حزب الشعب الجزائري
[ ١ / ١٤٧ ]
الجزائرية، وكلما كان ذلك ضروريًا، كان يشرح موقف حزبه من الواقع الاستعماري ويدعو إلى تأييد مساعيه الرامية إلى استرجاع سيادة الجزائر واستقلالها كاملين.
ونتيجة كل تلك التحركات المكثفة في تلك المدة القصيرة من الزمن، كتب بعض المؤرخين (١) أن الساسة الفرنسيين، سواء منهم الذين زاروا برازافيل أو الذين اكتفوا بمحادثات باريس، هم الذين اقنعوا زعيم حزب الشعب الجزائري بضرورة المساهمة في الحياة الانتخابية الفرنسية، لكن ذلك، بعد الدراسة المتمعنة، يبدو غير صحيح، لتناقضه مع شهادة السيد بلقاسم راجف (٢) التي ذكرها الدكتور شفيق مصباح والتي تؤكد أن قرار المشاركة في الانتخابات "قد اتخذه الأعضاء القياديون الذين كانوا متواجدين في باريس" (٣) ومهما يكن من أمر، فإن السلطات الفرنسية قد رخصت للسيد مصالي الدخول إلى الجزائر يوم ١٣/ ١٠/١٩٤٦ وهونفس اليوم الذي جرى فيه الاستفتاء حول مشروع الدستور الفرنسي (٤) الذي كان حزب الشعب الجزائري والاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري قد أعلنا عن قرارهما بمقاطعته.
وفي الجزائر، وجد الحاج مصالي غليانًا كبيرًا في صفوف حزب الشعب خاصة فيما يتعلق بمن يتحمل مسؤولية الأمر باشعال فتيل الثورة (٥) والأمر المضاد الذي وصل بعض المناطق ولم يبلغ لبعضها الآخر. وكذلك فيما يخص الميل إلى الحياة الانتخابية الذي بدأ يتسرب بسرعة إلى الأوساط القيادية. وإلى جانب ذلك الغليان، وجد الزعيم أن مكانته عالية بين المناضلين ولدى جماهير الشعب في آن واحد. لأجل كل ذلك وافق على أن تعقد ندوة وطنية لإطارات الحزب دامت أعمالها ثلاثة أيام برهن خلالها رئيس الحزب على قدرة فائقة في التسيير والإقناع حتى إن الأغلبية الرافضة للدخول في الانتخابات قد تحولت، في آخر جلسة، إلى شبه إجماع على تقديم مرشحين لتمثيل الشعب الجزائري في البرلمان الفرنسي.
وعلى هامش الندوة الوطنية للإطارات، التقى كل من السيدين الحاج مصالي وفرحات عباس واقترح هذا الأخير أن تضع الحركتان الوطنيتان استراتيجية مشتركة لمواجهة الانتخابات التشريعية المزمع إجراؤها يوم ١٠/ ١١/١٩٤٦، غير أن زعيم حزب الشعب رفض الاقتراح بسبب التباعد الإيديولوجي
[ ١ / ١٤٩ ]
بين التشكيلتين السياسيتين. ونحن نعتقد أن إثارة التباعد الإيديولوجي في ذلك الظرف بالذات لم يكن في محله لأن المشاركة في الانتخابات التشريعية الفرنسية تجعل الحزبين في مرتبة واحدة من حيث اعترافهما بسيادة فرنسا على الجزائر.
وعلى أية حال، فإن موافقة الندوة الوطنية للاطارات، على الدخول إلى معركة الانتخابات في ظل الشرعية الفرنسية لم تكن سوى تنازل بمقابل، لأن الرافضين للأسلوب الجديد الذي هو في الواقع نقيض الأسلوب الذي ظلت الحركة المصالية تتمسك به منذ نشأتها والذي هو العنف الثوري أو الكفاح المسلح، قد حصلوا على قرار الندوة بعقد مؤتمر يتولى البت النهائي في التوجهات الأساسية للحزب.
