موقف الشيوعيين من الحركة الوطنية
الجزائرية وثورة نوفمبر ١٩٥٤
[ ١ / ٢١٧ ]
في البداية، كان الحزب الشيوعي الفرنسي يضم في صفوفه كل الشيوعيين العاملين عبر مختلف أنحاء "الإمبراطورية" التي كانت مجزاة إلى اتحاديات أو فدراليات. وكانت أهم الفدراليات في الجزائر تلك التي يوجد مقرها بمدينة بلعباس الكائنة جنوب مدينة وهران على بعد حوالي أربعمائة كلم من العاصمة.
ومن غرائب الصدف أن "سيدي بلعباس" هي في نفس الوقت مقر اللفيف الأجنبي الذي كان يضم جيشًا من المتطوعين الأجانب تأسس سنة ١٨٣١ لخدمة فرنسا وهو مكون أساسًا من المشاة والمظليين ولم يغادر المدينة إلا عندما غادر الجزائر نهائيًا سنة ١٩٦٢.
لقد كان الشيوعيون الجزائريون يسمون مدينة سيدي بلعباس: "مكة الحمراء"، وحينما قامت الأممية يوم ٢٠/ ٥/١٩٢٢ بتوجيه نداء لتحرير الجزائر وتونس من أجل تقويض أركان الإمبريالية الفرنسية وضربها في الأعماق"، فإن اتحادية بلعباس قد نشرت لائحة صادقت عليها بالإجماع تعتبر فيها النداء" جنونًا خطيرًا" وتدعو من خلالها إلى معارضة استقلال الجزائر لأن "سيادة آكلي لحوم البشر غير مرغوب فيها".
وعلى الرغم من أن الكومنترن، على لسان تروتسكي، لم يتردد في إدانة اللائحة المذكورة ووصف الشيوعيين في بلعباس بتجار الرقيق، فإن قيادة هؤلاء قد ظلت متمسكة بآرائها القائلة "بأن تحرير البروليتاريا في شمال افريقيا لا يمكن أن يتم إلا بالثورة في الوطن الأم". ولم يكن موقف قيادة الحزب الشيوعي الفرنسي أفضل من ذلك، فهي ترى، على غرار الإدارة الاستعمارية، أن الجزائريين الأصليين (الأهالي كما كانوا يسمونهم) عاجزون عن تسيير شؤونهم بأنفسهم وغير أهل للاستقلال.
ولم يحدث التغيير في استراتيجية الحزب الشيوعي الفرنسي إلا سنة ١٩٣٥ وذلك من خلال الدورية التي وقع عليها السيد Jean Chaintron المدعو بارتيل (Barthel(١» والتي تعرضت بصراحة للجبهة الفرنسية اليهودية ضد "الشعب العربي" ودعت إلى تكوين جبهة مضادة تفتح صفوفها لمن كان يطلق عليهم تسمية "الإصلاحيون الوطنيون" (يعني التيار الوطني بتشكيلتيه
[ ١ / ٢١٩ ]
المعروفتين).
فالدعوة إلى تكوين جبهة مضادة بالكيفية المشار إليها أعلاه قد أحدثت خلافًا كبيرًا في أوساط المثقفين الذين كانوا يعبرون عن التيارات السياسية السائدة في قيادة الحزب الشيوعي الجزائري الذي أسندت له مهمة "تعريب القواعد المناضلة" أي فتح باب الانخراط أمام العرب وهي التسمية التي كانت تطلق على الجزائريين الأصليين (٢) ونتيجة لذلك أيضًا، نشر السيد نشمان ليست Nechman List كتابًا تحت عنوان "القضية الجزائرية" (٣) يدعو من خلال صفحاته القليلة إلى "أنجاز الثورة الزراعية المناهضة للامبريالية والكفيلة وحدها بإعطاء الجزائر استقلالها وبتمكينها من تنمية قواها الإنتاجية التي كبلها الاستعمار".
ففي تلك الأجواء التي تميزت بكثير من التردد حول الموقف الذي ينبغي اتخاذه حيال الجزائر المستعمرة وشعبها المضطهد، برزت أسماء مجموعة من القياديين الشيوعيين الذين يأتي في مقدمتهم السادة عمار أوزقان وابن علي بوقرط وقدور بلقاسم الذين نزلوا إلى ميادين العمل النضالي متشبعين بالأيديولوجية الشيوعية ومركزين على تحقيق هدفين أساسيين هما:
السعي لإنجاح الجبهة الشعبية في إنجاز اصلاحاتها وخاصة منها مشروع بلوم فيوليت، والإسهام بفعالية في عقد المؤتمر الإسلامي وتمكينه من تحقيق أغراضه.
أما مشروع بلوم فيوليت (٤) فنوع من التنويم المغناطيسي الذي قدمته الإدارة الاستعمارية في شكل إصلاح سياسي يرمي إلى ترقية شريحة محدودة من المجتمع المسلم في الجزائر، لكنه، في الحقيقة، لم يكن سوى وثيقة تعطي حق الانتخاب فقط للجزائريين الذين يتوفر فيهم واحد من تسعة شروط (٥) لا يمكن العثور عليها في أكثر من خمسة وعشرين ألف جزائري. وعلى الرغم من ذلك، ومن أن المشروع حظي بقبول أغلب التيارات السياسية بما في ذلك الشيوعيين الجزائريين والمنتخبين والعلماء المسلمين الجزائريين، فإن الكولون قد رفضوه رفضًا مطلقًا وتمكنوا في النهاية من تجميده وإفشاله.
وأما المؤتمر الإسلامي فلا علاقة له بالمؤسسات الإسلامية كما قد يتبادر إلى الذهن، بل سمي كذلك لأنه دعي إلى الانعقاد للنظر في شؤون المسلمين أي سكان الجزائر الأصليين لأن مصطلح "الجزائريين" كان في ذلك الوقت مقصورًا على الأوربيين والمتجنسين بالجنسية الفرنسية. وفي مفهوم الإدارة الاستعمارية،
[ ١ / ٢٢٠ ]
فإن الشعب الجزائري قد ولد فقط سنة ١٨٨٩ عندما صدر القانون الذي يعطي الجنسية الفرنسية آليًا، لكل من يولد في الجزائر من أبوين أوربيين.
ولقد انعقد المؤتمر في نفس الشهر والسنة اللذين تولى فيهما السيد بلوم رئاسة الحكومة الفرنسية، أي في الشهر السادس من عام ١٩٣٦، وكانت أهم مطالبه إلحاق الجزائر بفرنسا وبالتالي إلغاء القوانين الاستثنائية والولاية العامة والمندوبيات المالية والمجموعات الانتخابية المزدوجة وذلك بالإضافة إلى تمكين كل الجزائريين من حق الانتخاب والترشح لجميع المناصب ومن التمثيل البرلماني كل ذلك مع الاحتفاظ بالأحوال الشخصية والاستفادة من قانون فصل الدين عن الدولة وحرية التعبير وتعليم اللغة العربية.
وعلى إثر انتهاء أشغال المؤتمر رحل إلى باريس وفد رفيع المستوى من أجل تسليم لائحة المطالب المسطورة إلى الحكومة الفرنسية لكن وزير الدفاع السيد دالادي في ذلك الوقت قابل أعضاء الوفد بكثير من الاستخفاف ودعاهم لزيارة بعض مستودعات الأسلحة الثقيلة وعلى إثر ذلك قال لهم: "إن لفرنسا كل هذه المدافع وغيرها، وهي عازمة على استعمالها للدفاع عن نفسها في الجزائر" وكان لهذا التهديد أثره البالغ في نفس الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس فكتب بعد عودته مقالًا بعنوان: "مدافع ربي أقوى من مدافع فرنسا".
ومن الجدير بالذكر أن نجم شمال افريقيا كانت هي التشكيلة السياسية الوحيدة التي رفضت المشاركة في المؤتمر الإسلامي، وأكثر من ذلك، فإنها جندت كل وسائلها الإعلامية لمحاربته وللتنديد بمطالبه التي وصفها السيد الحاج مصالي في ذلك الوقت بالاستعمارية والإمبريالية وهو ما جعل قادة الحزب الشيوعي الجزائري يتهمونه بالفاشية والتطرف خاصة عندما ألقى خطابه أثناء المهرجان الشعبي الذي انعقد يوم ٢/ ٨/١٩٣٦ بالملعب البلدي في العاصمة لتمكين أعضاء الوفد العائد من فرنسا من تقديم عرض حال عن مهمته لأبناء الشعب الجزائري. ففي ذلك الخطاب دعا زعيم الحركة الوطنية الجزائرية إلى اعتبار مطالب المؤتمر عملًا مناقضًا للطبيعة وأكد على أن أرض الجزائر ليست للبيع وأن محاولة إلحاقها بفرنسا أمر مستحيل لن يكتب له النجاح لأن التربة ما زالت مبللة بدماء قوافل الشهداء.
كان لخطاب الحاج مصالي وقع كبير في نفوس الحاضرين واستطاعت أفكاره الرئيسية أن تشق طريقها بقوة في ثلاث اتجاهات هي:
ا - قيادة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي تفطنت إلى أن الإلحاق لا
[ ١ / ٢٢١ ]
يختلف عن الإدماج، وأن الحكومة الفرنسية لن توافق على ذلك لأسباب عرقية ووطنية وحتى لو وافقت، فإن الشعب الجزائري لا يمكن أن يكون فرنسيًا. وللتعبير عن هذا الموقف الجديد كتب الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس قصيده المشهور الذي تحول بسرعة فائقة إلى نشيد وطني تردده سائر الشرائح الاجتماعية الرافضة للاستعمار، وللتذكير نورد الأبيات التالية:
شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب
من قال حاد عن أصله أو قال مات فقد كذب
أو رام إدماجا له رام المحال من الطلب
ب - المثقفون الوطنيون الذين كان محمد الذيب في مقدمتهم والذين راحوا يوظفون تلك الأفكار في كتاباتهم النثرية والشعرية.
ج - الحزب الشيوعي الجزائري الذي اعتبرت قيادته الخطاب كله استفزازًا وتحريضًا على الانفصال الذي هو عمل فاشي ولا يخدم، من نظرها، سوى مصالح الإمبرياليين". وبالإضافة إلى ذلك، فإن السيد قدور بلقاسم الأمين الوطني للحزب كان يصرح في مناسبات عديدة: إن دعاة الانفصال أقلية وهم لا يمثلون سوى أنفسهم أو سادتهم كبار الكولون. أما المسلمون (يعني الجزائريين) فإنهم لا يريدون تطليق فرنسا خاصة بعد أن حققوا مبتغاهم واليوم، أكثر من أي وقت مضى، فإن وحدة الشعب في الجزائر وفي فرنسا ضرورية وستبقى كذلك (٦).
هكذا، ابتعد الحزب الشيوعي الجزائري عن توصيات الأممية التي كانت ترى أن تحرير الجزائر وتونس من شأنه أن يضرب الإمبريالية الفرنسية في الأعماق، ولن يتوقف الكفاح من أجل تحرير الجزائر إلا بعد انتصار العبيد" (٧). وألغى من أدبياته "استقلال الجزائر" و"البرلمان الجزائري" وحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره بنفسه"، ليتمسك فقط بضرورة العمل على "اتحاد الشعب الجزائري مع شقيقه الأكبر الشعب الفرنسي"، وليبذل كل ما في وسعه لإنجاح برنامج حكومة الجبهة الشعبية من جهة ولتعميم مطالب المؤتمر الإسلامي من جهة ثانية. وقد جاء كل ذلك مجسدًا في الشعار التالي "ليس أمامنا سوى طريق واحد يضمن الاتحاد في إطار المؤتمر الإسلامي الشعبي والتحالف مع الجبهة الشعبية، أي مع الشعب في فرنسا".
