إن المنظمة السرية، كما يسميها بعضهم، لم تظهر إلى الوجود صدفة بل إن جذورها تضرب في أعمق من المؤتمر الثالث لحزب الشعب الجزائري، تغذت من مقررات المؤتمر الثاني ومن الوثيقة التي صادقت عليها بالإجماع قيادة نجم شمال إفريقيا بالإجماع سنة ١٩٢٧ والتي أشرنا إليها آنفًا. ولقد تعرضنا بإيجاز إلى مراحل إعداد الكفاح المسلح في معالجتنا لفترة الحرب الإمبريالية الثانية.
وعلى إثر أشغال المؤتمر الثالث لحزب الشعب الجزائري، أسندت رئاسة المنظمة الخاصة إلى عضو المكتب السياسي السيد محمد بن الوزداد الذي لم يكن عمره، يومها، قد تجاوز ثلاثة وعشرين عامًا. كان حاصلًا على شهادة البكالوريا وهي شهادة عليا بالنسبة للجزائريين في ذلك الوقت، ويشهد له قادة الحزب ومناضلوه بالذكاء الخارق وبالشجاعة الهادئة والقدرة الفائقة على التنظيم السري وهي صفات كانت قد مكنته، وهو في مستهل الشباب، من أن يكون أحد الإطارات القيادية البارزة التي أعدت لمحاولات الثورة في شهر مايو سنة ١٩٤٥.
ولئن كانت الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية قد وجدت صعوبات كثيرة في أعمال الهيكلة والتعبئة، فإن المنظمة الخاصة قد تمكنت، في ظرف عام واحد، من تجنيد حوالي ألفي مناضل (٩٦) كلهم من الشباب المؤمن بالعنف الثوري والمخلص لوطنه إخلاصًا لا تشوبه شائبة، ثم زودتهم بتعليم عسكري في إطار حرب العصابات ودربتهم على استعمال الأسلحة الكائنة في سائر المخابئ والمتفجرات بمختلف أنواعها وبعبارة أخرى نستطيع القول "أنها أعدت جيشًا كاملًا ووفرت له جميع الشروط الضرورية للدخول في المعركة. وكان من الممكن أن تندلع الثورة سنة تسع وأربعين لو لم يقعد مرض السل الخبيث محمد بن الوزداد ولو لم تقع ما يسمى بالأزمة البربرية التي ما كانت لتظهر لو لم يكن محمد طريح الفراش في مصحة بوبيني بباريس.
[ ١ / ١٧٩ ]
لقد وهب ابن الوزداد حياته كلها للوطن وعاش في سبيل إنجاح العمل الثوري. كان موظفًا بارزًا (٩٧)، عندما انخرط في النظام السري لحزب الشعب الجزائري ثم ترك كل شيء ليصبح واحدًا من المحركات الأساسية لحركة مايو الثورية وليتولى، بعدها، مسؤولية إعادة تنظيم الحزب في كامل الشرق الجزائري. وعندما تقرر إنشاء المنظمة الخاصة، أشرف بنفسه على إعداد هيكلتها وتشكيل قيادة أركانها بالتعاون مع بعض أعضاء المكتب السياسي أمثال الدكتور محمد الأمين دباغين الذي نصحه بتجنيد السيد أحمد بن بلة وحسين آيت أحمد الذي اقترح السيد جيلالي بإلحاح.
ومن الوهلة الأولى، استطاع ابن الوزداد أن يضفي على المنظمة الخاصة طابع السرية والجدية والانضباط، وزودها بقانون داخلي ضمنه جميع الضوابط التي تتحكم في مقومات جيش قوي ومقتدر، بعد ذلك وزع المهام بحيث جاءت قيادة الأركان على النحو التالي:
[ ١ / ١٨٠ ]
ـ[تخطيط]ـ
[ ١ / ١٨١ ]
بالإضافة إلى هذا الرسم، تجدر الإشارة إلى أن كل منطقة تشتمل على عدد من النواحي والناحية مقسمة إلى مجموعة من الفرق، والفرقة إلى عدد من الفروع والفرع إلى عدد من الأفواج وكل فوج مقسم إلى ثلاث مجموعات وتتكون المجموعة من ثلاثة مناضلين وقائدهم والفوج من ثلاث مجموعات وقائدهم.
