هكذا، وبكل هذه السهولة، تحلل الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري من وثيقة الاتفاق الذي أبرمه مع الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية وراح يستعد لانتخابات الجمعية الجزائرية وفق البرنامج السابق المتأرجحة أهدافه بين السيادة المشروطة والجمهورية الجزائرية المتحدة مع فرنسا والرافضة في الحالتين للانفصال عن فرنسا وللاتحاد مع الحركة المصالية الداعية إلى تقويض أركان الاستعمار وبعث الدولة الجزائرية ذات السيادة المطلقة.
وعلى الرغم من أن الرأي العام الوطني، في الجزائر، كان ينتظر من التشكيليتين موقفًا موحدًا لمواجهة الجبهة الاستعمارية التي بدت متماسكة للاحتفاظ بالجزائر فرنسية ولإبقاء شعبها المسلم في حالة التهميش التي تمنعه من ممارسة حقه في الحرية والسيادة، فإن الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري والحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية قد قررا مواصلة السير منفردين، ودخول المعركة الانتخابية مشتتي الصفوف وببرامج متباينة إلى أبعد الحدود.
إن مجرد المشاركة في انتخابات الجمعية الجزائرية كان يعتبر هزيمة للحركة الوطنية لما في ذلك من قبول بالعودة إلى ماقبل حركة أحباب البيان والحرية. فالمادة الثانية من القانون التنظيمي الذي أنشئت الجمعية بموجبه تؤكد إبقاء الجزائر في شكلها السابق لسنة ١٩٤٧ أي مجموعة عمالات مزودة بالشخصية المدنية والاستقلال المالي" (٥٠)، وفي المادة الواحدة والثلاثين من نفس القانون تثبيت للمجموعتين الانتخابيتين وعودة لمقاييس مشروع فيوليت من أجل تعيين المسلمين الذين يمكنهم الارتقاء إلى المجموعة الأولى أي مجموعة المواطنين الفرنسيين.
ومن جهة أخرى، فإن التشكيلتين السياسيتين الوطنيتين، إذ تقدمان على المشاركة في انتخابات الجمعيةالجزائرية، فإنهما تتنكران لموقفهما من القانون التنظيمي الذي كانتا قد رفضتاه جملة وتفصيلًا واعتبرتاه اعتداء سافرًا على سيادة الشعب الجزائري (٥١). بل إن مؤتمر البليدة الذي عقده الاتحاد
[ ١ / ١٢٤ ]
الديمقراطي للبيان الجزائري أيام ٣ - ٤ و٥/ ١٠/١٩٤٧ لم يتردد في التنديد: "بالاتحاد الفرنسي المؤسس على الإكراه والسيادة الأحادية"، وفي إدانة القانون التنظيمي المفروض على الشعب الجزائري الذي يسعى "لإقامة جمهورية جزائرية مزودة بألوانها الوطنية وبحكومة مسؤولة أمام برلمان جزائري" (٥٢).
في هذا الجو المليء بالتناقضات وعدم الاستقرار على موقف واحد، أعد الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري قوائم مرشحيه للجمعية الجزائرية التي قال عنها السيد فرحات عباس: "إنها غير مرضية ولا غير مجدية، وسوف تكون بين أيدينا أداة لتحسين وضعنا وتسليحنا لخوض معارك أخرى" (٥٣).
لقد كانت قيادة الاتحاد، في معظمها تعتقد أن الابتعاد عن الحركة المصالية بجميع تسمياتها سيساعدها على الفوز بثقة الإدارة الاستعمارية وتفهم الحكومة الفرنسية، ومن ثمة تعطي لها فرصة إيجاد ديناميكية جديدة لصالح حل لا يخرج عن إطار الاتحاد الفرنسي لكنه يمنح الجزائر نوعًا من الاستقلال الداخلي الذي يكون محطة في طريق الاستقلال الكامل.
إن ذلك الاعتقاد لم يكن صحيحًا، لأن غلاة الكولون الذين لم يكونوا مستعدين للتعامل مع أي من أطراف الحركة الوطنية، قد تمكنوا من التغلغل بسهولة في أوساط الأغلبية الحاكمة في فرنسا، وزيادة على تجذيرهم، في تلك الأوساط، لفكرة الجزائر الفرنسية، فإنهم استطاعوا أن يكونوا ممثلين في حكومة السيد روبارت شومان Robert Schuman بواسطة واحد منهم وهو نائب قسنطينة Réné MAYER(٥٤). الذي أدت ضغوطاته إلى استبدال السيد YVES Chataigneau بالسيد مارسيل ايدموند نيجلان Marcel édmond naegelen واليًا عامًا للجزائر ابتداءً من يوم ١١/ ٠٢/١٩٤٨.
