هكذا، إذن، يتضح من خلال هذا الفصل أن جبهة التحرير الوطني حاولت بالتوجيهات الرئيسية الواردة في مشروع المجتمع الذي تضمنته وثيقة وادي الصومام، وعلى الرغم من الصعوبات التي ظهرت في الميدان بالنسبة لجناحيها السياسي والعسكري، وعلى الرغم من أن فرنسا ألقت بكل ثقلها المادي والبشري في ميدان المعركة، فإن الثورة قد تجذرت في أوساط الجماهير الشعبية التي اطمأنت للتنظيم المحكم وللانتصارات الكثيرة والمتنوعة التي اطمأنت لم يعد قادرًا على إخفائها.
وأمام ذلك الوضع الجديد، ونظرًا لقرار وادي الصومام المتعلق بإمكانية إسناد المناصب القيادية العليا إلى الإطارات القادمة من التشكيلات السياسية التي لم تكن تؤمن بضرورة انتهاج الكفاح المسلح كطريقة وحيدة لاسترجاع السيادة المغتصبة ونظرًا، كذلك، للتكوين العالي والخبرة الواسعة التي كان يتمتع بها هؤلاء الإطارات بالمقارنة مع نظرائهم المكونين في صفوف حركة الانتصار للحريات الديمقراطية، فإن نوعًا من الانحراف قد بدأ يتسرب إلى المنطلقات الأيديولوجية نفسها (٢)، وساعد على ذلك ظهور التنافس على المسؤولية في أعلى
_________________
(١) تجلت هذه المواقف خاصة في نشاط الصليب الأحمر العالمي والحركات النقابية، وأهم ما تجدر الإشارة إليه نداء اتحادية نقابة العمال.
(٢) مثل التخلي بالتدريج، عن الإطار الإسلامي والعروبي الذي كان حزب الشعب الجزائري قد ضبطه وظل ملتزمًا به لبناء الدولة الجزائرية المستقلة، ومثل اللجوء إلى بعض المصطلحات والمفاهيم المركزية التي سوف نتعرض لها بالتفصيل في الباب التالي، ومثل عدم السهر على تكوين إطارات جبهة وجيش وطني طبقًا لما تقتضيه أيديولوجية الحركة المصالية التي سبقت الإشارة إليها في الفصل الثالث.
[ ٢ / ١١٩ ]
هرم السلطة بالإضافة إلى تمكن الثقافة الغربية من ذهنيات عدد كبير من المسؤوليين القياديين في جبهة التحرير الوطني في الخارج لأن الداخل سيظل سليم التوجه بفعل تأثير القواعد التي لا يمكن أن ترضى بأي بديل عن عروبتها وإسلامها.
وبالفعل، فإن أدبيات جبهة التحرير الوطني التي كانت تنشر على أعمدة لسانها المركزي أو في شكل منشورات وكتيبات قد تتلون بألوان مختلفة وتجندت جهتان على الأقل للتأثير في أيديولوجية الثورة الجزائرية، فمن ناحية، هناك ما يسمى بالتيار التحرري في فرنسا، فأصحاب هذا التيار هم الذين أطلقوا على أنفسهم هذه التسمية لإيهام الوطنيين الجزائريين والرأي العام العالمي بأن ثمة، في صفوف الشعب الفرنسي، من يرفض الاستعمار ويناهض ممارساته اللاإنسانية ولذلك فهم يساندون الكفاح الذي يخوضه الشعب الجزائري في سبيل استرجاع استقلاله الوطني، وفي الواقع فإنهم إنما يخططون لمستقبل بلادهم بواسطة العمل بجميع الوسائل على احتواء العناصر الأكثر تأثيرًا في قيادات الثورة وجعلهم ينبهرون أمام شعارات جوفاء مثل الديمقراطية واللائكية والمبادئ الجمهورية وحقوق الإنسان وغيرها مما هو مستنبط من التاريخ الأوربي ولا علاقة له بالمجتمع العربي الإسلامي في الجزائر.
أما الجهة الثانية فتتمثل في المعسكر الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفياتي الذي أدرك أن الحزب الشيوعي الجزائري قد أخفق في أن يجد لنفسه مكانة محترمة في قيادة الثورة فراح يجند الديمقراطيات الشعبية التي تدور في فلكه لمواجهة التوسع الرأسمالي في المنطقة.
لقد كان من المفروض، في نظر الاتحاد السوفياتي، أن يكون الحزب الشيوعي الجزائري هو قائد الثورة أو، على الأقل، هو طليعتها التي بيدها التخطيط والتوجيه. لكن الحزب الشيوعي الجزائري عجز عن الإلتحام بالجماهير الشعبية وربح ثقتها وذلك بسبب الفكر الماركسي الذي ينطلق منه والذي يتنافى، في كثير من المواطن، مع الدين الإسلامي الذي هو دين الشعب الجزائري من جهة، وبسبب تبعية الشيوعيين الجزائريين للحزب الشيوعي الفرنسي الذي ينكر وجود الأمة الجزائرية بمفهومها الوطني ويرفض، عن قناعة، استقلال الجزائر عن الإمبراطورية الفرنسية (١).