في هذا السياق، وتطبيقًا لهذه السياسة، شرع قادة الحزب الشيوعي
[ ١ / ٢٢٢ ]
الجزائري في شن حملة واسعة النطاق ضد نجم شمال افريقيا ولم يهدأ لهم بال حتى أقدمت حكومة الجبهة الشعبية على حلها في شهر يناير ١٩٣٧ بتهمة "الدعوة إلى الانفصال والعمل على مناهضة فرنسا". وعندما استبدل النجم بحزب الشعب الجزائري يوم ١١/ ٣/١٩٣٧، فإن الحملة العدائية قد وجهت ضد هذا الأخير الذي قالت عنه جريدة La Lutte Sociale إنه يخدم الفاشية العالمية بدعوته إلى استقلال الجزائر".
ويفسر السيد الحاج مصالي عداء الشيوعيين بخيبة "الأمل التي أصابتهم نتيجة فشل مشروع بلوم /فيوليت وهو الأمر الذي أفقد حزبهم ثقة العمال الجزائريين وساعد، في نفس الوقت على انتشار مبادئ حزب البعث الجزائري والتفاف جماهير الشعب حول أكثرها وضوحًا وهو العمل على استرجاع الاستقلال الوطني" (٨) لكن الحقيقة تكمن في كون الحزب الشيوعي الجزائري كان، فقط، مجرد بوق للحزب الشيوعي الفرنسي الذي كان يرفض عن قناعة كل عمل من شأنه أن يؤدي إلى انفصال الجزائر عما كان يسمى بالوطن الأم، وبعبارة أخرى، فإن وطنية الحزب الشيوعي الفرنسي لم تكن تسمح بتجسيد الفكر اللينيني فيما يتعلق بمستقبل الجزائر المستعمرة.
لقد كان الشيوعيون الجزائريون، على غرار الشيوعيين الفرنسيين، يؤمنون بأن موسكو هي الشمس التي تسطع على عالم المستضعفين، لكنهم كانوا، في نفس الوقت، يرفضون عروبة الجزائر وإسلامها ويناهضون حزب الشعب الجزائري لأنهم لا يعترفون بوجود شعب واحد في الجزائر، ولأن برنامجهم السياسي يهدف بالدرجة الأولى إلى تحقيق الاندماج كحل جذري لقضية الاستعمار في الجزائر.
وحتى في هذا التفكير الغريب، فإن الشيوعيين الجزائريين لم يكونوا سوى أمعيين ومعمعيين لأن السيد موريس توريز الأمين العام للحزب الشيوعي الفرنسي هو الذي جاء بفكرة الأمة الجزائرية في طور التكوين، وهو الذي قرر أن في الجزائر شعوبًا متعددة وأجناسًا مختلفة عدد منها: "البربر" والقرطاجنيين والرومان والعرب والأتراك واليهود واليونانيين والمالطين والألبانيين والإيطاليين والفرنسيين "ثم أكد أن العدد يصل إلى عشرين وأن "الجميع هم أبناء الثورة الكبرى التي لا تميز بين الأجناس والأديان والتي جعلت الجمهورية الفرنسية واحدة لا تتجزأ" (٩).
بهذه النظرة الجديدة للجزائر وبكل ما تتطلبه من مناهضة للحركة الوطنية
[ ١ / ٢٢٣ ]
التي تهدف إلى بعث الدولة الجزائرية بعد استرجاع سيادتها، استقبل الشيوعيون الحرب الإمبريالية الثانية. فالجزائر، حسب الحزب الشيوعي الجزائري، ليست هي الجزائر التي اعتادت عليها فرنسا سنة ١٨٣١.
****
اندلعت الحرب الإمبريالية الثانية إذن، بعد أن تراجع حكم الجبهة الشعبية وفشل مشروع بلوم/ فيوليت وبعد أن اندثر المؤتمر الإسلامي. وبينما كان موقف الحركة الوطنية الجزائرية من الأطراف المتحاربة واضحًا إذ أن الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس صرح وكتب على أعمدة الصحافة أن "لا ناقة لنا ولا جمل في هذه الحرب، وعلى الجزائريين أن لا يشاركوا فيها بأية طريقة كانت"، ووجه حزب الشعب الجزائري تعليماته إلى المناضلين والإطارات يدعوهم إلى رفض التجنيد في صفوف الجيش الفرنسي والهروب منها في حالة التواجد فيها، فإن الحزب الشيوعي الجزائري، رغم حله قانونيًا وعودته للنشاط تحت اسم "جبهة الحرية" قد تخلى عن كل القيم النضالية وراح يدعو إلى تعبئة جميع الإمكانيات المادية والبشرية من أجل "تحرير فرنسا التي سقطت تحت ضربات النازية القاضية".
ولقد دخل الشيوعيون الجزائريون فترة الحرب الإمبريالية الثانية مهزومين بسبب قرار الحل الذي ترتب عنه إلقاء القبض على عدد كبير من قادتهم الذين يأتي في مقدمتهم السيد قدور بلقاسم الانف الذكر، ومقسمين نتيجة استقالة بعض القادة الأساسيين أمثال ابن علي بوخرط (١٠) وانسحاب أعداد غفيرة من المناضلين الذين رأوا أن سياسة الحزب الشيوعي الجزائري لا تتماشى مع مصالح الشعب الجزائري، فهي تقف ضد توجهات حزب الشعب الجزائري الرامية إلى استرجاع الاستقلال الوطني وتخدم الإدارة الاستعمارية ممثلة في الجبهة الشعبية التي لم تقدم أي شيء إيجابي للجزائر.
وعلى غرار معظم التشكيلات السياسية الفرنسية انضمت "جبهة الحرية" إلى المقاومة ضد حكومة فيشي "حتى لا تكون الجزائر مستعمرة نازية وفي سبيل الدفاع عن الفلاحين والشباب الجزائريين". وفي الحقيقة، فإن الشيوعيين الجزائريين أو من تبقى منهم مهيكلًا في التنظيم الجديد قد تخلوا، نهائيًا، عن المبادئ اللينينية الماركسية ولبسوا عباءة الوطنية الضيقة التي تفرض عليهم الدفاع عن الإمبريالية والاستعمارية بحجة الدفاع عن حرية الشعب الفرنسي.
ولأن الحركة الوطنية الجزائرية بفرعيها دعت أفراد الشعب الجزائري إلى
[ ١ / ٢٢٤ ]
عدم المساهمة في الحرب إلا إذا تعهدت فرنسا في مقابل ذلك بالتخلي عن الاستعمار وتمكين الجزائر من ممارسة حقها في تقرير مصيرها، فإن الحركة الشيوعية قد اتهمتها بالخيانة وبالعمل في ركاب الفاشية والنازية. واعتقد الشيوعيون أن في استطاعتهم النفاذ إلى أوساط الجماهير الشعبية فرفعوا شعار الأخوة والعدل والمساواة زاعمين أن مشروع بلوم فيولات يحمل كل ذلك في طياته ومذكرين بأن المؤتمر الإسلامي كان قد وافق عليه وسعى لتجسيده على أرض الواقع.
لقد كان الحزب الشيوعي الجزائري عاجزًا عن التفاعل مع قضايا الجماهير الشعبية وغير قادر على الارتقاء إلى مستوى الصراع الحضاري الذي لم يتوقف في الجزائر، منذ سنة ١٨٣٠، لأجل ذلك، فإنه كان يرتكز في أدبياته، على أن مشكل الجزائريين لا يتعدى مسألتي الخبز والشغل، فإذا تمكنت الإدارة الفرنسية من أن توفر لهم ذلك من أن تكفيهم شر الاستبداد الذي يمارسه غلاه الكولون، فإنها ستضمن الهدوء والاستقرار من جهة وتجعلهم يقدمون، بمحض إرادتهم، على المشاركة الفعلية في التصدي للنازية من جهة ثانية.
وحينما توحدت تيارات الحركة الوطنية حول "بيان الشعب الجزائري" الذي سلم للسلطات الفرنسية ولممثلي الحلفاء في الجزائر، والذي كان يدعو إلى الاعتراف بالمواطنة والجنسية الجزائريتين وإلى التعهد بتمكين الشعب الجزائري من تقرير مصيره بنفسه وبعث دولته المستقلة بعد استرجاع سيادته المغتصبة، فإن الحزب الشيوعي الجزائري قد اعتبر ذلك خيانة وجعل سياسته تتمحور حول المطالبة بتحسين الأجور وتطبيق المساواة فيما يتعلق بالحقوق الاجتماعية من جهة، وحول ما يسمى بالإصلاحات التي بشر بها مشروع بلوم فيوليت وتبنتها أمرية الجنرال ديغول من جهة ثانية (١١).
من هذا المنطلق، فإن الحزب الشيوعي الجزائري لم يكن سوى تابع للحزب الشيوعي الفرنسي الذي كان، منذ اندلاع الحرب الإمبريالية الثانية، شريكًا قويًا في حركة المقاومة التي تزعمها الجنرال ديغول، وبتلك الصفة لبس عباءة الوطنية الضيقة التي تسعى إلى استرجاع السيادة الفرنسية وهو أمر طبيعي، وإلى الحفاظ على حدود الإمبراطورية الاستعمارية الشاسعة وهو موقف يتناقض تمامًا مع الماركسية اللينية ومع أهداف الأممية الشيوعية التي كانت، يومها، ترفع شعار حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها.
فالشيوعيون الفرنسيون والجزائريون، على حد سواء، كانوا، إذن، مجندين،
[ ١ / ٢٢٥ ]
فقط، لخدمة المصلحة الفرنسية غير آبهين بمصير الشعب الجزائري الذي لم يخف عنه ذلك، هو أيضًا، فراحت طاقاته الحية تلتف حول حركة "أحباب البيان والحرية" التي ترأسها السيد فرحات عباس، في ذلك الوقت، والتي جاءت كرد فعل على أمرية الجنرال ديغول وشاركت فيها، فعليًا، كل تيارات الحركة الوطنية.
لقد أنشئت الحركة المذكورة يوم ١٤/ ٣/١٩٤٤ من أجل الدفاع عن "بيان
الشعب الجزائري" وللمطالبة "بحق جميع الجزائريين في ممارسة الحرية وللمساهمة في تكوين إنسانية جديدة تكون فيها كل الشعوب حرة وموحدة طبقًا لما أوصى به مؤتمر رابطة حقوق الإنسان المنعقد سنة ١٩٣١" (١٢) ولمزيد من الوضوح، جاء في المادة الرابعة من القانون الأساسي للحركة أن هذه الأخيرة تسعى بجميع الوسائل لتعميم فكرة الأمة الجزائرية ولتتأسس، في الجزائر، جمهورية مستقلة متحدة مع الجمهورية الفرنسية المتجددة والمناهضة للاستعمار وللإمبريالية" (١٣).
ولم يكن الحزب الشيوعي الجزائري مستعدًا لتبني فكرة الجمهورية الجزائرية المستقلة، ولا ليقبل بغير التطور في إطار الإمبراطورية الفرنسية حلًا للمشكل الجزائري الذي هو مجرد مطالبة بالخبز وبالحقوق المادية، أما الحديث عن استرجاع الاستقلال فهو عين الديماغوجية لأن الجزائر لا يمكن أن تكون إلا تابعة لقوة خارجية (١٤). لأجل ذلك، فإنه رفض عرض السيد فرحات عباس فيما يخص الانضمام إلى "حركة أحباب البيان والحرية" معبرًا عن إدانته لها باعتبارها "وكر للمغامرين والوطنيين المزيفين" (١٥).
ولم يكتف الشيوعيون الجزائريون بعدم الانضمام إلى حركة "أحباب البيان والحرية" بل إنهم سارعوا إلى تأسيس حركة مضادة أسموها: "أحباب الديموقراطية"، ضبطوا لها مجموعة من الأهداف تأتي في مقدمتها محاربة الانفصاليين وتعبئة المسلمين الجزائريين في سبيل تحرير فرنسا" (١٦).