ويتكون الفرع من ثلاثة أفواج وقائدهم والفرقة من ثلاثة فروع وقائدهم أي من واحد وعشرين ومائة مناضل (٩٨). هذا، وقد عرفت قيادة الأركان ثلاثة تعديلات أساسية بفعل تغيير القائد حيث استمر محمد بن الوزداد إلى غاية مايو سنة ١٩٤٨ عندما اشتد به المرض ووجه إلى فرنسا للتشافي بمصحة هناك. وبقي خليفته، السيد حسين آيت أحمد، على رأس المنظمة إلى غاية سبتمبر سنة ١٩٤٩ أما السيد بن بلة، فإنه ظل قائدًا للأركان إلى أن ألقي عليه القبض في شهر مارس سنة ١٩٥٠ (٩٩).
ولكي يصبح المناضل عضوًا بالمنظمة الخاصة يجب أن ينجح في اجتياز مجموعة من الامتحانات تتعلق بخبرة تكوينه السياسي وشجاعته ومدى استعداده للتضحية في سبيل الله وبسلوكه اليومي وعلاقاته الاجتماعية، وبعد أن يظهر تفوقًا في تلك الامتحانات، يستدعي لتأدية اليمين وتبدأ معه عملية التكوين الميداني مع التركيز على الجانب العسكري.
إن السيد محمد حربي يركز على كون قيادة حزب الشعب الجزائري لم تزود المنظمة الخاصة بالإمكانيات المالية الكافية، ويذكر بهذا الصدد أن ميزانية التسيير حددت في ذلك الوقت المالية بمئة ألف فرنك شهريًا وظلت كذلك إلى غاية شهر ديسمبر سنة ١٩٤٨". (١٠٠) وسار في هذا الاتجاه كل من كتب في الموضوع للتدليل على أن وجود المنظمة الخاصة، سنة ١٩٤٧، لم يكن سوى صوري. لكن النتائج الملموسة التي تميزت بها تلك السنة تفند كل هذه المزاعم، وتدل، بالعكس، على أن السيد محمد بن الوزداد، زيادة على هيكلة التنظيم وتزويده بالنصوص الأساسية، قد جلب للمنظمة كميات كبيرة، نسبيًا، من الأسلحة والذخيرة بجميع أنواعها. وكانت الدفعة الأولى المكونة من ثلاثمائة قطعة سلاح اشتريت من ليبيا قد وصلت إلى وادي سوف بمبلغ إجمالي قيمته مليونا فرنك أي ما يعادل عشرين مرة الميزانية الشهرية التي ذكرها السيد محمد حربي. فميزانية التسيير، إذن، لا علاقة لها بميزانية التجهيز التي يمكن اتخاذها
[ ١ / ١٨٢ ]
معيارًا للتدليل على إمكانيات المنظمة الخاصة المالية. وبديهي أن طابع السرية يحول دون الاطلاع على حقيقة تلك الميزانية.
ومهما يكن من أمر، بالرجوع إلى ما كتبه المعاصرون والمسؤولون في أعلى هرم المنظمة الخاصة، فإن جل الأسلحة التي استعملت ليلة أول نوفمبر ١٩٥٤ قد اشتريت سواء من ليبيا أو من الجزائر سنة ١٩٤٧ وكذلك الشأن بالنسبة للتجهيزات الأولية التي كانت منطلقًا لصناعة المتفجرات.