ومما لاشك فيه أن دعاة المشاركة في الانتخابات كانوا يدركون جيدًا أن إرسال ممثلين عنهم إلى المجلس الوطني الفرنسي ليس هو الطريق الأسلم إلى شاطئ السيادة الوطنية. كما أنهم كانوا يعلمون أن الحياة البرلمانية عقيمة وأن "الشعب الجزائري يجب أن يعتمد على نفسه لإنجاز ثورته الوطنية" (٦) ومن جهة أخرى، فإن حزب الشعب الجزائري "لا يرى في المشاركة أو في الامتناع عن الانتخاب إلا فرصة إضافية بالنسبة للشعب الجزائري كي يبرهن على دقة تنظيمه وانضباطه ونضجه السياسي". (٧)
وبقدر ما كان الصراع شديدًا بين دعاة المشاركة في الانتخابات ودعاة المقاطعة بجميع أنواعها، كان التفاف جميع الأطراف قويًا حول قرار الندوة وذلك طبقًا لمبدأ المركزية الديموقراطية وحفاظًا على وحدة الحزب. وليس أدل على قوة انضباط الإطارات القيادية من امتشاق السيد حسين لحول قلمه السيال لإقناع القواعد المناضلة بسلامة القرار بينما كان هو الوحيد الذي ظل متماسكًا بموقفه الرافض المناهض لفكرة المساهمة باعتبارها تراجعًا خطيرًا في سياسة حزب الشعب الجزائري.
وتطبيقًا لقرار الندوة، وبتاريخ ٢٣/ ١٠/١٩٤٦، قدم السيد الحاج مصالي قوائم المرشحين، لكن الإدارة الاستعمارية رفضت ترشيحه شخصيًا بالنسبة لدائرة العاصمة باعتباره من المحكوم عليهم قضائيًا (٨)، كما أنها رفضت قائمتي وهران وسطيف (٩). وبديهي أن في مثل هذه الإجراءات التعسفية تكذيبًا صارخًا للقائلين (١٠) أن الدخول إلى الانتخابات كان نتيجة اتفاق بين رئيس حزب الشعب الجزائري والسلطات الرسمية في فرنسا.
وعلى الرغم من كل المضايقات والمناورات التي لجأ إليها ممثلوا الإدارة
[ ١ / ١٥٠ ]
الاستعمارية، فإن مرشحي حزب الشعب الجزائري قد فازوا بنصف المقاعد التي تنافسوا عليها (١١). ذلك أنهم لم يدخلوا الانتخابات إلا في خمس دوائر فازوا فيها بخمسة مقاعد مقابل خمسة لممثلي الإدارة الاستعمارية. أما في دائرتي سطيف ووهران حيث لم يسمح لهم بالمشاركة، فإن المقاعد الخمسة المتبقية قد توزعها الشيوعيون وممثلوا الإدارة (١٢). وللتذكير، نشير إلى أن الذين ذهبوا إلى قصر البربون باسم حزب الشعب الجزائري هم: الدكتور محمد الأمين دباغين، الدكتور جمال دردور والمهندس مسعود بوقدوم عن قسنطينة والسيدان أحمد مزغنة ومحمد خيضر عن الجزائر العاصمة.
ولما أدركت السلطات الاستعمارية أن جماهير الجزائر ملتفة حول حزب الشعب الجزائري فإن وزارة الداخلية قد أصدرت قرارًا يغير طريقة انتخاب أعضاء مجلس الجمهورية، وبموجب ذلك القرار ألغيت الإدارة الشعبية وأسندت مسؤولية الاختيار إلى المنتخبين البلديين وأعضاء الجماعات ورؤسائها حيث البلديات المختلطة. ولقد لجأت وزارة الداخلية إلى هذه الطريقة لكون كل أولئك المنتخبين قد وقع اختيارهم على إثر حركة مايو الثورية عندما كان معظم القياديين الوطنيين في السجون، وكان حزب الشعب الجزائري قد دعا جميع الجزائريين إلى مقاطعة الانتخابات "من أجل المحافظة على مستقبل الوطن الجزائري وللتأكيد على التمسك بسياسة التحرير الوطني وعلى الوفاء لأرواح الشهداء وللمناضلين والزعماء المعتقلين" (١٣).
وأمام هذه المناورة الاستعمارية، فضل حزب الشعب الجزائري الامتناع عن المشاركة في انتخابات مجلس الجمهورية تاركًا المكان للاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري الذي استطاع أن يفوز بأربعة مقاعد من جملة السبعة المخصصة للمجموعة الانتخابية الثانية كما أشرنا إلى ذلك في غير هذا المكان.