وقد ذهب السيد عمار أوزقان إلى أبعد من ذلك عندما قال عن أقطاب الحركة الوطنية: "إنهم تخلوا عن حمار النازية ليركبوا باخرة الميثاق الأطلسي" (١٧). وفي مناقشات الندوة المركزية التي نظمها الحزب الشيوعي الجزائري يوم ٢٣/ ٠٩/١٩٤٤ صرح نفس السيد أوزقان: "إن مصلحة الجزائر لا تكمن في الانفصال عن فرنسا الجديدة، لأن الاستقلال مستحيل وهو لا يخدم سوى إمبرياليات أجنبية أخرى". وفي ذات الندوة أكد الأمين العام للحزب الشيوعي
[ ١ / ٢٢٦ ]
الجزائري أنه يرفض بشدة شعارات "الانفصال عن فرنسا" و"الجزائر العربية" لكن "أحباب الديموقراطية" كانت محاولة يائسة لم تجد طريقها إلى جماهير الشعب الجزائري الذي كان مسلمًا في أعماقه ويرفض كل أنواع الإلحاد، لأجل ذلك، فإن الأمين العام للحزب الشيوعي السيد عمار أوزقان قد أمر بمحاربة "عصابات الأوباش والأشرار - عملاء الفاشية - الذين يتذرعون بالدين لمكافحة المشروبات الكحولية" (١٨).
كل هذه المواقف التي لا علاقة لها بالواقع الجزائري والتي لا تخدم مصلحة الجماهير الشعبية هي التي جعلت الجزائريين في معظمهم ينظرون إلى الحزب الشيوعي الجزائري نظرتهم إلى كل تنظيم أجنبي ويرفضون اعتباره واحدة من التشكيلات الوطنية. وكان الشيوعيون بالنسبة للرأي العام الإسلامي (أي الجزائري) أقرب إلى المواطنة والجنسية الفرنسيتين وأكثر التحامًا مع الشيوعيين الفرنسيين الذين تخلوا، نهائيًا، عن مبادئ الأممية الشيوعية، وتعاليمها لصالح النضال الوطني الضيق في إطار المقاومة الفرنسية التي كانت تهدف إلى استرجاع الإمبراطورية الاستعمارية والحفاظ عليها بجميع الوسائل.
وعندما وضعت الحرب الإمبريالية الثانية أوزارها وحقق الحلفاء تفوقهم على ألمانيا وأعادوا لفرنسا حريتها وسيادتها، استطاع الشيوعيون الفرنسيون أن يشاركوا، فعليًا، في تسيير الحكومة الوطنية التي أقامها الجنرال ديغول.
واعتبر الشيوعيون الجزائريون ذلك انتصارًا وراحوا يتعاملون مع الإدارة الاستعمارية التي كانت قد رفعت إلى ممثلي الحلفاء "أن الشعب في الجزائر يرفض الانفصال عن فرنسا، وأن تشكيلات الحركة الوطنية لا تمثل سوى نفسها وأنها تعمل في ركاب قوات أجنبية همها إضعاف فرنسا وإرباكها داخليًا حتى لا تتمكن من إعادة البناء بجميع أنواعه".
وللتدليل على خطأ هذه المزاعم وعلى النفاذ المحكم في أوساط الجماهير الشعبية ولتبرهن على أنها الناطق الشرعي باسم الشعب الجزائري الذي صار، في معظمه، يصبو إلى استرجاع سيادته المغتصبة وإقامة الجمهورية الجزائرية بجميع مؤسساتها، فإن الحركة الوطنية قد قررت القيام بنشاط واسع النطاق وحددت، لذلك، فاتح مايو سنة ١٩٤٥.
ونظرًا لما كان لحزب الشعب الجزائري من مكانة فاعلة بين التشكيلات المكونة لتلك الحركة، فإن قيادته هي التي تولت الإعداد المادي والبشري لتنظيم مظاهرات شعبية توظفها للمشاركة في احتفالات الطبقة الشغيلة من جهة
[ ١ / ٢٢٧ ]
ولتختبر مدى قدرتها على تعبئة الجماهير وتجنيدها، ولتعلم إلى أي حد تستطيع هذه الأخيرة أن تسير وراءها بكل الثقة التي لابد منها لنجاح المشاريع الحيوية من جهة ثانية.
على هذا الأساس سهرت قيادة الحزب السرية على أن تكون المظاهرات المشار إليها مغايرة تمامًا، شكلًا ومضمونًا، للمظاهرات التي تعودت النقابات تنظيمها بتلك المناسبة. أما من حيث الشكل، فإنها قررت أن تجعل منها نموذجًا للعمل المتقن وللجدية والانضباط اللذين ينمان عن وعي المشاركين بخطورة الموقف وقدرتهم الفائقة على تطبيق التعليمات، وأما فيما يخص المضمون، فإنها، رغم احترامها للمطالب العادية التي ينادى بها العمال في مثل تلك التجمعات، قد قررت أن يرفع المتظاهرون شعارات وطنية فيها مطالبة بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وفي مقدمتهم زعيم الشعب الجزائري السيد الحاج مصالي، وبحق الجزائر في تقرير مصيرها بنفسها وفي استرجاع سيادتها وإقامة المؤسسات الوطنية المستقلة.
ويتفق كل الذين كتبوا حول الموضوع، أن قرارات اللجنة المديرة لحزب الشعب الجزائري قد اتبعت ونفذت بدقة شديدة، لكن القمع الاستعماري كان وحشيًا في جميع قرى البلاد ومدنها. وبينما تمثل رد فعل الإدارة الاستعمارية في إجراءات العسف والقتل والاعتقال العشوائي، ولجأت مجموعة من الإطارات القيادية في حزب الشعب إلى الجبال تحتمي بقممها ووديانها وشعابها، فإن الحزب الشيوعي الجزائري قد اغتنم تلك الفرصة لتوزيع منشور مطول يتهم فيه التظاهرات الوطنية "بأنها لوثت انتصارات الطبقة الشغيلة بدماء الأبرياء في الوقت الذي كان يجب أن تتحد فيه جهود المحرومين من أجل تحقيق انتصارات جديدة" (١٨).
هكذا، كان فاتح مايو ١٩٤٥ محطة أولى استعملتها فصائل الحركة الوطنية الجزائرية لتبرهن للرأي العام في فرنسا وفي العالم على أنها تحظى بثقة الجماهير الشعبية، وأمام رد الفعل الاستعماري المعزز بموقف الشيوعيين الجزائريين، قرر حزب الشعب الجزائري المحظور توظيف محطة ثانية - تتمثل في مناسبة الثامن من مايو - بقصد لفت انتباه الحلفاء عامة وحكومة الجنرال ديغول بصفة خاصة، إلى الواقع الجديد الذي آل إليه الشعب الجزائري وهو واقع الاستعداد المطلق لتحمل مسؤولياته كاملة في تسيير شؤونه بنفسه.
ولقد كانت السلطات الاستعمارية تعرف أنها أمام حركة سياسية نوعية
[ ١ / ٢٢٨ ]
استطاعت أن تنفذ بسرعة وبحكمة إلى جميع الأوساط الشعبية، وتمكنت من نشر الوعي اللازم لجر الجماهير الواسعة إلى العمل الثوري بكل أنواعه ومن إقناعها بضرورة الإقدام على التضحية القصوى في سبيل استرجاع الاستقلال الوطني الكامل، لأجل ذلك فإنها لم تبق مكتوفة الأيدي بل لجأت إلى كل ما لديها من إمكانيات مادية وبشرية قصد التخطيط لقمع منظم وإبادة جماعية بقي التاريخ يحفظ أنها أودت بحياة حوالي ثمانين ألف جزائري وتسببت في هدم وتخريب ما يزيد عن مائة من القرى والمداشر، بالإضافة إلى كل ما خلفته من أيتام وأرامل وآفات اجتماعية متعددة وبالإضافة، أيضًا، إلى تشغيل الأفران المحرقة خاصة في نواحي مدينة قالمة.
وعلى الرغم من كل ما نشر حول الموضوع، حتى الآن، فإن نتائج القمع الرهيب لم تضبط بدقة وبصفة نهائية، لكن الذي لا يعتريه أدنى شك هو أنها تأتي في مقدمة جرائم الحرب المرتكبة ضد الإنسانية قبل غيرها من الجرائم التي تحظى اليوم، بعناية المؤرخين ورعاية الدول العظمى والمنظمات الدولية وخاصة منها منظمة الأمم المتحدة.
ومن الجدير بالذكر أن الحزب الشيوعي الفرنسي، بصفته شريكًا فعليًا وقويًا في حكومة الجنرال ديغول، يومها، يتحمل أكبر جزء من المسؤولية. والغريب أن قيادته لا تنكر ذلك، بل إن محفوظاتها الرسمية تؤكد أنها كانت، منذ اللحظات الأولى، قد طالبت "بتسليط أشد العقوبات على منظمي التمرد وأعوانهم ممن قادوا المظاهرات" (١٩).
وركب الحزب الشيوعي الجزائري موجة رائدة، فراح يكيل الاتهامات لاطارات حزب الشعب الجزائري محملًا إياهم مسؤولية إراقة الدماء، ومدعيًا أنهم يعملون في ركاب النازية ويطبقون تعليمات هتلر "التي لا تخدم سوى مصالح الاقطاعيين الذين ينادون بالانفصال عن فرنسا" (٢٠).
وإذا كان السيد عمار أوزقان الذي كان أمينًا وطنيًا للحزب، في ذلك الوقت، قد كتب في ليبرتي يصف قادة حزب الشعب الجزائريين "بالمجرمين عملاء الفاشية والمغامرين الذين أسقطوا قناع المسلمين والوطنيين المزيفين" فإن السيد كاباليرو وهو أمين وطني آخر، لم يجد مانعًا من اتهام المطالبين باسترجاع الاستقلال الوطني "بالعمالة للامبريالية عن وعي أو بكيفية غير واعية" (٢١).
من هذا المنطلق، فإن قيادة الحزب الشيوعي الجزائري كانت تنكر على
[ ١ / ٢٢٩ ]
حركة مايو ١٩٥٤ طابعها الثوري وتحصرها، فقط، في إطار التظاهر من أجل الخبز، ولأجل ذلك فهي ترى أن الجرائم المرتكبة من طرف الإدارة الاستعمارية نوعًا من الدفاع عن السيادة الوطنية، وتقر أن أفراد الميليشيا ومصالح الشرطة والأجناد على اختلاف وحداتهم لم يتجاوزوا حدود ما كان مطلوبًا منهم. وحتى بعد مرور الزمن، فإن الشيوعيين قد ظلوا متمسكين بموقفهم الخاطئ والقائل "لا وجود لثورة عربية، بل هي مؤامرة فاشية .. ولقد أشار الحزب، يومها، إلى ما يجب فعله ليعم الأمن في الجزائر أي: تزويد السكان المسلمين بالغذاء وتشديد العقاب على القتالين الهتليريين الذين ساهموا في أحداث الثامن مايو، واعتقال المسؤولين الحقيقيين الذين كانوا بالأمس يزودون "رومل" بما يحتاج إليه" (٢٢).