وعندما تولى السيد حسين آيت أحمد قيادة المنظمة لم يغير شيئًا مما وقع الاتفاق عليه، بل اكتفى بتطويره وإثرائه دون أن يحدث أي انقلاب في مجال التركيبة البشرية. وانطلاقًا مما هو موجود أعد تقريره المطول الذي قدمه في زدين والذي سبقت الإشارة إليه. وبالموازاة مع تحضير التقرير الذي كان موجهًا فقط لأعضاء القيادة السياسية، ودائمًا بالتعاون مع مساعديه في قيادة الأركان، وتتمة للتربص الذي أشرف عليه محمد بن الوزداد نفسه، فإن آيت أحمد قد أنجز نشرة خاصة بالتدريب العسكري تشتمل على اثني عشر درسًا في كيفية استعمال الأسلحة وخوض حرب العصابات وإعداد الكمائن إلى غير ذلك من فنون الحرب التي يحتاج إليها المناضل في مرحلة الكفاح المسلح. وأعدت قيادة الأركان، كذلك نشرة محدودة التوزيع للتكوين السياسي والإيديولوجي.
وفي عهد السيد آيت أحمد، حرصت قيادة الأركان على ألا يكون التدريب نظريًا فحسب، بل ضبطت مجموعة من العمليات التي تكلف بإنجازها عدد من عناصر المنظمة الخاصة. ومما لا شك فيه أن أهم تلك العمليات هي: الهجوم على بريد وهران (١٠١) والقضاء على أفراد من ميليشيا الباشاغا آيت علي (١٠٢)، وإسناد الثائرين في جبال جرجرة وايدوغ والأوراس (١٠٣)، ونسف تمثال الأمير عبد القادر في كاشرو (١٠٤).
كل هذه العمليات نجحت بدرجات متفاوتة، واتخذت منها قيادة الأركان تجارب يمكن توظيف نتائجها في التخطيط لعمليات المستقبل، لكن ما يسمى بالأزمة البربرية أثرت، سلبيًا، على مسار المنظمة الخاصة إذ حرمتها من خدمة عدد من إطاراتها القيادية الذين يأتي السيد حسين آيت أحمد في مقدمتهم.
وإذا كانت تحركات المنظمة الخاصة إلى غاية انتهاء سنة ١٩٤٩ تنم، في معظمها، على أن الاستعداد للثورة التحريرية تجري على أحسن ما يرام، ولم تتسبب للحزب في مشاكل تذكر، فإن عملية تبسة التي أمرت بها قيادة الأركان ليلة التاسع عشر مارس سنة ١٩٥٠ قصد إلقاء القبض على المناضل عبد القادر
[ ١ / ١٨٣ ]
خياري المدعو "رحيم" (١٠٥) للتحقيق معه في التهمة الموجهة إليه والقائلة إنه عميل لمصالح الأمن الاستعمارية قد أدت إلى اكتشاف التنظيم السري ومكنت الشرطة الفرنسية من القبض على حوالي خمسمائة من أعضاء المنظمة الخاصة (١٠٦) بما في ذلك قائد الأركان السيد أحمد بن بلة وبعض مساعديه أمثال جيلالي بلحاج وجيلالي رقيمي وحموبوتليليس وأحمد محساس وأمحمد يوسفي.
إن ما يسمى بالأزمة البربرية هي التي، بطريقة أو بأخرى، أضعفت المنظمة الخاصة وحولتها، بالتدريج، من تنظيم صلب اقترب جدًا من الكمال الذي يمكنه من إشعال فتيل الثورة إلى كيان هش ينخر السوس أصوله؛ وعلى هذا الأساس نستطيع القول إن الإدارة الاستعمارية التي خططت لتشتيت وحدة الشعب الجزائري قد نجحت إلى أبعد الحدود، إذ لم تكتفِ بتوجيه ضربات قاضية لصفوف حزب الشعب الجزائري ولكنها تمكنت من تحقيق ما هو أخطر، أي زرع بذور الكراهية والحقد بين أبناء شعب واحد ليس له سوى وحدته للخروج من دائرة التخلف وليحتل المكانة اللائقة به في مصاف الشعوب الحرة والمتقدمة.