ولم يكن قرار مقاطعة الانتخابات مفيدًا للاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري فحسب، بل إنه شكل فرصة ثمينة لقيادة حزب الشعب الجزائري وظفها، إلى أقصى الحدود، من أجل تحضير وثائق المؤتمر وإعداد الترتيبات المادية والأدبية الضرورية لنجاحه. وبالفعل، فإن الفترة الممتدة إلى غاية الخامس عشر من شباط سنة ١٩٤٧ قد تميزت بنشاط سياسي مكثف مكن القواعد المناضلة من التفاعل مع قياداتها في معالجة سائر القضايا المطروحة على الساحة السياسية في الجزائر، كما أنه أوجد أجواء من الحماس الذي كان لابد منه لمواجهة مثل ذلك الحدث الذي دعت إليه جميع التيارات - وكل منها -
[ ١ / ١٥١ ]
يعتقد أن نتائجه سوف تكون لصالحه وحده.
لم يكن المؤتمر تأسيسيًا ولا مؤتمرًا أول للحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية كما يذهب إلى ذلك جل المؤرخين والمهتمين بتاريخ الحركة الوطنية، لكنه كان المؤتمر الثالث لحزب الشعب الجزائري (١٤) كما تدل على ذلك الكتابات المعاصرة والشهادات التي لجأنا إليها لتسليط الأضواء على تطور الحياة السياسية في الجزائر خلال الفترة ما بين ١٩٣٩ و١٩٤٧ (١٥).
هذا من ناحية الشكل، أما من حيث الموضوع، فإن المؤتمر كان أخطر مؤتمرات حزب الشعب الجزائري لأنه جاء نتيجة ضغط الإطارات القيادية الواعية التي استنكرت على السيد الحاج مصالي قرار الدخول في المعركة الانتخابية رغم ما في هذا القرار من تناقض مع أيديولوجية الحزب، مع أنه أسفر عن إثراء أيديولوجي سمح بتجاوز الأمة وتجنب الانقسام الذي كاد أن يعصف بالحزب كله.
قبل هذا المؤتمر، لم تشهد الحركة الوطنية معارضة بمثل قوة ما وقع في تلك الأشهر الأخيرة من سنة ١٩٤٦. إطارات شابة مثقفة وواعية تعلن عن رفضها اتباع الزعيم وتشكل لجنة إنقاذ ويقظة توكل إليها مهمة تعبئة القواعد المناضلة ضد التوجه الجديد الذي لم يشارك أحد منهم في تحديده وإقراره.
وقبل هذا المؤتمر، أيضًا، لم يحدث أن استمع المؤتمرون إلى مسؤولين قياديين يناقشون بصراحة، لا تعرف الحدود، برنامج الحزب ويبدون آراءهم بحرية مطلقة حول واقعه ومستقبله.
وعلى الرغم من السرية التي أحاطت الاجتماعات (١٦)، وعلى الرغم من الجو المكهرب الذي سبق انعقاد المؤتمر، فإن هذا الأخير قد استمع إلى تقريرين في منتهى الأهمية.
أما التقرير الأول فقد قدمه السيدان حسين لحول وشوقي مصطفاي وهو يتعلق بموقف الحزب من الانتخابات. فقيادة حزب الشعب الجزائري ظلت، طيلة سنوات الحرب الإمبريالية الثانية، تدعو إلى مقاطعة كل أنواع الاقتراع، وقد كانت، في تشددها، ترفع شعار: "من انتخب كفر". وبالتدريج، انتشرت الفكرة في أوساط القواعد المناضلة التي عممتها، بدورها، في أوساط الجماهير الشعبية. ثم هاهو الزعيم، وبدون سابق إنذار، يقرر المشاركة في المعركة الانتخابية. هنا يطرح السؤال نفسه: كيف يكون إقناع المناضلين بضرورة هذه الردة؟ وكيف يمكن للمناضلين أن يقنعوا جماهير الشعب بجدوى هذا التحول
[ ١ / ١٥٢ ]
السريع خاصة وأن الأوضاع السياسية لم تتغير؟ لكل هذه الأسئلة ولغيرها قدم التقرير إجابات اعتبرها السيد أحمد بودة سحرية (١٧) لأنها جعلت أغلبية الأعضاء يصفقون للنشاط السياسي في ظل الشرعية والقانون الاستعماريين.