****
ظل الحزب الشيوعي الجزائري، هكذا، في غيه بعيدًا كل البعد عن الحقيقة، ومجانبًا للواقع الجزائري يلهث فقط وراء نظريات الحزب الشيوعي الفرنسي الذي كان بدوره، تابعًا كلية للحزب الشيوعي السوفياتي. وعلى هذا الأساس يقول أمينه العام السيد العربي بوهالي: "كان الشيوعيون، في الجزائر، يعيشون في عزلة عن الحركة النضالية بل وفي تناقض معها" (٢٣). لكن نهاية الحرب الامبريالية وما نتج عنها من تطورات على الساحة الدولية جعلت فرنسا تميل إلى العالم الرأسمالي على حساب المعسكر الاشتراكي وتباعًا خرج الشيوعيون من السلطة خاصة بعد انسحاب الجنرال ديغول. كل ذلك مضافًا إلى نتائج حركة مايو الثورية التي أثبتت تجذر الحركة الوطنية في الجزائر، وإقدام أغلبية الشعب الجزائري على انضوائه تحت لوائها، أدى بقيادة الحزب الشيوعي الجزائري إلى إعادة النظر في سائر المواقف الشيوعية وإلى تقييم المراحل المقطوعة منذ بداية الثلاثينات، وهو العمل الذي جاء مجسدًا في نداء يحمل تاريخ ٢١/ ٧/١٩٤٦.
وأهم ما ورد في ذلك النداء "أن الحزب الشيوعي الجزائري هو الحزب الوحيد الممثل للأمة الجزائرية التي هي في طور التكوين" (٢٤). وعلى هذا الأساس فهو يرى أن الحل الأوحد والأكثر ديموقراطية بالنسبة للقضية الجزائرية إنما يتمثل في تحويل الجزائر إلى "شريك لفرنسا في إطار الاتحاد الفرنسي".
وعلى الرغم من الأسلوب الجديد في المعالجة، فإن الحزب الشيوعي لم
[ ١ / ٢٣٠ ]
يغير موقفه من الحركة الوطنية الجزائرية قيد أنملة. فهو لم يتخل عن فكرة ولم يكن قد نسي بعد، الدور الإجرامي الذي قام به الشيوعيون في عمليات الإبادة التي مارستها حكومة الجنرال ديغول خلال شهر مايو سنة ١٩٥٤ وأكثر من ذلك، فإن الوطنيين كانوا يدركون أن الحزب الشيوعي الجزائري مجرد دودة زائدة في جسم الحزب الشيوعي الفرنسي الذي كان بدوره - كما يعلم الجميع - تابعًا في كل قراراته الأساسية للحزب الشيوعي السوفياتي وحتى لو كان الحزب الشيوعي الجزائري مستقلًا في نشاطه وينطلق في كل ما يقوم به، من مرجعية فكرية خاصة به، فإن مواقفه المعبر عنها في ذلك الوقت وسلوكاته السياسية المختلفة كانت تمنع التشكيلات الوطنية الجزائرية من الاتحاد معه في إطار مشروع بعيد المدى يكون الهدف منه تحرير الجزائر وذلك لعدة أسباب أهمها:
١ - إن الحزب الشيوعي الجزائري، عندما أعاد النظر في مواقفه السياسية، صار يرفع شعار الجمهورية الجزائرية ويدعو للنضال من أجل تحقيق
استقلالها، ويندرج ذلك في إطار أيديولوجيته التي تنطلق من كون الجزائر أمة في طور التكوين. والذي يتكون من جديد إنما يسعى فقط للحصول على الاستقلال. لكن حزب الشعب الجزائري الذي ينطلق في نضاله من الواقع الوطني، يدرك أن الاستعمار الفرنسي هو الذي غيب الدولة الجزائرية التي كانت قائمة بجميع مؤسساتها، وعليه فهو يعمل بكل الوسائل من أجل "استرجاع الاستقلال الوطني وبعث الدولة الجزائرية المعتدى عليها سنة ١٨٣٠" (٣١)، مؤكدًا في جميع المناسبات أن "إلغاء الدولة الجزائرية بالقوة لم يترتب عنه بالضرورة إلغاء الأمة الجزائرية" (٣٢) وهو الأمر الذي جعل الطلائع الجزائرية تعبئ جميع الإمكانيات وتلجأ إلى جميع الوسائل في سبيل "بعث الحياة الوطنية الحرة الكريمة واسترجاع السيادة المغتصبة" (٣٣). هذه اللغة لا يفهمها الشيوعيون الذين يقولون مع موريس توريز "هناك أمة جزائرية تتشكل باختلاط عشرين جنسًا" (٣٤).
٢ - إن الحزب الشيوعي يرفض اللغة العربية والعروبة والإسلام فبالنسبة إليه لا يمكن للغة الضاد أن تكون هي اللغة الوطنية لأن مليون أوربي يجهلها أو يتجاهلها ولأنها لغة القرآن. أما العروبة والإسلام فإنهما صنوان للتخلف والرجعية. لكن الحركة الوطنية، على لسان السيد الحاج مصالي، تناضل لتحرير الشعب الجزائري المسلم "الذي له لغته ودينه وماضيه
[ ١ / ٢٣١ ]
المجيد ومفكروه وأبطاله وعاداته وتقاليده .. والإسلام على غرار الحركة الوطنية، ديمقراطي وهما في غنى عن الدروس التي يلقيها السيد بوخرط" (٣٥).
٣ - إن الحزب الشيوعي الجزائري يدعو، في جميع الحالات إلى إلحاق الجزائر بالاتحاد الفرنسي الذي يشكل "الحل الواقعي الوحيد" (٣٦) لكن الحركة الوطنية وخاصة منها حزب الشعب الجزائري ترى أن الحل الواقعي الوحيد هو الانفصال عن فرنسا وتمكين الجزائر من استرجاع سيادتها واستقلالها كاملين، ومن جهة أخرى، فإن حزب الشعب الجزائري يرى أن "الاتحاد الفرنسي" نوع من الامبريالية الجديدة التي تهدف في النهاية، إلى منع الشعوب المستعمرة من ممارسة حقها في تقرير مصيرها.
٤ - إن الحزب الشيوعي الجزائري منحاز إلى الاتحاد السوفياتي وملحقاته لأن "الجيش الأحمر أهل لكل ثقة وسطالين هو رمز الأمل في العودة إلى أكثر ما يمكن من الحرية والعدالة والمساواة" (٣٦) لكن الحركة الوطنية إذ ترفض الامبريالية الفرنسية وتحاربها، فإنها لا ترى أي أمل في الانضواء تحت
لواء الامبريالية السوفياتية التي تستعمر شعوبًا إسلامية كثيرة والتي لا يختلف موقفها عن موقف الامبرياليات الغربية فيما يتعلق بالقضايا الأساسية التي تهم الوطن العربي وخاصة منها القضية الفلسطينية.
٥ - إن الحزب الشيوعي الجزائري، على غرار الاتحاد السوفياتي والأممية الشيوعية، قد اعترف بالكيان الصهيوني على أرض فلسطين المغتصبة من أصحابها بتواطئ جميع الدول العظمى. أما سائر تشكيلات الحركة الوطنية، في الجزائر، فإنها تعتبر القضية الفلسطينية قضيتها الأساسية، ورغم الواقع الاستعماري فإنها كانت، منذ البداية، تعبئ الجماهير الشعبية للمساهمة، بقدر الإمكان في تحرير البقاع المقدسة.
٦ - إن الحزب الشيوعي الجزائري يرفض فكرة المغرب العربي الموحد لأنها تتناقض مع قناعاته الخاصة بالجزائر "أمة في طور التكوين"، لكن الحركة الوطنية، بجميع تشكيلاتها، ترى أن الجزائر لا يمكن فصلها عن الحركة الوطنية، بجميع تشكيلاتها، ترى أن الجزائر لا يمكن فصلها عن المغرب العربي "الموحد جغرافيًا وتاريخيًا ودينيًا ولغويًا واقتصاديًا
[ ١ / ٢٣٢ ]
وثقافيًا" كما جاء ذلك في لائحة السياسة العامة التي صادق عليها مؤتمر الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري المنعقد في مدينة البليدة ما بين ٣ و٥ أكتوبر ١٩٤٧.
****
رغم كل هذا التباين في المواقف الأساسية، ورغم الأسر الأيديولوجي الذي كان يعيشه، ورغم كل ما كان قد قام به من عمل ضد تشكيلات الحركة الوطنية وخاصة منها حزب الشعب الجزائري، فإن الحزب الشيوعي الجزائري، الذي فتح أبواب قيادته الوطنية لعدد من الشباب الجزائري المسلم المتعلم، قد اختار أسلوبًا جديدًا في العمل السياسي وضبط مجموعة من الشعارات التي تدل في ظاهرها على أنه فهم الدرس وعاد إلى الرشد يسعى لربح ثقة جماهير الشعب الجزائري ولإقناع أطراف الحركة الوطنية الجزائرية بأنه تخلى عن قناعاته القديمة وأصبح يؤمن بالكيان الجزائري المستقل عن فرنسا.
أول هذه الشعارات جاء مجسدًا في نداء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الذي نشرته جريدة ليبرتي في عددها الصادر بتاريخ فاتح جانفي سنة ١٩٤٨ والذي تضمن دعوة الأحزاب الوطنية للتكتل في "جبهة وطنية ديموقراطية جزائرية تعمل في سبيل الحرية والأرض والسلام قصد السير بالجزائر إلى أن تصبح
جمهورية ديموقراطية لها دستورها وبرلمانها وحكوماتها". لكن الجزائر التي يعنيها الشيوعيون هي "ذلك البلد الذي يسكنه ويناضل فيه العرب والقبائل والأوربيون واليهود ومن ثمة فهي ليست عربية أكثر منها بربرية وتركية وفرنسية" (٣٧).
فالجمهورية الديموقراطية الجزائرية التي يهدف الحزب الشيوعي الجزائري لإقامتها منحازة للاتحاد السوفياتي باعتباره القوة العظمى المناهضة للامبريالية ومندمجة في الاتحاد الفرنسي بزعامة فرنسا "الديمقراطية والمناهضة للاستعمار" وبعبارة أدق، فإن الجزائر التي يعنيها الشيوعيون إنما هي تلك التي تأوي الأمة الجديدة التي كان قد بشر بميلادها السيد موريس توريز سنة ١٩٣٩ أما الحركة الوطنية الجزائرية فهي ترفض الانحياز لأية واحدة من الكتلتين وترى "أن الخطر الامبريالي الأمريكي اقتصادي، ومن ثمة فهو لا يهدد سوى البلدان المصنعة التي لا تعد بلدان شمال افريقيا من جملتها".
الشعار الثاني الذي رفعه الحزب الشيوعي معتقدًا أنه يستطيع تعبئة الجماهير الشعبية يتعلق بالسلام. فالشيوعيون الذين شاركوا إلى جانب تشكيلات
[ ١ / ٢٣٣ ]
الحركة الوطنية في المؤتمر العالمي للسلم يرون أن التحرير الوطني لا يمكن فصله عن النضال من أجل السلام في العالم، لكنهم، في نفس الوقت، لا يتصورون تحرير الجزائر خارج الاتحاد الفرنسي "وبدون مساعدة حليف الجزائر الحقيقي الذي هو شعب فرنسا" (٣٨) وحتى يكون لهذا الشعار وزن في نظر الجزائريين أضاف إليه الحزب الشيوعي الجزائري مسألتي تحرير المعتقلين السياسيين وحرية التعبير للجميع.
لكن تشكيلات الحركة الوطنية الجزائرية كانت تدرك جيدًا حقيقة الحزب الشيوعي، لذلك فإنها لم تنخدع له ولم تأخذ في الاعتبار كتاباته المتناقضة، وإذا كان حزب الشعب الجزائري لم يكلف نفسه عبء دراسة العروض الشيوعية لاقتناعه بعدم تطابقها مع طموحات الشعب الجزائري، فإن الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري قد توقف، مليًا، عندها، يفحص ويتمعن قبل أن يجزم قولا وكتابة أن نقاطًا أساسية تمنعه من الاستجابة لها.
ولم يكتف الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري بذكر نقاط الاختلاف، بل إنه وظف كل إمكانياته لنقدها وإبراز مواطن الضعف فيها حتى يدرك المواطن والمناضل على حد سواء لماذا تبقى نداءات الحزب الشيوعي صيحة في واد مهجور.