هكذا، إذن، عاشت المنظمة الخاصة ثلاث سنوات كاملة استطاعت قيادة الأركان في العامين الأول والثاني أن ترسي قواعد آلة حربية قوية قادرة على نقل النضال الوطني إلى مرحلة العنف الثوري، لكن ذلك لم يحدث ليس لأن الظروف الخارجية لم تكن مواتية كما جاء في كتاب السيد ابن يوسف بن خدة (١٠٧) الذي لم يأخذ في الاعتبار أوضاع فرنسا التي لم تكن، هي أيضًا، في نفس القوة التي أصبحت عليها سنة ١٩٥٤، وإنما لأن الإدارة الاستعمارية تمكنت، بشتى الوسائل، من خرق القيادة السياسية لحزب الشعب الجزائري ودس بعض العناصر المترددة فيها، ولأنها، من جهة أخرى، أحكمت التخطيط لما يسمى بالأزمة البربرية التي كان تفجيرها إيذانًا بالشروع في تفجير الحزب.
التصدي لمحاولات التفجير:
بعد فشل عملية تبسة، تمكنت الإدارة الاستعمارية من العثور على الأدلة والبراهين المادية التي تثبت وجود تنظيم عسكري تابع لحزب الشعب الجزائري، وبواسطة شتى أنواع التعذيب التي تعرض لها المعتقلون الأوائل توصلت مصالح البوليس، بالتدريج وفي ظرف شهرين فقط، إلى نتائج فاقت كل
[ ١ / ١٨٤ ]
التوقعات وقادت، بالفعل، إلى شل المنظمة الخاصة واعتقال المئات من إطارتها ومن مناضليها كما أشرنا إلى ذلك.
ولمواجهة كل تلك المستجدات وحماية صفوف الحزب من أن تنتقل إليها
حملة الاعتقالات قرر المكتب السياسي التحرك على جبهتين. فمن جهة نظم حملة إعلامية لاتهام السلطات الاستعمارية بأنها تحيك خيوط مؤامرة دنيئة من أجل التنكيل بمناضلي الحركة الوطنية، وتدعيمًا لصحافة الحزب، وقع تجنيد سائر منتخبي الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية الذين وظفوا كل المنابر الرسمية للتنديد بالاعتقالات وبعمليات التعذيب. إن هذه الجبهة قد حققت انتصارًا ملموسًا إذ تمكنت من أن تعبئ عددًا من الصحف والشخصيات الأوربية التقدمية بالإضافة إلى التشكيلات السياسية الجزائرية التي شاركت بفعالية في التصدي للإجراءات البوليسية التي اتخذتها الإدارةالاستعمارية (١٠٨).
أما الجبهة الثانية التي تحرك عليها المكتب السياسي فتتعلق بالعمل في اتجاه المعتقلين قصد إقناعهم بالتراجع عن تصريحاتهم الأولى وعدم الاعتراف بوجود المنظمة الخاصة. ولقد وجد الحزب صعوبة كبيرة في تمرير هذه الأوامر، لأن عددًا من إطارات المنظمة الخاصة كانوا يرون فيها محاولة من القيادة السياسية للتخلص منهم حتى يخلو لها الجو فتركن إلى الراحة في إطار لعبة المشاركة في الانتخابات. وفي شهر مايو قرر المكتب السياسي حل المنظمة الخاصة على أن يعاد تشكيلها بعد أن تهدأ الأوضاع.
