أمام إلحاح جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ورغبة من الحاكم العام في إضفاء طابع الشرعية على سيطرة الإدارة الاستعمارية على الدين الإسلامي، بواسطة من وصفهم أوغستين بارك مدير الشؤون الأهلية" موظفين دينيين يسيطر عليهم الجهل المركب والطمع وعدم التهذيب ولا حد لرغباتهم في أن يحمدوا بما لم يفعلوا فعدم الكفاءة والمبالغة في الخضوع والانقياد هي الشهادات الوحيدة التي يمكن لهم أن يعتزوا بها" (٢٦)، أحيلت مسألة فصل الدين عن الحكومة أمام الجمعية الجزائرية في تشكيلتها الجديدة التي أسفرت عنها انتخابات ١/ ٠٦/١٩٥١.
ولقد توجهت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلىعضاء الجمعية الجزائرية تحذرهم من أن يكونوا وسيلة في يد الحاكمية العامة التي تريد أن يكون رفض الفصل صادرًا عن المنتخبين المسلمين أنفسهم. وعلى الرغم من أن الشيخ البشير الإبراهيمي لم يكن يعترف لأولئك المنتخبين بحقهم في تمثيل الشعب الجزائري بسبب ما كانت تمتاز به الانتخابات من تزييف وتزوير، فإن النداء الموجه إليهم قد كان صريحًا وواضحًا، جاء في ختامه"إن أقوامًا قبلكم وصلوا إلى ما وصلتم إليه، وارتقوا على أكتاف الأمة إلى كراسي النيابة ولكنهم خانوا العهد وأضاعوا الحقوق، فسجل عليهم التاريخ خزي الأبد. فحذار، حذار أن تكونوا مثلهم (٢٧).
ولتذكيرهم بالطريقة التي وصلوا بها إلى ما وصلوا إليه، جاء في النداء: "إن من المناظر التي تثير العبر وتسيل العبرات في هذه الانتخابات أنكم كنتم ترون كما يرى الناس صندوقين للانتخاب في قرية واحدة أو شارع واحد يدخل
[ ١ / ٢١١ ]
الأوربي إلى أحدهما منشرح الصدر، باسم الثغر، حرّ التصرف مطلق الإدارة والاختيار، فيعطي ورقته لمن يشاء، معتقدًا أنه أدّى شهادة خالصة للحق لم يراع فيها إلا مصلحة جنسه ورضى ضميره ويدخل العربي إلى الآخر خائفًا وجلا منزعجًا،
مسلوب الإرادة والحرية، لا يرى حوله إلا إرهابًا وسلاحًا وألسنة تتوعد، وأيديا تتهدد وأعينا ترمي بالشرر، فيعطي ورقته لمن يراد منه لا لمن يريد .. إن من يرى هذا المنظر لا يعجب إذا رأى بعد ذلك أن الفائزين في الصندوق الأول نواب وإن اختلفوا في المبادئ، وأن الفائزين في الصندوق الثاني نوائب وإن سموا أنفسهم مستقلين" (٢٨).
لكن الأعضاء المسلمين في الجمعية الجزائرية لم يكونوا مؤهلين للنظر في المسألة بغير المنظار الذي يريده الاستعمار، وبالإضافة إلى ذلك، فإن وجود الجمعية الجزائرية نفسه يتناقض مع فصل الدين عن الحكومة لأنه مؤسس على ضرورة تأبيد الواقع الاستعماري. لأجل ذلك، وعلى الرغم من نداء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ومن المقالات المنشورة على أعمدة المنار بأقلام مختلفة المشارب السياسية والمنطلقات الإيديولوجية، والداعية جميعها إلى وجوب تحرير الدين الإسلامي وتمكينه من استرجاع أوقافه ومساجده، فإن لجنة الديانة قد لجأت إلى المماطلة زاعمة على لسان رئيسها أن "التريث فيه مصلحة للقضية". (٢٩).
ومرت الدورة العادية ودار لقمان على حالها. وكتب الشيخ العربي التبسي بصفته النائب الأول لرئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين على أعمدة المنار في عددها الثالث عشر الصادر بتاريخ ١٢/ ١٢/١٩٥٢، لو كان هؤلاء السادة من علماء الفقه الإسلامي لأسمعونا حكم الله في تأخير هذه المسألة وفي العبادات المعطلة انتظارًا لهذا الفصل، ولأسمعونا، أيضًا، حكم الله في الصلوات التي تؤدى في هذه المساجد قبل الفصل إن هذا التأخير اعتداء صريح متعمد على الشريعة الإسلامية وعلى معابدها".
وإلى جانب كل هذا النشاط السياسي، فإن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لم تتوقف عن أعمالها التربوية، بل ماكاد يطلق سراح الشيخ محمد البشير الإبراهيمي على إثر العفو الشامل، بتاريخ ١٦/ ٠٣/١٩٤٦،حتى عادت المدارس التي كانت معطلة بقرار حكومي ونشطت النوادي وعمرت المساجد ومن جديد بعثت جريدة البصائر التي كان تعطيلها مع بداية الحرب بأمر من الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس نفسه.
[ ١ / ٢١٢ ]
وفي ظرف خمس سنوات فقط ارتفع عدد المدارس الابتدائية إلى حوالي أربعمائة يجلس على مقاعدها مايزيد عن مائة ألف تلميذ وتلميذة وهوعدد قياسي بالنسبة لإمكانيات الجمعية ونظرًا لمضايقات الإدارة الاستعمارية.
وفي سنة ١٩٥٢ كلفت جمعيةالعلماء المسلمين الجزائريين رئيسها الشيخ
محمد البشير الإبراهيمي السفر إلى المشرق يلتمس من الحكومات العربية منحا لبعثات الطلبة الجزائريين وإعانات مالية لتمكين الجمعية من مضاعفة نشاطها خاصة في مجالي التعليم والإصلاح الديني. وفي هذا السياق تجدر الإشارةإلىن الشيخ الإبراهيمي نفسه قد تحدث عن هذه المهمة أمام أعضاء ندوة الأصفياء (٣٠) ولخصها على النحو التالي:
أ - تمكين جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من إضافة مائة وخمسين مدرسة ابتدائية على الأقل كل خمس سنوات حتى يصل العدد إلى ألف كاملة.
ب - بناء ثلاثة معاهد ثانوية للذكور واثنان للبنات كل خمس سنوات حتى تغطي الحاجة إلى استقبال خريجي المدارس الابتدائية.
ج - معهدان كبيران على الأقل للمعلمين وواحد للمعلمات حتى تسد حاجة المدارس الابتدائية جميعها.