انطلاقًا من كل هذه المعطيات يمكن القول: إن الحزب الشيوعي الجزائري قد
توصل، في ذلك العقد الرابع من القرن العشرين، إلى بلورة رؤيته للجزائر وهي تلكم الرؤية التي ما زال محتفظًا بها إلى غاية هذا اليوم رغم كل التغيرات التي طرأت على اسمه، ورغم كل المراحل التي قطعتها الجزائر بدونه أحيانًا وضده بجميع الوسائل أحيانًا أخرى. وبكل إيجاز فإن الجزائر، حسب هذه الرؤية، ليست عربية، وعروبتها إدعاء باطل يتنكر لوجود العناصر الأخرى التي ساهمت في تكوين الأمة .. وليس صحيحًا ما ينسب للإسلام من دور أساسي في تحديد الهوية الوطنية وتوحيد الشعب بالإضافة إلى أنه دين الرجعية والتخلف كما أن اللغة التي جاء بها يجب أن تبقى مهمشة لصالح اللغة الفرنسية، لأجل ذلك، يجب أن تكون اللائكية هي السائدة وأن تركب حصاني الديموقراطية والتعددية الزائفتين لمغالبة الحركة الوطنية ومنعها، بكل الوسائل بما في ذلك العنف - من تجسيد مشروع المجتمع الذي استطاعت أن تبلوره في العقد الثاني من هذا القرن وظلت ترعاه وتعمل على تطويره إلى أن أصابه الزلزال في شهر أكتوبر سنة ١٩٨٨ ثم توقف نهائيًا بموجب ما يسمى بدستور
[ ١ / ٢٣٤ ]
فبراير سنة ١٩٨٩.
والحقيقة، فإن الزلزال المشار إليه لم يكن سوى نتيجة منطقية لتضافر جهود منظري الاستعمار الفرنسي والشيوعيين الجزائريين الذين كانوا يلتقون حول "مكونات الأمة الجزائرية" فالأوائل يعتبرون شمال افريقيا مهدًا للكنيسة والبربر حماة لها وهم، أي البربر، يختلفون كلية عن العرب كما جاء ذلك في "رسالة الجزائر" التي كتبها الكيس دوتوكفيل وأما الشيوعيون، فإنهم ظلوا، إلى نهاية الأربعينات من هذا القرن، متشبثين بنظرية أمينهم العام السيد موريس توريز التي سبقت الإشارة إليها ولا داعي للتوقف عندها هنا.
ومن هذا المنظور، فإن ما يسمى اليوم بالأزمة الأمازيغية أو الأمة البربرية كما سميت في نهاية الأربعينات، ليست سوى تعبير، بأسلوب مغاير عن موقف اللائكيين والشيوعيين المنادي بمحاربة العروبة والإسلام. ومما لا شك فيه أن ذلك الموقف ناتج، أساسًا، عن تأثير الثقافة الغربية في أصحابه الذين زاد في تعصبهم جهلهم المطلق للدين الإسلامي.
إن السيد محمد حربي، في معالجته لهذا الموضوع، يذكر إن من العوامل التي أنتجت الأزمة البربرية في الجزائر "فشل حزب الشعب الجزائري والحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية في وضع أيديولوجية تتلاءم مع التنوع الجزائري، وكذلك خيبة الانتظار أمام التعبئة السياسية التي عرفتها سنوات، ١٩٤٩/ ١٩٥٤ (٣٩) فهذا الحكم غير صحيح لأنه يعتمد على واقع مزيف أوجده
الاستعمار، في الأساس، لضرب دعائم المجتمع الجزائري، إذ أن التنوع الذي يتحدث عنه ليس طبيعيًا بل هو مصطنع والمقصود منه "هو محاربة الإسلام عدونا الأبدي" كما يعترف بذلك المدير السابق لمدرسة الآداب في الجزائر السيد إميل ماسيكري. لم يأبه الحزب الشيوعي برفض التشكيلات الوطنية لعروضه، وبعد مرور الفترة الفاصلة بين دورتي لجنته المركزية وبالضبط يوم ١٢/ ١١/١٩٥٠ جدد محاولاته لإقناع أطراف الحركة الوطنية بضرورة الانضمام إليه "حول ميثاق وحدة وعمل يرمي إلى تحقيق الاستقلال الوطني بالإضافة إلى الدفاع عن حرية التعبير والنضال في سبيل إطلاق سراح المساجين واسترجاع الأجناد الجزائريين العاملين في فيتنام" (٤٠) لكن الشيوعيين لم يكونوا صادقين في هذه المرة أيضًا، إذ سرعان ما أدخلوا تعديلات خطيرة على الميثاق المذكور وراحوا يعطون تفسيرًا خاصًا بهم للاستقلال الوطني المقصود والذي هو فقط "إلغاء الاستبداد والظلم والقضاء على اللامساواة في جمهورية مفتوحة للجميع
[ ١ / ٢٣٥ ]
في إطار الاتحاد الفرنسي، إذ أن الاستقلال لا يعني بالضرورة الانفصال ولنا قدوة في جمهوريات الاتحاد السوفياتي" (٤١).
ومرة أخرى تقطنت التشكيلات الوطنية للفخ المنصوب لها فرفضت العمل في إطار الميثاق الذي لم يكن سوى وثيقة شكلية غير ملزمة للحزب الشيوعي الذي لم يستطع التخلص من قناعاته القديمة المتجددة والتي تنطلق أساسًا من أدبيات السيد موريس توريز.
****
في الفترة ما بين ١٩٤٧ - ١٩٥٠ بينما كان الحزب الشيوعي يضبط الخطوط العريضة لمشروع المجتمع الذي يطمح إلى إقامته في الجزائر، ويقدم العروض تلو العروض لاستقطاب أطراف الحركة الوطنية الجزائرية واقناعها بضرورة العمل معه لبناء الجزائر كما يتصورها، كان حزب الشعب الجزائري يستعد، ميدانيًا، للكفاح المسلح الذي كان يرى أنه اللغة الوحيدة التي يفهمها الاستعمار والوسيلة الأكثر نجاعة لاسترجاع السيادة الوطنية المغتصبة وبعث الدولة الجزائرية المغيبة منذ سنة ١٨٣٠.
لقد كان الحزب الشيوعي الجزائري، في تلك الفترة، يعتقد أن شروط بعث الأمة الجزائرية اكتملت وأصبح ممكنًا أن يستقل الشعب الجزائري ذلك الاستقلال الذي أشرنا إليه، آنفًا، والذي لا يفهمه غير الشيوعيين لأنه يستلزم عدم الانفصال عن الشعب الفرنسي الذي يجب أن تتضافر جهود الجميع لتتمكن طبقته العاملة
من قيادة الانقلاب الجذري الذي يحول الامبراطورية الفرنسية الاستعمارية إلى اتحاد فرنسي يضم جمهوريات مختلفة الأجناس والأعراق على غرار الاتحاد السوفياتي.
أما حزب الشعب الجزائري فيرى "إن الامبريالية الفرنسية اغتصبت، بواسطة عدوان غاشم، سيادة الأمة الجزائرية التي لم يؤد إلغاء الدولة وسياسة الالحاق والإدماج إلى ضياعها النهائي، ويؤكد أن الوطن الجزائري لم يتوقف لحظة واحدة عن العمل بجميع الوسائل من أجل استرجاع حريته وكرامته" (٤٢). وعلى هذا الأساس يوضح حزب الشعب الجزائري أن الهدف الأساسي الذي يرمي إليه يتمثل قبل كل شيء في: "إلغاء السيطرة الامبريالية وتمكين الشعب الجزائري من استرجاع سيادته وبعث دولته الوطنية بكل صلاحياتها ومؤسساتها" (٤٣).
ولم يكن توجه حزب الشعب الجزائري ليخفى على قيادة الحزب الشيوعي
[ ١ / ٢٣٦ ]
التي كانت تدرك أن جماهير الشعب ملتفة حول البرامج السياسية التي تعمل أطراف الحركة الوطنية على إنجازها، كما أنها كانت تدرك أن الحزب الشيوعي الجزائري ليس له مكانة في إطار الحركة الوطنية التي تضرب بجذورها في أعماق التاريخ تتغذى منه وتستلهم دروسه وعظاته. ولأنها كانت تدرك ذلك وتعلم أن ثمة ثوابت لا تتخلى عنها جماهير الشعب وهي بمثابة العوامل الجامعة والمعبئة للطاقات الوطنية الحية، ويأتي الإسلام واللغة العربية في مقدمة تلك الثوابت. لأجل ذلك، وعلى الرغم من عدم إيمان الشيوعيين بجدوى اللغة العربية والدين الإسلامي في الجزائر، فإن الحزب الشيوعي الجزائري قد غير مواقفه، تكتيكيًا في الفترة المشار إليها أعلاه، وراح يدرج ضمن لوائحه السياسية وعروضه الوحدوية "المطالبة بترسيم اللغة العربية وجعل تعليمها إجباريًا في جميع مراحل الدراسة، وفصل الإسلام عن الدولة مع إرجاع ممتلكاته وأوقافه إلى الجمعيات الإسلامية" (٤٤).
استطاع حزب الشعب الجزائري في الفترة ما بين ١٩٤٧ - ١٩٥٠ أن يكون تنظيمًا عسكريًا أسماه المنظمة الخاصة. وقد تمكن المسؤلون عليه من اقتناء كميات معتبرة من الأسلحة بعضها تم شراؤه من مخلفات الحرب الامبريالية الثانية وبعضه استورد من ليبيا عن طريق التهريب. وقبل أن تعطى المنظمة الخاصة الإشارة الخضراء للدخول في مرحلة الكفاح المسلح من أجل استرجاع الاستقلال الوطني اكتشف أمرها لأسباب ليس هذا مكان الحديث عنها وتمكنت السلطات الاستعمارية من خرق صفوفها وملاحقة عناصرها حتى إن معظم القيادات
والإطارات الأساسية قد اعتقلت قبل نهاية الفصل الأول من سنة ١٩٥٠ التي صارت تسمى في أوساط المناضلين سنة المؤامرة.
أمام كثرة الاعتقالات وإجراءات القمع الأعمى قامت الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية بتأسيس لجنة وطنية للدفاع عن عائلات الضحايا وحمايتهم. وفي ظرف قصير تكونت، في مختلف أنحاء البلاد، لجان فرعية تابعة لها وأعربت أطراف الحركة الوطنية عن استنكارها للعسف الذي كانت تمارسه الإدارة الاستعمارية، وركب الحزب الشيوعي موجة النشاط الوطني وعبرت قيادته عن وقوفها إلى جانب لجان المساندة وجددت الدعوة إلى توحيد الطاقات الحية في إطار "جبهة وطنية ديموقراطية جزائرية" تدافع عن الحرية والأرض والسلام.
كان ذلك الموقف من الحزب الشيوعي خطوة اعتبرها حزب الشعب
[ ١ / ٢٣٧ ]
الجزائري إيجابية وراح يدفع إلى تعزيزها بخطوات أخرى، وكانت انتخابات يوليو سنة ١٩٥١ مضرب المثل من حيث التزييف حتى إن بعض مرشحي الإدارة الاستعمارية قد حصلوا على جميع أصوات الناخبين بما في ذلك أصوات منافسيهم، واغتنم الشعب الجزائري تلك الفرصة ليجعل قيادة الحزب الشيوعي الجزائري تقوم بالدعوة إلى تأسيس جبهة جزائرية للدفاع عن الحرية واحترامها.
وفي نظر الشيوعيين فإن الحرية لا تتعدى مجالي الانتخابات والتعبير. لكن حزب الشعب الجزائري كان في حاجة إلى مساندة الحزب الشيوعي الفرنسي للدفاع عن المعتقلين السياسيين ولحماية المضطهدين والمتمردين، وعليه فإنه أبدى استعداده للمساهمة في الجبهة المذكورة ولم يتردد في إظهار ابتهاجه بالمبادرة الشيوعية التي نشرت على أعمدة ليبرتي في عددها الصادر بتاريخ ١٢/ ٧/١٩٥١.