وفي خضم تلك النشاطات السياسية المكثفة تبلور تفسير جديد للأسباب التي قادت إلى تفكيك المنظمة الخاصة بتلك السرعة وتلك السهولة. صاحب هذا التفسير هو السيد حسين لحول الذي نبه قيادة الأركان موجهًا أصابع الاتهام إلى جيلالي بالحاج عبد القادر الذي ألقي عليه القبض في مستهل شهر مارس ثم أطلق سراحه، وأكد لها ضرورة الاحتياط مما يكون قد أدلى به لصالح البوليس الفرنسي. إن مثل هذه المعلومة تخفف من مسؤولية المجموعة التي أنجزت عملية تبسة، لأن جيلالي بالحاج كان مسؤولًا وطنيًا والمعلومات التي بحوزته تشمل كافة أنحاء الوطن، ونحن نعرف أن الاعتقالات مست سائر أنحاء البلاد، وأن السيد جيلالي، بعد خروجه من السجن، اعتزل النشاط السياسي، وفي أثناء الثورة تحول إلى عميل للاستعمار وأسس جيشًا لمحاربة جبهة التحرير الوطني لكن الولاية الرابعة استطاعت أن تخرق صفوفه وأن تؤلب عليه أنصاره الذين تمكنوا منه وقتلوه في نواحي الشلف سنة ١٩٥٨.
[ ١ / ١٨٥ ]
على الرغم من الانتصارات التي حققها المكتب السياسي على الجبهتين المشار إليهما أعلاه، فإن حزب الشعب الجزائري قد تعرض لكثير من الهزات التي أربكت صفوفه وأضعفت مكانته بسبب اكتشاف المنظمة الخاصة، وكانت أكثر الهزات تأثيرًا على مسار الحزب ومستقبله ما يلي:
أ - الامتثال للقضاء الاستعماري: فاكتشاف المنظمة الخاصة وما تبع ذلك من اعتقالات وتعذيب قاد بالضرورة إلى حصول قوات البوليس الفرنسي على معلومات ضافية بشأن العمليات التي أنجزت خلال الأشهر السابقة، ومن جملة ما أكدته تلك المعلومات مشاركة النائب البرلماني السيد محمد خيضر في عملية بريد وهران وهو ما جعل الإدارة الاستعمارية تطالب بتجريده من الحصانة البرلمانية. وبينما كانت الإجراءات في حيز التنفيذ وقع خلاف داخل القيادة السياسية لحزب الشعب الجزائري حول معقولية أو لا معقولية الاستجابة للاستدعاء الذي يوجهه القضاء الاستعماري لكادر قيادي. أما المكتب السياسي فلم يكن يرى مانعًا من أن يمثل السيد محمد خيضر أمام القضاء إذا رفعت عنه الحصانة البرلمانية. لكن السيد الحاج مصالي عارض الرأي لما فيه من اعتراف بالسيادة الفرنسية ودعا إلى دورة طارئة للجنة المركزية في سبتمبر ١٩٥٠ فوافقته بالأغلبية الساحقة. غير أن المكتب السياسي ومباشرة بعد اجتماع اللجنة المركزية، تجاوز قرار القيادة العليا وطلب من السيد محمد خيضر البحث عن الأعذار والحجج، الأمر الذي أثار غضب بعض أعضاء اللجنة المركزية الذين أستأذنوا رئيس الحزب وتولوا تسفير المعني إلى القاهرة حيث سيتولى تمثيل حزب الشعب الجزائري في المشرق العربي.
ب - سراب التحالف الانتخابي:
لقد كان اكتشاف المنظمة الخاصة وما تبع ذلك من اعتقالات سببًا كافيًا ليعود دعاة الشرعية في قيادة حزب الشعب الجزائري إلى المطالبة بضرورة التخلي عن كل أنواع العنف. ويعتبر مثل هذه الموقف تنكرا صارخًا لبرنامج الحزب ودعوة صريحة لممارسة سياسة الإصلاح على حساب التوجه الثوري الذي بدأ مع تأسيس نجم شمال إفريقيا، وكان الحاج مصالي بالمرصاد لأصحاب تلك الفكرة واستطاع أن يجر معه أغلبية أعضاء اللجنة المركزية، لكن الصراع ظل قائمًا واتخذ منعرجًا خطيرًا مع بداية سنة ١٩٥١، خاصة عندما تحركت في هذا الاتجاه بالذات جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري. فهاتان التشكيلتان الوطنيتان قد تدخلتا
[ ١ / ١٨٦ ]
بقوة لإقناع الثوريين من قيادة حزب الشعب الجزائري على مراجعة سياستهم قصد المشاركة في تكوين تحالف انتخابي (١٠٩).
