فرنسا. وفي نفس الفترة صرح الشيخ البشير الإبراهيمي، في تلمسان، أن الرئيس روزفالت وعد باستقلال الجزائر عن طريق ندوة سان فرانسيسكو (San Francisco) المزمع عقدها في نهاية أفريل (نيسان) سنة ١٩٤٥) (٥٤).
وإذا كنا في غير حاجة إلى التذكير "بمنظمة الشباب" والجيش الثامن وما كان يجري فيهما من إعدادات واستعدادات، فإننا لا نستطيع إغفال بعض الأحداث المعبرة التي وقعت في شهر أفريل وهي تحمل في طياتها دليلًا قاطعًا على أن الجانبين الجزائري والاستعماري كانا يعملان: الأول من أجل خرق الموانع التي تحول بينه وبين سيادته المغتصبة، والثاني من أجل تأبيد حالة السيطرة والاضطهاد والتبعية حتى ولو كان ثمن ذلك هو إبادة الشعب الجزائري بأكمله، ومن جملة تلك الأحداث المعبرة نذكر ما يلي:
١ - إن المكتب المركزي لأحباب البيان والحرية قد أصدر نشرة بتاريخ ٢/ ٤/١٩٤٥ دعا من خلالها إلى التمسك بالمطالب الواردة في بيان الشعب الجزائري وإلى العمل بجميع الوسائل في سبيل تحرير المعتقلين السياسيين وحمل الحكومة الفرنسية على الاستجابة لطموحات الجزائريين في تحقيق الأهداف المسطورة في الوثائق المرفوعة إليها عن طريق الوالي العام السيد بايروتون.
٢ - في شهر افريل أيضًا، قامت الجماهير الشعبية في قصر الشلالة بمنع السلطات الفرنسية من اعتقال أربعة مناضلين مسؤولين في صفوف حزب الشعب الجزائري المحظور وتصدت لعامل ولاية الجزائر ومرافقيه بالرجم والشتم، هاتفة باستقلال الجزائر وحياة زعيمها الحاج مصالي مما استدعى تدخل القوات العسكرية.
٣ - في يوم ٢٤/ ٤/١٩٤٥ قام ستة مندوبين عامين أوروبيين (٥٥) بتوجيه بيان إلى عامل ولاية قسنطينة دعوه فيه إلى اتخاذ إجراءات صارمة تمنع ما قد يقع من أحداث نتيجة ما لاحظوه لدى الأهالي من سلوكات حاقدة على فرنسا والفرنسيين.
ومما جاء في ذلك البيان "إن ذهنية الأهالي قد تغيرت، وصار الموظفون والتجار المسلمون متجبرين، ويعلنون لمن يريد السماع أنهم عازمون على البقاء، وحدهم، في أرض أجدادهم وأنهم سوف يسترجعون استقلالهم الكامل .. أما العمال، فإنهم أصبحوا يرفضون الاشتغال في الحظائر الخاصة وفي ملكيات الفرنسيين" (٥٦).
[ ١ / ٦٤ ]
٤ - في يوم ٢٦/ ٤/١٩٤٥ قال عامل عمالة قسنطينة للدكتور سعدان" اضطرابات سوف تقع، وعلى إثرها يحل حزب عتيد" (٥٧) وفي نفس اليوم أعلن رئيس بلدية abbo (سيدي داوود حاليًا) إن أحداثًا لآتية ومعها ستضطر الحكومة للتراجع على أمرية السابع مارس" (٥٨).
٥ - في نفس شهر أفريل استقبل الحاج مصالي كلًا من الدكتور محمد الأمين دباغين وحسين عسلة فاطلعاه على مشروع إشعال فتيل الثورة مباشرة بعد أن تضع الحرب أوزارها. ووافق زعيم حزب الشعب الجزائري على المشروع كما وافق على أن يهرب إلى ناحية سطيف حيث يعلن عن تأسيس الحكومة الجزائرية المؤقتة التي يكون مقرها بمزرعة المناضل الأستاذ معيزة. (٥٩). لكن الإدارة الاستعمارية كانت أسرع فبادرت إلى نقل الحاج مصالي إلى المنيعة يوم ٢٣/ ٤/١٩٤٥ قبل أن تنفيه في نهاية الشهر، إلى برازافيل.
٦ - في شهر افريل نفسه كتب الجنرال Henry Martin (هنري مارتان) بات مؤكدًا نقلًا عن مصادر مختلفة في سطيف، أن حزب الشعب الجزائري يعمل على تنظيم الثورة الشاملة" (٦٠).
٧ - إن الأمين العام للولاية العامة السيد Gazagne قد وجه إلى باريس تقريرًا مفصلًا يحمل تاريخ أفريل ١٩٤٥ جاء فيه على الخصوص" يجب علينا اتخاذ الإجراءات الملائمة لإيقاف الحركة، ولكي تعلم الجماهير أننا غير مستعدين لغض الطرف .. ولقد علمنا من جهات مختلفة أن عملية ما، يجري تنظيمها بمناسبة انتهاء الحرب، وسوف تكون عامة. أما مناطقها الحساسة فكثيرة ومنها: سطيف، تبسة، بسكرة، الأوراس، الجزائر، تلمسان، وهران، ومعسكر" (٦١).
٨ - إن الحركة الوطنية الجزائرية التي وجدت طريقها إلى التوحد حول عدد من المحاور الرئيسية في إطار" أحباب البيان والحرية"، لم تتوقف عن إرسال الوفود الواحد بعد الآخر، إلى ممثلي الحلفاء قصد إطلاعهم على حقيقة الواقع الاستعماري في البلاد وتحميسهم لمساعدة الشعب الجزائري على ممارسة حقه في تقرير مصيره.