وبعد عشرة أيام من ذلك التاريخ تأسست لجنة تحضيرية ضمت ممثلي الأحزاب الثلاثة وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين بالإضافة إلى بعض الشخصيات المستقلة، واشتغلت اسبوعين كاملين عقدت على إثرهما جمعية عامة حضرها حوالي ألف مندوب وانبثقت عنها لجنة مديرة وأمانة دائمة كلفت بصياغة مذكرة شاملة حول أهداف الجبهة ترسل على جناح السرعة إلى سائر المنظمات الدولية.
ومما لا شك فيه أن مجرد تأسيس الجبهة الجزائرية للدفاع عن الحرية واحترامها كان يعد انتصارًا بالنسبة للحزب الشيوعي الجزائري الذي وجد نفسه، لأول مرة، جالسًا مع ممثلي الحركة الوطنية الجزائرية.
ولم يكن برنامج الجبهة الذي صادقت عليه الجمعية العامة بتاريخ ٥٠/ ٨/١٩٥٤ سوى تذكير بما كان يجب القيام به من أجل التصدي للعسف الاستعماري ولحمل الإدارة على إلغاء انتخابات شهر يوليو التي بلغت قمة الغش والتزييف، وعلى التعهد بعدم التدخل في عمليات الاقتراع على جميع المستويات. على هذا الأساس قررت الجمعية العامة تأسيس لجان محلية لتحسيس الرأي العام الجزائري بخطورة الموقف وتجنيده وراء قيادة الجبهة، ولابلاغ الرأي العام العالمي ممارسات القمع والإرهاب التي تلجأ إليها السلطات الفرنسية في الجزائر كلما أحست بأن الحركة الوطنية باتت تشكل نوعًا من الخطر على مصالحها الاستعمارية.
[ ١ / ٢٣٨ ]
أما في الأساس، فإن الجبهة الجزائرية للدفاع عن الحرية وحمايتها لم تأت بما من شأنه أن يدفع الشعب الجزائري في طريق استرجاع الاستقلال الوطني وذلك لسبب بسيط هو أن الشركاء لم يكونوا ينطلقون من أرضية واحدة ولا متشبعين بفكر واحد، كما أنهم، والحال هذه، لم يكونوا يعطون المفاهيم والمصطلحات نفس المعنى ولا للأهداف المعلن عنها نفس المغزى ونفس التفسير.
فأطراف الحركة الوطنية، رغم اختلاف وجهات النظر، ينطلقون من عمق حضاري واحد يؤمنون بأنه قادر على تمكينهم من تعبئة الطاقات الحية في البلاد وتوعيتها بضرورة النضال في سبيل استرجاع المغتصبات وبناء المستقبل على أسس تختلف كل الاختلاف عن واقع فرنسا سواء كانت استعمارية أم لا، أما الحزب الشيوعي الفرنسي، فإنه كان يتنكر للعمق الحضاري المشار إليه وكان يرفض انتساب الشعب الجزائري للعروبة، ويرى أن مستقبل الجزائر لا يكون إلا في إطار الاتحاد الفرنسي الذي لا بد أن يدخل، بدوره فلك الاتحاد السوفياتي الذي يسعى لحماية الطبقة الشغيلة وفرض دكتاتورية البروليتارية في العالم.
وبينما كان الحزب الشيوعي الجزائري يرفع شعار الديموقراطية معتقدًا بالإمكان وإقامة الجمهورية الجزائرية الديموقراطية في إطار الانتساب لفرنسا المتحررة من الاستعمار والامبريالية والتابعة في سياستها الخارجية إلى الاتحاد السوفياتي، ويرى أن مفهوم الديموقراطية لا يتعدى الاعتراف بتعايش الأجناس في الجزائر وبرفض الإسلام كدين للدولة "لأنه يمنع الجزائريات والجزائريين من تناول المشروبات الكحولية كيفما يشاؤون وفي أي مكان يريدون"، فإن أطراف الحركة الوطنية جميعها متمسكة بالإسلام وتدعو إلى اتخاذ جميع الإجراءات لإحترام تعاليمه وتطبيقها، وهي تذكر، في جميع المناسبات، بأن الدين المحمدي يرعى
سائر الحريات ويرفع الانسان إلى أعلى الدرجات ويشتمل في نصوصه الأساسية على ضرورة تطبيق العدالة الاجتماعية وتحرير العقل وإشراك الناس في تسيير شؤونهم بأنفسهم على أساس الشورى والطاعة والانضباط والحوار واحترام الآخر. وفيما يخص الديموقراطية فإن أطراف الوطنية تخضع ممارستها إلى توفر مجموعة من الشروط أهمها استرجاع السيادة والاستقلال كاملين إذ لا يعقل أن يكون ديموقراطيًا من كان يعيش في ظل الآخرين وعالة عليهم أو مستغلًا من طرفهم.
ولأن الجبهة الجزائرية للدفاع عن الحرية وحمايتها لم تبن على وحدة
[ ١ / ٢٣٩ ]
فكرية أو تقارب أيديولوجي فإنها لم تصمد لأول هزة أصابتها بعد شهرين من ميلادها فقط، ذلك أن قيادة الجبهة قررت عدم المشاركة في انتخابات أكتوبر الجهوية احتجاجًا على قرار السلطات المعنية بصحة انتخابات يوليو سنة ١٩٥١ التي أجمعت الأحزاب، بالأدلة الملموسة، على أنها مزيفة. لكن الحزب الشيوعي الفرنسي رأى من الأليق بالنسبة للحزب الشيوعي الجزائري أن يدخل المعركة الانتخابية فأمره بذلك ودفعه إلى تقديم مرشحيه في الوقت القانوني وهو ما فعل ضاربًا عرض الحائط قرار الجبهة الذي شارك في اتخاذه، وبهذا التصرف تسبب في هدم البناء الذي طالما دعا لإقامته وقدم الدليل على أنه لم يكن حزبًا وطنيًا بل تشكيلة سياسية تابعة للحزب الشيوعي الفرنسي. والغريب في الأمر أن مشاركته في الانتخاب كانت خيبة أمل إذ لم يحصل منها سوى على مقعد واحد على مستوى الجزائر بأكملها.
هكذا، إذن، خرج الحزب الشيوعي الجزائري من الصف الوطني الذي لم يبق فيه سوى حوالي شهرين ولم يكن خروجه خسارة بالنسبة لأطراف الحركة الوطنية الذين قرروا مواصلة توظيف الجبهة الجزائرية للدفاع عن الحرية وحمايتها كلما دعت الضرورة إلى ذلك.
وعندما نفذت أوامر الحزب الشيوعي الفرنسي، فإن قيادة الحزب الشيوعي الجزائري كانت تعتقد أنها ترضى العنصر الأوروبي في الهياكل القاعدية وتخفف من سخط المجموعة الانتخابية الأولي التي صارت تتهمها بالتواطئ مع المتطرفين ودعاة الانفصال عن فرنسا، لكن الواقع أثبت أن ذلك لم يتحقق لها بينما خسرت ثقة أغلبية العنصر العربي الذي راح يبحث عن مكان له في صفوف التشكيلات الوطنية، وتسببت، مع مر الأيام، في تجذر العداء بين العنصرين حتى إن المسؤولين عن التنظيم أصبحوا يوصون بضرورة فصل خلايا المسلمين عن خلايا الأوربيين ويستعملون لغة مزدوجة في تنشيط الحياة السياسية وهو الأمر الذي سيقود بالتدريج، إلى انسحاب الأغلبية الساحقة من المناضلين والإطارات الجزائريين.
وحينما اندلعت ثورة نوفمبر سنة ١٩٥٤، كان الحزب الشيوعي الجزائري قد بلغ منتهى ضعفه لكنه ظل متمسكًا بقناعاته القديمة التي ألبسها ثوبًا جديدًا قصد تمريرها بسهولة في أوساط الجماهير الشعبية وقصد مخادعة التاريخ.
واليوم، فإن إطارات الحزب الشيوعي الجزائري يعملون جاهدين على تبرير موقف حزبهم المتخاذل من نضال الحركة الوطنية الجزائرية ومن ثورة
[ ١ / ٢٤٠ ]
نوفمبر ١٩٥٤، فيلجؤون إلى اللوائح التي صادقت عليها اللجنة المركزية في مختلف دوراتها منذ نهاية عام ١٩٤٩ ويبرزون بالحرف الغليظ العروض التي كانت تقدم من أجل إقامة الجبهة الوطنية الديموقراطية والمواقف الداعية إلى النضال في سبيل الاستقلال والتحرير الوطنيين.
وبالفعل، فإن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الجزائري كانت في كل دوراتها وحتى نهاية عام ١٩٥١ تطالب "بمجلس وحكومة جزائريين لتسيير شؤون الجزائريين" (٤٥) وتدعو إلى "أن ينتخب المجلس الجزائري بكيفية ديموقراطية وأن يكون التمثيل فيه نسبيًا. أما الحكومة فتنتخب من طرف المجلس وهي مسؤولة أمامه" (٤٦).
وفي تقريره إلى المؤتمر السادس أيام ٢١ - ٢٢ - ٢٣ فبراير ١٩٥٢ (٤٧)، ركز الأمين العام للحزب السيد العربي بوهالي على "ضرورة توحيد العمل في أرض الوطن من أجل جزائر حرة مستقلة. معنى ذلك أن الحزب الشيوعي مازال مثل ما كان في السابق يرفض نشاط لجنة تحرير المغرب العربي ويرفض انتساب الجزائر للعروبة والإسلام.
وبتعبير آخر، إن الحزب الشيوعي الجزائري لا يعترف بالجزائر التي تعمل الحركة الوطنية على استرجاع سيادتها واستقلالها وعليه، فإن أطراف الحركة الوطنية، التي كانت تدرك ذلك، لم تكن ترغب في الوحدة معه وكانت تعتبره حزبًا أجنبيًا.
ولم يكن الحزب الشيوعي الجزائري يرفض عروبة الجزائر وإسلامها فقط، بل إنه كان، أيضًا، يرفض وحدة المغرب العربي، أي أنه كان يرفض كل ما من شأنه أن يبعث الجزائر المعتدى عليها سنة ١٨٣٠ ويحول دون الاندماج في
الاتحاد الفرنسي والارتباط بالاتحاد السوفياتي.
وكانت أطراف الحركة الوطنية المتمسكة بعروبتها وإسلامها، تندد بالموقف الشيوعي تجاه القضية الفلسطينية التي تعتبرها قضية كل الشعب الجزائري، وبما أن الاتحاد السوفياتي - وصي الأحزاب الشيوعية في العالم - كان ضالعًا في تنفيذ المؤامرة على فلسطين وشعبها، فإن الوطنيين الجزائريين كانوا يعتبرون كل الشيوعيين أعداء للأمة العربية الإسلامية.
وكما أن إطارات الحزب الشيوعي اليوم، يعملون على توظيف مفاهيم الاستقلال والحرية والتحرير بعد إفراغها من محتواها الحقيقي كما سبقت الإشارة إلى ذلك، فإنهم يحاولون توظيف القمع الوحشي الذي تمارسه الإدارة
[ ١ / ٢٤١ ]
الاستعمارية. وعلى سبيل المثال، فإن الأمين العام السيد العربي بوهالي، في تقريره إلى المؤتمر السادس، يتعرض إلى الاعتقالات العشوائية التي كانت، منذ مارس ١٩٥٠، تستهدف إطارات ومناضلي حزب الشعب الجزائري فيقول "لم ينج الشيوعيون من الاعتقال. وأن عشرين من بين أعضاء اللجنة المركزية الخمسين قد كان لهم شرف المثول أمام المحاكم الاستعمارية، ومن بينهم: مجدوب بن رحو الذي قاد إضراب العمال الفلاحين في سبتمبر ١٩٥١ ومصطفى سعدون الذي كان ينشط ضد الحرب في فيتنام الخ .. " (٤٨) وفي الواقع، لا مجال للمقارنة بين من يعتقل لمشاركته في تنظيم يعد للكفاح المسلح قصد استرجاع الاستقلال الوطني وبين من يلقي عليه القبض بسبب نشاطه النقابي الذي هو في جوهره اعتراف بالأمر الواقع الاستعماري.