وكان التقرير الثاني من تقديم السيد حسين آيت أحمد الذي ضمنه آراء وأفكار مجموعة من الشباب المثقف والمتحمس للكفاح المسلح الذي كانت قواعده قد تبلورت في تلك العشيرة الممتدة من سنة ١٩٣٧ إلى سنة ١٩٤٧ بفضل التجارب والخبرات المتراكمة من جراء نشاط اللجنة الخضراء ولجنة شمال إفريقيا للعمل الثوري والجيش الثامن والقوات العربية في الداخل ومنظمتي الشباب في بلكور والقصبة. ومما لا شك فيه أن ذات التقرير الذي امتاز بالدقة في التعبير وبالتركيز الإيديولوجي سوف يكون هو الهيكل الذي سيعتمده السيد آيت أحمد في إعداد تقريره الشهير إلى اللجنة المركزية المنعقد اجتماعها الموسع بزدين والبليدة في الأسبوع الأخير من شهر ديسمبر ١٩٤٨.
على ضوء ذينك التقريرين ناقش المؤتمر واقع الحزب وأعد مخططًا مستقبليًا وظفه، منذ البداية، للفصل في موضوع النزاع القائم بين الأطراف الثلاثة على النحو التالي:
١ - يتواصل نشاط حزب الشعب الجزائري رغم الحظر المضروب عليه ورغم رفض الإدارة الاستعمارية الترخيص له بالعمل في إطار الشرعية السياسية الفرنسية.
٢ - استجابة لإلحاح دعوة الكفاح المسلح يتم تأسيس المنظمة الخاصة أو المنظمة السرية قصد مواصلة العمل الذي قامت به مختلف التنظيمات المشار إليها أعلاه. ومن الجدير بالذكر أن هذه المنظمة بهيكلتها وأعضائها هي التي سوف تكون منطلقًا لبناء جيش التحرير الوطني بعد إشعال فتيل الثورة ليلة الفاتح من نوفمبر ١٩٥٤.
٣ - الإبقاء على الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية كواجهة لممارسة العمل السياسي في إطار الشرعية والقانون الفرنسيين.
وإذا كان المؤتمرون قد ألحوا على أن يختار للمنظمة الخاصة أكثر المناضلين حيوية وصلابة، وعلى أن تزود بأفضل الإطارات وعيًا وتكوينًا، فإنهم قرروا، بالنسبة للحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية، أن تستفيد من المنخرطين الجدد ومن المناضلين والإطارات التي اكتشفت أمرهم المصالح الاستعمارية وأصبحوا غير قادرين على حياة السرية التي يستوجبها العمل في
[ ١ / ١٥٣ ]
إطار التنظيمين السياسي والعسكري.
وانتخب المؤتمر بالإجماع السيد الحاج مصالي رئيسًا للحزب وزكى السيد حسين لحول للاستمرار في منصب الأمين العام، كما أنه عين لجنة من ستة أعضاء (١٨) أوكل لها مهمة تعيين اللجنة المركزية والمكتب السياسي، ويذكر السيد ابن يوسف بن خدة (١٩) أن اللجوء إلى هذه الطريقة، إنما كان بدافع الحفاظ على أعضاء القيادة السياسية الذين يستدعي واقع الحزب أن تبقى أسماؤهم سرية بقدر الإمكان.
أما من أعضاء المكتب السياسي، فإن السيد حسين آيت أحمد (٢٠) يذكر أن عددهم كان اثني عشر، لكن السيدين مسعود بوقادوم وابن خدة، فإنهما يعددان أربعة عشر عضوًا (٢١).
وفيما يتعلق بتوزيع المهام، فإن كل المصادر متفقة على أن مسؤولية المنظمة الخاصة أسندت إلى السيد محمد بلوزداد والتنظيم السياسي إلى السيد أحمد بودة بينما كلف أحمد مزغنة بالحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية وتركت الشؤون الخارجية إلى الدكتور محمد الأمين دباغين.
هكذا ختم المؤتمر أشغاله بقرارات مرضية لجميع الأطراف، وراح كل طرف يسعى بكل ما لديه من إمكانيات للتدليل على أن أسلوبه هو الأنجع وطريقته هي الأمثل لاسترجاع الاستقلال الوطني. ولكي نتمكن من فهم الفترة الفاصلة بين تاريخ ذلك المؤتمر وميلاد جبهة التحرير الوطني فإننا لا نجد بدًا من التعرض لجميع المراحل التي قطعها حزب الشعب الجزائري بوسيلتيه العسكرية والسياسية.