ولتحقيق التحالف المذكور اشترط ممثلو التشكيلتين المذكورتين على الحاج مصالي "أن يضع حدًا لثوريته كي يتحول إلى رجل سياسي" (١١٠). وأن تلتزم الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية بإدانة كل عمل ثوري وإرهابي وقع أو قد يقع والتخلي عن أي مسعى في اتجاه الأمم المتحدة والجامعة العربية وبقطع جميع العلاقات مع حزبي الدستور الجديد والاستقلال بالإضافة إلى الإعلان عن حل حزب الشعب الجزائري.
إن هذه الشروط التي رفضها الحاج مصالي بلا تردد وبدون أدنى مناقشة، قد وجدت قبولًا وتأييدًا لدى مجموعة من أعضاء اللجنة المركزية (١١١).يقودها عضو المكتب السياسي السيد: شوقي مصطفاي الذي يذكر السيد أحمد بودة أن رئيس الحزب استدعاه وذكره بمقررات المؤتمر ثم قال له: "إن رفاقنا يحاكمون لقيامهم بأعمال ثورية، ألاتدرك أننا ندينهم ونتخلى عنهم بالاستجابة لشروط جماعتك." (١١٢). وأمام هذا الموقف الصارم قرر مصطفاي ومن معه الخروج من الحزب، وكان ذلك إيذانًا ببدء الصراع في داخل اللجنة المركزية على أساس إيديولوجي وبمرور الوقت وبالتدريج سيصبح واحدًا من الأسباب التي تقود الحزب إلى الانفجار. أما النتيجة المباشرة فكانت حل اللجنة المركزية وتعيين مجموعة من الإطارات القيادية ترعى نشاط الحزب وتعد تشكيلة اللجنة المركزية الجديدة (١١٣) التي نصبت في شهر أغسطس آب سنة ١٩٥١.
وبعد التجديد، ظن الحاج مصالي أنه حيد خصوم التوجه الثوري واطمأن على مصير الحزب فتوجه إلى فرنسا يتفقد القواعد النضالية ويجدد الاتصال بالمهاجرين الجزائريين، ومن هناك أخذ طريق المشرق العربي بحثًا عن المساعدات المالية التي تمكن من التعجيل بإشعال فتيل الثورة. وعكس ما يدعيه السيد محمد حربي (١١٤)، فإن زيارة البلدان العربية قد حققت عددًا من النتائج الإيجابية جعلت رئيس الحزب يستدعي السيد حسين آيت أحمد بمجرد عودته إلى باريس ويطلب منه إعداد مخطط لإعادة تنظيم المنظمة الخاصة، وفي نفس الوقت، ودائمًا من باريس، اتصل بالسيد ابن يوسف بن خدة وأمره بانتقاء مجموعة من المناضلين قصد إرسالهم إلى القاهرة يتكونون عسكريًا (١١٥)، لقد كان من المفروض أن يزور الحاج مصالي كل الأقطار المستقلة في الوطن العربي لكن الدورة السادسة للأمم المتحدة التي انعقدت في Chantilly من يوم
[ ١ / ١٨٧ ]
٠٦ نوفمبر ١٩٥١ إلى يوم ١٠ فبراير/ شباط فرضت عليه العودة إلى فرنسا ليتمكن من التعريف بالقضية الجزائرية في أوساط الوفود المشاركة في تلك الدورة. لم يكن زعيم حزب الشعب الجزائري يدرك أن غيابه كل تلك المدة قد ترك الفراغ لمناهضي العنف الثوري، يجذرون أفكارهم لدى قسم واسع من أعضاء اللجنة
المركزية الذين أصبحوا، بالفعل، يميلون إلى تحقيق التحالف مع التشكيلات الوطنية الأخرى في إطار النشاط السياسي كما تريده قوانين الجمهورية الفرنسية.