إن مؤرخي الحزب الشيوعي، اليوم، يكتفون بالعودة إلى ما كان ينشر باسم اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الجزائري في الفترة ما بين ١٩٤٩ و١٩٥٢ ويركزون على المفهوم اللغوي دون إرجاع الوثيقة إلى إطارها التاريخي ودون إخضاعها للمعايير والمقاييس الحقيقية.
فالقارئ الذي يعرض عليه أن الحزب الشيوعي الجزائري أصدر يوم ١/ ١١/١٩٥٣ نداء موجهًا إلى سائر التشكيلات الوطنية الجزائرية من أجل "تشكيل جبهة وطنية ديموقراطية" (٤٩) لا يفهم لماذا بقي ذلك النداء بدون جواب. لكنه عندما يرجع بالتحليل إلى الوثيقة المذكورة يعرف الأسباب التي منعت الوطنيين الجزائريين من أخذه مأخذ الجد ناهيك عن الاستجابة له. ومن أهم تلك الأسباب ما يلي:
١ - إن النداء يتحدث عن جمهورية ديموقراطية جزائرية متعددة الأجناس وكأن الدولة الجزائرية لم تكن موجودة قبل سنة ١٨٣٠ وبينما يرى حزب الشعب الجزائري أن بعث الدولة الجزائرية لن يكون حقيقة إلا بواسطة الكفاح المسلح لأن الاستعمار لا يفهم لغة أخرى، فإن الحزب الشيوعي يرفض العنف الثوري ويؤكد أن توحيد الجزائريين يكفي لحمل السلطات الاستعمارية على تمكينهم من انتخاب مجلس يمثل الشعب ويكون مؤهلًا للتفاوض مع ممثلي فرنسا حول مستقبل الجزائر وحول العلاقات المستقبلية بين البلدين.
فالطرح الشيوعي، إذن، يعتبر أسلوبًا جديدًا في النضال متناقضًا تمامًا مع أسلوب حزب الشعب الجزائري الذي لم يتوقف، منذ سنة ١٩٣٨
[ ١ / ٢٤٢ ]
خاصة، عن الإعداد العسكري ليسترجع بالقوة ما أخذ بالقوة.
٢ - إن النداء يركز على ضرورة إدراج نشاط الجبهة الوطنية الديموقراطية المقترح تأسيسها في إطار النضال العالمي المناهض للإمبريالية الأمريكية والذي "يقوده الأخ الأكبر الذي أجتث جذور الامبريالية في كامل الاتحاد السوفياتي" لكن الحركة الوطنية الجزائرية ترى أنها غير معنية بمحاربة الامبريالية الأمريكية والجزائر مستعبدة من طرف الامبريالية الفرنسية، ومن جهة ثانية فهي لا تفرق بين كل الامبريالية التي يعتبر الاتحاد السوفياتي واحدة منها لأنه يستعمر شعوبًا اسلامية قهرها بالقوة وأخضعها لسيطرته المطلقة.
٣ - إن النداء، بقدر ما يؤكد ضرورة الاعتماد على مساعدة الحزب الشيوعي الفرنسي والاتحاد السوفياتي ويلح على مساندة كفاح الشعب الفيتنامي وحركات السلم في العالم، فإنه لا يتعرض للقضية الفلسطينية ولا للثورة المصرية كما أنه لا يندد بتواطئ الاتحاد السوفياتي مع الامبرياليات الأخرى الذي قاد إلى تقسيم فلسطين وإلى تجذير الهيمنة الغربية على مختلف أجزاء الوطن العربي.
٤ - إن النداء يتعرض إلى النظام الاستعماري بصفته نظامًا يستغل الجماهير الشعبية ويبني الثروات الطائلة على حساب الشغيلين والبطالين، لأجل ذلك فإنه يركز على ضرورة التحرير الاقتصادي والاجتماعي والثقافي معتبرًا أن وحدة الطبقة العاملة هي اسمنت الوحدة الوطنية، وأن الهدف الأسمى من النضال يتمثل في التمكن من تطيبق الاشتراكية وتوزيع الأرض على من يفلحها، أما أطراف الحركة الوطنية، فإنها ترى أن النظام الاستعماري كيان غريب فرض على الجزائر بعد الاعتداء عليها سنة ١٨٣٠، وعليه فإن الحل
الوحيد هو تقويض أركانه بجميع الوسائل وذلك من أجل بعث الدولة الجزائرية "التي تناهض الامبريالية بجميع أنواعها وتقف إلى جانب الشعوب في كفاحها من أجل تقرير مصيرها بنفسها وتعمل جاهدة في سبيل توحيد المغرب العربي الذي هو جزء لا يتجزأ من العالم العربي الإسلامي" (٥٠) أما في المجال الاقتصادي، فإن الجزائر المستقلة تطبق إصلاحًا زراعيًا شاملًا وتقدم كل التسهيلات للفلاحين الصغار، كما أنها تؤمن البنوك والمناجم وسائر الثروات الطبيعية التي يجب أن توزع بالعدل على سائر أفراد الشعب.
[ ١ / ٢٤٣ ]
إن النداء يشير إلى الجبهة الجزائرية من أجل الدفاع عن الحرية واحترامها ويعتبرها مرحلة هامة وتنظيمًا استطاع أن يؤدي دورًا إيجابيًا" لكن أطراف الحركة الوطنية يرون أن ذلك التنظيم مُنع من القيام برسالته التي وجد من أجلها بسبب خيانة الحزب الشيوعي الجزائري الذي فضل الاستجابة لأوامر الحزب الشيوعي الفرنسي على الالتزام بقرار القيادة الموحدة، وزيادة على ذلك، فإن النداء يركز، فقط، على مجموعة من المطالب الآنية مثل العفو الشامل، واحترام الحريات الديموقراطية ومساندة المطالب الاقتصادية والاجتماعية وإخراج الجزائر من الحلف الأطلسي ورفض استعمال الجزائريين في الحروب الامبريالية، أما فيما يتعلق بالسيادة الوطنية فيكتفي بالإشارة إلى "إمكانية التفاهم كذلك حول أهداف أسمى مشتركة وخاصة منها ما يتعلق بالآفاق المستقبلية حول جمهورية ديموقراطية جزائرية" (٥١).
٦ - إن أطراف الحركة الوطنية قد فقدوا كل أمل في أن يصبح الحزب الشيوعي الجزائري وطنيًا، تأكدوا من ذلك نتيجة مواقفه العدوانية في مايو ١٩٥٤ وبسبب مشاركته في قمع الجزائريين واعتبار نضالهم في سبيل استرجاع السيادة الوطنية عملًا إجراميًا يستحقون عليه أشد العقوبات، وحتى عندما أتيحت له فرصة الدخول في الصف في صيف ١٩٥١، فإنه سرعان ما تراجع وشق عصى الطاعة متسببًا، بذاك، في فشل الجبهة الجزائرية من أجل الدفاع عن الحرية واحترامها كما أشرنا إلى ذلك آنفًا.
٧ - إن نداء الحزب الشيوعي الجزائري لم يأت نتيجة نضج أو وعي المناضلين الاطارات بل إنه كان محاولة للتدليل على أن ثمة تقاربًا مع حزب الشعب الجزائري الذي كانت لجنته المركزية قد قررت، في دورة سبتمبر ١٩٥٣، توجيه نداء إلى كل الطاقات الحية في البلاد من أجل تشكيل "المؤتمر الوطني الجزائري" بقصد تمكين كل الجزائريين من انتخاب مجلسهم الوطني
وبعث دولتهم المستقلة، علمًا بأن القرار المذكور إنما اتخذ لإيجاد أفضل السبل الكفيلة بتحضير الكفاح المسلح.
هكذا، فالاختلاف مع الشيوعيين جوهري وهو مبني على تناقض في المنطلق وفي الهدف الأسمى، وتباعًا لذلك لا يمكن أن يكون التحالف معهم إلا مرحليًا وحول الأغراض البسيطة العاجلة. وبالنسبة لحزب الشعب الجزائري - في جميع أشكاله - فإن نقاط التلاقي تكاد تكون معدومة مع الحزب الشيوعي
[ ١ / ٢٤٤ ]
الجزائري نظرًا لرؤية كل منهما للماضي والحاضر والمستقبل وبسبب تباعد البرامج السياسية ومناهج العمل المتبعة لتجسيدها على أرض الواقع.
لكن قيادة الحزب الشيوعي الجزائري، في دورتها المنعقدة يوم ١/ ٤/١٩٥٤ ترى "أن الحوار وخاصة العمل ممكنان لأنه لا يوجد تناقض بين "المؤتمر الوطني" الذي تدعو إليه الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية، "والجبهة الوطنية الديموقراطية الجزائرية" وهذا في الحقيقة، محض ادعاء لا يصمد حتى أمام القراءة الأولي لمقدمة الوثيقتين المعدتين من طرف التشكيليتين السياسيتين.
فالشيوعيون أوردوا في ديباجتهم أن "الجزائريين في أغلبهم يتساءلون عن مستقبلهم وهم يريدون العيش أحرارًا وسعداء ويطمحون إلى التخلص من النظام الاستعماري البشع" ولتحقيق مثل ذلك الطموح، فإنهم يستلهمون تجاربهم المستخلصة "مما أبدوه من بطولات في نضالهم ضد الممارسات الكولونيالية في جميع مجالات الحياة اليومية وذلك في الفترة من ١ إلى ٢٣/ ٥/١٩٥٢".
أما الوطنيون، فإن وثيقتهم قد جاءت، منذ أسطرها الأولى، واضحة إذ بينت أنها تعتمد أربعة مبادئ أساسية هي: الجزائر أمة ومن ثمة فإن النضال يجب أن ينصب على استرجاع سيادتها.
- ضرورة إفادة الجزائر من مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها وفقًا لميثاق الأمم المتحدة الذي وقعت عليها فرنسا ذاتها.
- انتخاب مجلس وطني بواسطة الاقتراع العام والمباشر.
- الدولة الجزائرية تكون جمهورية ديموقراطية اجتماعية غير منحازه
ومن الجدير بالذكر، أن الفترة الزمنية التي جعل منها الحزب الشيوعي مرجعًا نضاليًا قد تميزت بمجموعة من الاضرابات التي نظمها وقادها مناضلوه في عدد من المؤسسات الاقتصادية وفي الموانئ. ومن غريب الأمور أن نفس هذه الفترة هي التي تبلورت فيها الحركة الثورية سنة ١٩٤٥ وقد تميزت بقمع استعماري رهيب ذهب ضحيته حوالي ثمانين ألف جزائري وشاركت فيه القوات الجوية والبحرية والبرية بجميع أنواعها وكان يومها الجنرال ديغول هو رئيس الحكومة الفرنسية بينما كانت وزارة الحرب مسندة إلى الحزب الشيوعي الفرنسي وفي تلك الفترة، أيضًا، كان الحزب الشيوعي الجزائري قد وزع منشورًا يندد، من خلاله، بالحركة الثورية ويتهم الوطنيين بالفاشية لأنهم تجرؤوا على المطالبة باسترجاع الاستقلال والانفصال عن فرنسا.