لقد كان نيجلان اشتراكيًا في مذهبه السياسي، لكنه بالنسبة للجزائر كان يمينيًا متطرفًا يرى في استقلالها، "نهاية للإنجازات الفرنسية وتوقفًا لبناء المدارس والطرقات والمستشفيات والقامرات الهاتفية ولتحسين المحصولات كما أنه يعني رحيل معلمينا وأطبائنا ومهندسينا وحكامنا" (٥٥). وحتىلا تحدث "هذه الكارثة" فإنه شرع بمجرد تنصيبه في وضع أسس مدرسة تزييف الانتخابات التي سوف تعرف باسمه، وذلك رغم كل ماقام به من جهد ليقدم نفسه كمنقذ لتعليمات كان سابقه قد ضمنها نشرية تحمل تاريخ ٢٨/ ٠٨/١٩٤٧.
وتأمر بالقضاء على المشوشين الذين يتبين أن نشاطهم مضر، والحفاظ، من جهة أخرى، على هيبة السلطة بواسطة قمع مخالفات القانون والمس بالنظام
[ ١ / ١٢٥ ]
العام" (٥٦).
إن نايجلان لم يكن مخطئًا تمامًا، لكنه لم يكن في مستوى ذكاء الوالي العام السابق إيف ستاتينيو الذي كاد، بفضل مرونته العجيبة، أن يقنع الجزائريين على اختلاف ميولاتهم ومستوياتهم بتعاطفه معهم في الوقت الذي توجد فيه أدلة ملموسة على محاربته للحركة الوطنية بكل الوسائل. نكتفي هنا، بالإشارة إلى تعليماته الصارمة بمنع منتخبي الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية من عقد مؤتمرهم يوم ٢٥/ ٠١/١٩٤٨، أي قبل تنحيته بأسبوعين فقط، وكذلك حملة الاعتقالات والاعتداءات على المرشحين والمقرات على حد سواء ابتداء من فاتح جانفي سنة ١٩٤٨.
مثل هذه الإجراءات التعسفية هي التي لجأ إليها السيد نيجلان لمنع تشكيلات الحركة الوطنية وحتى الشيوعيين من الفوز بمقاعد المجموعة الانتخابية الثانية في الجمعية الجزائرية. وأكثر من ذلك فإنّه جند الصحافة الاستعمارية الصادرة في الجزائر للتحذير من خطر الانتخاب على مرشحي الحركة المصالية "الذين لا يمكن إلا أن يكونوا قوة معرقلة ومعادية لكل ما هو فرنسي" (٥٧).
ولم يكتف نيجلان باضطهاد إطارات الحركة الوطنية موجهًا لهم تهمة المس بالسيادة الفرنسية والعمل على إرباك النظام العام، وإنما تجاوز ذلك إلى الأمر باعتقال المرشحين أنفسهم كما جاء في تقرير اللجنة المركزية للإعلام والتوثيق التابعة للحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية؛ ومن جهة أخرى صدرت الأوامر الصارمة إلى المصالح الإدارية بالبلديات كي لا توزع بطاقات الناخبين في المراكز التي شك في ميولات سكانها الوطنية.
وعندما بدأت عملية الاقتراع، تضاعفت إجراءات التزييف مثل إسناد الإشراف على مكاتب التصويت إلى الأوربيين فقط أو إلى من يعينون من طرفهم.
وفي بعض الحالات التي ذكرتها اللجنة المركزية للإعلام والتوفيق التابعة للحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية، فإن الإدارة الاستعمارية قد حولت عناوين المكاتب دون إخبار المواطنين، أو نقلتها إلى بيوت خاصة يغلقها أصحابها في وجه المنتخبين (٥٨). وفي كثير من الحالات وبأمر من عامل العمالة، حجبت قوائم مرشحي الحركة الوطنية ومنع ممثلوهم من الدخول إلى المكاتب للمشاركة في الرقابة القانونية (٥٩). وأحيانًا، وربحًا للوقت، كانت
[ ١ / ١٢٦ ]
الإدارة الاستعمارية تملأ الصناديق كما تشاء أو تقيم محاضر النتائج عشية الانتخاب (٦٠)، وحيث ظهرت المقاومة أو بدت علامات الاحتجاج، فإن الولاية العامة قد لجأت إلى الجيش أو إلى سائر قوات الأمن من تقوم، كعادتها، بأعمال القمع والترهيب (٦١).
هكذا ورغم أن المنتخبين منحوا أصواتهم لمرشحي الحركة الوطنية، فإن الإدارة الاستعمارية العاملة تحت الإشراف المباشر للسيد نيجلان، قد ألغت الإرادة الشعبية وقررت بمفردها إعطاء تسعة مقاعد للحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية وثمانية للاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، بينما خصصت الباقي لعملائها الذين لم يكونوا ليفوزوا بمقعد واحد لولا إجراءات التزييف على الطريقة النايجلانية.