هكذا، وفي غياب الحاج مصالي، تأسست الجبهة الجزائرية للدفاع عن الحرية واحترامها (١١٦) بهدف النضال في سبيل حماية الحريات الديموقراطية وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وإلغاء الإجراءات الاستبدادية بجميع أنواعها. تكونت هذه الجبهة من الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين والحزب الشيوعي الجزائري والحركة من أجل انتصارالحريات الديموقراطية. وكان من الممكن أن تقوم هذه الهيأة بدور أساسي في تحقيق تحالف فعلي بين كل أطراف الحركة الوطنية، لكن الأهداف التي ضبطتها لنفسها كانت كلها نظرية مشوبة بكثير من الغموض، كان ذلك، في نظرنا، طبيعيًا لأن المنطلقات الإيديولوجية كانت متباعدة وأحيانًا متناقضة خاصة بالنسبة لطرفي النقيض: الحزب الشيوعي وحزب الشعب الجزائري ممثلًا في الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية.
وعندما عاد الحاج مصالي إلى أرض الوطن، اجتمعت اللجنة المركزية للحزب في منتصف شهر مارس سنة ١٩٥٢ ولدى تقييمها للنتائج التي حققتها الجبهة الجزائرية وافقت، بأغلبية ساحقة، على أن التحالف الذي لا يهدف إلى استرجاع السيادة الوطنية لا مآل له سوى الفشل وحددت أيام (١٢ - ١٣) ولا (١٤ يوليو/تموز ١٩٥٢)، لانعقاد المؤتمر الرابع لحزب الشعب الجزائري من أجل تقييم المراحل المقطوعة وإثراء برنامج الحزب على ضوء المتغيرات الجديدة ووضع الاستراتيجية الضرورية والملائمة لإنجاز المرحلة الجديدة.
إن السيد ابن يوسف بن خدة الذي كان أمينًا عامًا للحزب رأى أن الحاج مصالي، "بدلًا من مشاركة اللجان المختصة التي عينتها اللجنة المركزية لإعداد مشاريع النصوص التي تقدم للمؤتمر، وعوضًا عن الاهتمام بالمشاكل التي يعاني منها الحزب في المجالين المادي والبشري، فإنه قرر القيام بجولة عبر مختلف أنحاء البلاد رغم كل ماكان يمكنه أن ينجر عن ذلك من إجراءات
[ ١ / ١٨٨ ]
العسف الإدارية. لكن الحاج مصالي الذي كان يدرك ما للاتصال المباشر بالجماهير الشعبية من بالغ التأثير على التعبئة والتجنيد، فإنه تجاوز رغبة أعضاء المكتب السياسي وشرع منذ الخامس عشر /أفريل/ نيسان سنة ١٩٥٢ في زيارة الشرق الجزائري محدثًا بذلك وضعًا نضاليًا جديدًا جعل عامل عمالة قسنطينة يتخذ قرارًا بطرده بعد أسبوع واحد فقط من بدء الجولة، ولم يبق في بوزريعة طويلًا حتى أخذ طريق الغرب الجزائري عبر الصومعة والبليدة وقصر الشلالة ومليانة والشلف التي وصلها يوم ١٤ مايو سنة ١٩٥٢ وعلى الرغم من أنه في كل محطة كان يحرض الجماهير على الاستعداد لخوض معركة التحرير، فإن الإدارة الاستعمارية قد اختارت المحطة الأخيرة لاختطافه ونفيه إلى فرنسا حيث وضع في الإقامة الجبرية بمدينة نيورت Niort وقد كانت مدينة الشلف هي آخر بقعة في الجزائر تدوسها أقدامه لأنه سيظل منفيًا وممنوعًا من العودة إلى أهله وذويه إلى أن وافته المنية سنة ١٩٧٤.