_________________
(١) thorez (Maurice) textes choisis sur l،algerie، paris
[ ٢ / ١٢٠ ]
لأن تحرك هذين التيارين من أجل النفاذ بقوة في أوساط الثورة الجزائرية بالخارج قد ولد بالتدريج مجموعة من المصطلحات والمفاهيم الغربية التي سوف تكون منطلقًا لكثير من الغموض الذي سيجعل الانحراف يبلغ أوجه في مؤتمر طرابلس سنة اثنين وستين وتسعمائة وألف. ومن جملة تلك المصطلحات والمفاهيم التي انتشرت بسرعة كبيرة كان لها مفعول سيئ على مسار الثورة نذكر على سبيل المثال: الباءات الثلاثة، العسكريون، المحافظون، المعتدلون، التقدميون، المتشددون الرجعيون العرب والقبائل (١).
ومما لا شك فيه أن تداول هذه المصطلحات وهذه المفاهيم المزيفة في وسائل الإعلام الفرنسية والغربية بصفة عامة قد رسخها في الأذهان وجعلها، شيئًا فشيئًا، تتحول إلى نوع من المعتقدات التي نخرت جسم الثورة وساعدت على تشتيت قواها الحقيقية بالإضافة إلى فتح أبواب واسعة أمام جحافل المخترقين من الأعداء والانتهازيين. لكن أول خطوة في طريق الانحراف الأيديولوجي القاتل تبقى هي إلغاء مبدأ العمل الجماعي من طرف أقوى عناصر لجنة التنسيق والتنفيذ عندما قرروا ثم نفذوا إعدام رفيقهم الشهيد عبان رمضان دون محاكمة وسبب معلوم وخاصة دون الرجوع إلى المجلس الوطني للثورة الجزائرية الذي هو وحده مؤهل للنظر في مثل هذه القضية. ولم تبق هذه الخطوة يتيمة بل تكررت بالنسبة لقرارين حاسمين في تاريخ الكفاح المسلح وهما: نقل الحرب إلى فرنسا وتأسيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية (٢).
إن الأمر هنا، لا يتعلق بتقييم القرارين في حدهما إيجابيان ومفيدان للثورة ما في ذلك شك، وقد أثبت التاريخ ذلك، ولكن الطريقة المستعملة في اتخاذهما تشكل انتهاكًا صارخًا لصلاحيات المجلس الوطني للثورة الجزائرية، وسوف
_________________
(١) هناك نصان على الأقل يوضحان الموقف الشيوعي من جبهة التحرير الوطني ومن استرجاع الجزائر استقلالها. ففي الأول موريس توريز: إن الوسائل التي تستعملها جبهة التحرير الوطني في فرنسا لا تخدم قضية الشعب الجزائري، وإذا كانت جبهة التحرير الوطني تهدف إلى تثوير الرأي العام، فإنها قد أخطأت في الحساب لأنها إنما تثير العداوة ضدها"، توزير إلى الشيوعيين وأنصارهم ليقولوا "لا" للسؤال المطروح بواسطة استفتاء يوم ٨/ ١/١٩٦١ والذي يقول: "هل توافقون على مشروع القانون المتعلق بتقرير الشعب الجزائري لمصيره: انظر كذلك اليتسر هورن تاريخ حرب الجزائر، ص. ٣٣٣ وص.٤٥٠.
(٢) لقد سبقت الإشارة إلى هذه المصطلحات والمفاهيم الزائفة في هذا الفصل.
(٣) اتخذ هذان القرارن أثناء اجتماع لجنة التنسيق والتنفيذ بتاريخ ٩/ ٩/١٩٥٨.
[ ٢ / ١٢١ ]
تتحول بالتدريج إلى قاعدة يلجأ إليها الأقوى كلما أراد الانفراد بالسلطة. وعندما نرجع الأمور إلى حقيقتها نقول بكل بساطة، إن الذين استعملوا هذه الطريقة أول مرة (١) هم الذين فتحوا باب الانقلابات العسكرية في تاريخ الثورة الجزائرية وقد كانوا هم أنفسهم ضحية لها سنة اثنين وستين وتسعمائة وألف ..
•••
_________________
(١) هم الباءات الثلاث أو: ابن طبال لخضر المدعو سي عبد الله، بلقاسم كريم وعبد الحفيظ بو الصوف.
[ ٢ / ١٢٢ ]