[ ١ / ٢٤٥ ]
إن الحزب الشيوعي الجزائري لا يريد أن ينظر إلى تلك الحقيقة التاريخية كما أنه يغض الطرف عن مساهمته الفعلية في جرائم الحرب المرتكبة ضد الشعب الجزائري في مايو ١٩٥٤ ويتناسى أنه كان من الآمرين بتشغيل الأفران المحرقة في نواحي مدينة قالمة. ودون أن يقدم مبررًا لأفعاله تلك، يأتي فيدعي أحقية المشاركة في النضال الوطني من أجل تقويض أركان الاستعمار الذي كان قبل سنوات ثمان قد دافع عنه بالحديد والنار ضد العزل والأبرياء.
إن الحزب الشيوعي الجزائري يتجاوز كل ذلك ويروح يبحث عن عدم الاستجابة إلى ندائه في أسباب يحاول ايهام القراء بأنها هي الصحيحة فيقول: "إن أهمها هو ما تعانيه الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية من صراع بين المركزيين والمصاليين" (٥٢) ثم هناك ما اقتطفته جريدة ليبرتي في عددها الصادر بتاريخ ٢٣/ ٩/١٩٥٤ من مقال نشر على أعمدة "الأمة الجزائرية" في عددها الصادر بتاريخ ١٠ سبتمبر من نفس السنة ومفاده "أن الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية قد حاولت الاتحاد مع أحزاب أخرى لكنها لم تنجح لأنها كانت تريد من الآخرين أن يتبنوا برنامجها" (٥٣).
إن هذا التعليل غير صحيح غير أن السيد حفيظ خطيب (٥٤) قد لجأ إليه للتدليل على حسن نية الحزب الشيوعي الجزائري في كل ما كان يقوم به من المساعي لتحقيق الوحدة الوطنية في الجزائر. ونقول إن التعليل غير صحيح لأن الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية لم تكن وحدها، بل هناك الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين والشخصيات الوطنية المستقلة وكلها لم تكن مصابة بالصراع الداخلي "بين المركزيين والمصاليين" ورغم ذلك فإنها رفضت الاستجابة للنداء. فالسبب الحقيقي إذن يكمن في كون منطلقات الحزب الشيوعي الجزائري وأهدافه متناقضة تمامًا مع أهداف أطراف الحركة الوطنية الجزائرية ومنطلقاتها الأيديولوجية. أما عن المقال المنشور على أعمدة "الأمة الجزائرية" والمستظهر به، فإنه كان خاصًا بالاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري وبجمعية العلماء المسلمين الجزائريين الذين كانوا شركاء في "حركة أحباب البيان والحرية" التي حاربها الحزب الشيوعي بوحي من الإدارة الاستعمارية عندما أسس لمناهضتها "أحباب الديموقراطية".
إن الحزب الشيوعي الجزائري قد أسس، منذ البداية، لضرب الحركة الوطنية الجزائرية وتحييدها عن خطها الثوري ولإفساد مرجعيتها الفكرية
[ ١ / ٢٤٦ ]
والحضارية، وسيظل تاريخ الجزائر المعاصر يذكر له الدور الإجرامي الذي أداه فيما اصطلح على تسميته بمذابح مايو ١٩٥٤ وما نسميه نحن بحركة مايو الثورية، ونفس العمل الذي قام به قبل اندلاع ثورة نوفمبر ١٩٥٤ سوف يظل مستمرًا لكن بشكل آخر، وإذا كانت جبهة التحرير الوطني قد تصدت له بنجاح نسبي أثناء فترة الكفاح المسلح، فإن آثاره السلبية ما تزال قائمة إلى أيامنا هذه وهو ما سوف نبينه بالحجة والدليل في دراستنا المقبلة.
•••
• الهوامش:
_________________
(١) هوامش
(٢) اعتبرت هذه الدورية مؤامرة ضد أمن الدولة الفرنسية وقد ألقي القبض على السيد بارتيل وقضت عليه المحكمة بالحبس النافذة لمدة عام.
(٣) الجزائريون في نظر الإدارة الاستعمارية ومعظم المؤرخين الفرنسيين إنما هم الأوربيون على اختلاف أجناسهم، أما الجزائريون الأصليون فكانوا يسمون "العرب" أو "المسلمين"
(٤) طبع الكتاب تحت اسم مستعار هو: M.Loew وقدمته للقراء بكثير من الأطناب جريدة I،humanitè في عددها الصادر بتاريخ ٢٥/ ٢/١٩٣٦ لكن قيادة الحزب الشيوعي سرعان ما سحبته من السوق وقررت يوم ١٩ مارس طرد مؤلفه من الصفوف.
(٥) انظر نص المشروع كاملًا في ملفات لجنة الإصلاحات، المركز الوطني للمحفوظات، الجزء الثاني، ويشتمل النص على ستة مواد فقط بما في ذلك مادة التطبيق
(٦) هذه الشروط هي بإيجاز كبير: (١) المتخرجون من الجيش برتبة ضابط - (٢) المتخرجون برتبة رقيب أمضى على الأقل ١٥ سنة في صفوف الجيش مع شهادة حسن السيرة (٣) الحاصلون على الوسام العسكري والصليب الحربي (٤) الحاصلون على شهادات التعليم العالي والثانوي - (٥) المنتخبون في الغرف التجارية والفلاحية - (٦) المندبون الماليون والنواب البلديون ورؤساء الجماعات (٧) الباشغوات والآغوات والقواد بعد عمل ثلاث سنوات على الأقل - (٨) الحاملون لوسام جوقة الشرف - (٩) الحاملون لوسام العمل وأمناء النقابات المعترف بها بعد عشر سنوات من الممارسة.
(٧) آجرون (روبرت) تاريخ الجزائر المعاصر، ج٢ - ص٣٨٥
[ ١ / ٢٤٧ ]
هوامش
_________________
(١) نفس المصدر، ص٣٨٠
(٢) مذكرات الحاج مصالي - ١٨٩٨ - ١٩٣٨ باريس ١٩٨٢ - ص٢٤٧
(٣) آجرون، ص٣٨٦
(٤) نشرية الحكومة العامة، العدد الصادر بتاريخ ١٤/ ١/١٩٤٠ جاء في النشرية على لسان ابن علي بوخراط: "إن الاتحاد السوفياتي اليوم، يتبع نفس أساليب وسلوكات العنف والاحتلال التي تتبعها النازية، وعليه فإني أتحلل من سياسته ومن سياسة الأممية الشيوعية.
(٥) بكثير من الإيجاز، فإن أمرية الجنرال ديغول التي تحمل تاريخ ٧/ ٣/١٩٤٤ لا تختلف عن مشروع فيوليت لكن ونظرًا للتطور السكاني وللنمو الديموغرافي، فإن عدد الذين صارت تتوفر فيهم شروط المواطنة الفرنسية قد بلغ حوالي ستين ألف بدلًا مما ذكرنا سابقًا فيما يتعلق بالمشروع.
(٦) القانون الأساسي لحركة أحباب البيان والحرية (المادة الأولى)
(٧) نفس المصدر
(٨) نشرية للجنة الفرنسية للتحرير الوطني، العدد الصادر بتاريخ ١/ ٤/١٩٤٤
(٩) عباس (فرحات) حديثنا معه يوم ٢٨/ ٩/١٩٦٣
(١٠) "الحرية" عددها الصادر بتاريخ ١٢/ ٩/١٩٤٤
(١١) انظر النشرية التي طبعها ونشرها السيد عمر أوزقان بالجزائر في شهر مايو ١٩٤٤ تحت عنوان "الحزب الشيوعي في خدمة السكان الجزائريين" ص١٣
(١٢) انظر المنشور في مركز دراسات الحرب العالمية الثانية بباريس - ملف تيبار
(١٣) لومانيتي، عددها الصادر بتاريخ ١٢/ ٥/١٩٤٥
(١٤) ليبرتي، عددها الصادر بتاريخ ١٧/ ٥/١٩٤٥
(١٥) جاء ذلك في خطاب ألقاه بمناسبة انعقاد المؤتمر في شهر جوان ١٩٤٥، وقد قال بالحرف الواحد: "إن الذين يطالبون باستقلال الجزائر إنما هم، بوعي أو بغير وعي، عملاء امبريالية أخرى. ونحن لا نريد استبدال حصاننا الأعور بحصان أعمى.
(١٦) الحزب الشيوعي الجزائري "ثماني سنوات من الكفاح ٣٤ - ٤٦ الجزائر ١٩٤٦، ص١٢٨
(١٧) بوهالي (العربي) افريل ١٩٤٧ مايو ١٩٤٩ عامان من الكفاح في سبيل الحرية والأرض والخبز، الجزائر بدون تاريخ
(١٨) نفس المصدر
(١٩) دفاتر الشيوعية، عدد سبتمبر ١٩٤٧ ص٨٥١ وما بعدها
(٢٠) " Le parti communiste et l'avenir de I'Algèrie" l'ecole élementaire du parti، Alger Mai ١٩٤٧ p ٦ et suivantes
(٢١) نفس المصدر
[ ١ / ٢٤٨ ]
هوامش
_________________
(١) انظر لائحة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في دورتها المنعقدة يومي ٢٧/ ٢٨ - ١٢/ ١٩٤٧
(٢) ليبرتي، عددها الصادر بتاريخ ٩/ ٦/١٩٤٨
(٣) نفس المصدر
(٤) الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية، "لائحة السياسة العامة المصادق عليها من طرف المجلس الوطني بتاريخ ٤/ ٩/١٩٤٧ المغرب العربي، العدد الصادر يوم ١٢/ ٩/١٩٤٧.
(٥) المصدر نفسه
(٦) المصدر نفسه
(٧) P.C.A Cours élémentaire du parti communiste Algérien، Alger، Avril ١٩٤٧، p١١ et Suivantes
(٨) Hadj Messali، La Justice n du ١٧/ ٨/١٩٣٧ أما بوخرط فهو في ذلك الحين أحد أمناء الحزب الشيوعي الجزائري
(٩) الحزب الشيوعي الجزائري، نفس المصدر
(١٠) ليبرتي، عددها الصادر بتاريخ ١٦/ ٦/١٩٤٩
(١١) ليبرتي، عددها الصادر بتاريخ ٢/ ٦/١٩٤٩
(١٢) حربي (محمد) جبهة التحرير الوطني بين الخيال والحقيقة، ص٧٨
(١٣) ليبرتي، عددها الصادر بتاريخ ٣٠/ ٣/١٩٥٠
(١٤) نفس المصدر، العدد الصادر بتاريخ ٣٠/ ١١/١٩٥٠
(١٥) الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية، لائحة السياسة العامة التي صادق عليها المجلس الوطني بتاريخ ٤/ ٩/١٩٤٧
(١٦) نفس المصدر
(١٧) ليبرتي، عددها الصادر بتاريخ ٣٠/ ٣/١٩٥٠
(١٨) ليبرتي، عددها الصادر بتاريخ ٢/ ٦/١٩٤٩
(١٩) نفس المصدر
(٢٠) ليبرتي، عددها الصادر بتاريخ ٢٨/ ٢/١٩٥٢
(٢١) نفس المصدر
(٢٢) ليبرتي، عددها الصادر بتاريخ ١٢/ ١١/١٩٥٣
(٢٣) نفس المصدر
(٢٤) كل ما يتعلق بالنداء، انظر ليبرتي في عددها الصادر بتاريخ ١٢/ ١١/١٩٥٣ (النص الكامل والتعاليق).
[ ١ / ٢٤٩ ]
هوامش
_________________
(١) ليبرتي، عددها الصادر بتاريخ ٢٣/ ٩/١٩٥٤
(٢) نفس المصدر
(٣) Khatib (Hafid)، ler juillet ١٩٥٦ L'Accord El N - PCA، OPU Alger ١٩٩١ ••••
[ ١ / ٢٥٠ ]