وإذا كان السيد فرحات عباس، في لقاءاته المتعددة مع السيد روبرت مرفي (Robert Murphy) قد حصل على وعد صريح من هذا الأخير مفاده أن أميريكا ستعمل، في الوقت المناسب، على جعل فرنسا
[ ١ / ٦٥ ]
تنهي حالة الاستعمار في الجزائر، فإن ممثلي حزب الشعب الجزائري الذين قاموا بنفس المهمة قد قوبلوا ببرودة من طرف نفس المسؤول الأمريكي الذي قال لهم: "إن المعلومات المستقاة من مصادر مختلفة تدل على أن حركتكم لا تمثل أغلبية الشعب الجزائري، وإن هذا الأخير لن يتبعكم ولن يعطيكم ثقته في حالة استشارته (٦٢). فأمام هذه اللغة المزدوجة، أصبح على قادة الحركة الوطنية أن يقوموا بنشاط علني يثبتون، من خلاله، سوء تقدير الحلفاء، ويبرهنون به على أنهم الناطق الشرعي باسم جماهير الشعب الجزائري الذي صار هدفه الأسمى هو استرجاع السيادة الوطنية وإقامة الجمهورية الجزائرية بجميع مؤسساتها.
٩ - إن أخبارًا متواترة قد بدأت تصل إلى أسماع قادة الحركة الوطنية مفادها أن اللجنة الفرنسية للتحرير قد تمكنت من إقناع الحلفاء بأن الجزائر جزء لا يتجزأ من فرنسا، وبأن دعاة الانفصال لا يمثلون إلا أنفسهم، وهم منبوذون من الشعب الحقيقي ونتيجة ذلك الإقناع صرح السيد مرفي أن" السلطات الأمريكية لن تتدخل في الشؤون التي هي من اختصاص الإدارة الوطنية أو التي لها علاقة بالسيادة الفرنسية" «٦٣).
١٠ - إن حزب الشعب الجزائري المحظور قد تمكن بالموازاة مع نشاط اطاراته ومناضليه داخل صفوف أحباب البيان والحرية، من تحقيق نتائج باهرة في مجالات التنظيم والتكوين والتسليح، وأصبح واضحًا للعيان أن تلك النتائج تؤهله لجر الحركة الوطنية إلى ثورة شعبية مسلحة من أجل استرجاع الاستقلال الوطني كاملًا وبالشروط الواردة في برنامج نجم شمال افريقيا المشار إليه سابقًا. ولقد أدركت قيادة أحباب البيان والحرية من غير عناصر حزب الشعب الجزائري ذلك الواقع وارتاعت لما يمكن أن تكون عواقبه، خاصة وأنها لا تؤمن بالكفاح المسلح كوسيلة لحمل فرنسا على الاستجابة لطموحات الشعب الجزائري. لأجل ذلك فإن السيد فرحات عباس قد جعل المكتب المركزي للحركة يتوج اجتماعه المنعقد بنداء إلى المواطنين جاء فيه" أن أحباب البيان والحركة لن تتحمل أية مسؤولية فيما تقوم به بعض العناصر المشبوهة من أحداث .. وبالتالي فهي تدعو كافة المناضلين إلى تسليمها كل مشاغب تشتم فيه رائحة العمل في غير الإطار المعلوم" (٦٤).
[ ١ / ٦٦ ]
إن التمعن في كل هذه النقاط، والتوقف مليًا عند سائر جزئياتها يدعون الدارس بالضرورة إلى إعادة النظر في كيفية تعامل المؤرخين الفرنسيين وتلامذتهم من الجزائريين مع ما وقع في شهر مايو ١٩٤٥ هل كان بالفعل مظاهرات استفزازية وعفوية؟ أم هي أحداث دامية تسبب فيها المتطرفون الجزائريون والفرنسيون على حد سواء؟ أم هي تمردات عشوائية سببها الجوع والحرمان فقط؟ أم هي انتفاضة شعبية فشلت بسبب عدم وجود القائد والمخطط؟
وهل يمكن التحدث عن فاتح مايو بمعزل عن ثامنه؟ وهل إن ما جرى قد اقتصر على يومي الفاتح والثامن مايو سنة ١٩٤٥؟ وهل يمكن القول: إن مايو ١٩٤٥ هو أساس ثورة ١٩٥٤؟
كل هذه الأسئلة طرحناها بإلحاح على عدد كبير من مسؤولي الحركة الوطنية ممن كان بيدهم الحل والربط في ذلك الوقت (٦٥)، ثم عدنا بها إلى مختلف النصوص المعاصرة بقطع النظر عن الجهات الصادرة عنها، وانتهينا، بعد بحث وتمحيص إلى أن ماجرى في شهر مايو ١٩٤٥ كان حركة ثورية جاءت تتويجًا لعمل نضالي تواصل بدون انقطاع طول المدة التي دامتها الحرب الامبريالية الثانية. وإذا كان يوما الفاتح والثامن من مايو يرمزان إلى محطتين رئيسيتين في مسار تلك الحركة، فإن الشهر كله قد تميز بالنشاط الثوري الذي فتحت له الجماهير الشعبية أحضانها المتينة والذي تطور بسرعة فائقة عبر مختلف أنحاء شمال شرقي البلاد وكان من الممكن أن يمتد إلى سائر أرجاء الوطن لولا إحجام القيادة وترددها أمام عمليات القمع الأعمى التي قامت بها سلطات الاستعمار على مسمع ومرأى ممثلي الحلفاء المنتصرين الذين كان سكوتهم دليلًا قاطعًا على تبنيهم للجريمة الفرنسية وارتياحهم لوقوعها.