هناك من يطلق على هذه التشكيلة السياسية تسمية: حركة انتصار الحريات الديموقراطية (٢٢)، وهناك من يسميها: حركة الانتصار للحريات الديموقراطية (٢٣) ونحن نعتقد، بعد التأمل في أصل التسمية الفرنسي، أن الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية هي أفضل ترجمة لعبارة: Mouvement pour le triomphe des libertés démocratiques التي تضمنها الملف الإداري الذي قدمه السيد الحاج مصالي لإضفاء طابع الشرعية على نشاطه السياسي وليتمكن، باسم حزب الشعب الجزائري، من المشاركة في الانتخابات التشريعية الفرنسية الثانية التي كان قد تقرر إجراؤها يوم ١٠ نوفمبر سنة ١٩٤٦.
[ ١ / ١٥٤ ]
وليس الاختلاف حول التسمية، وحده، هو الذي يستدعي التأمل والتفكير مليًا، بل إن المؤرخين لم يتمكنوا، حتى الآن، من الفصل نهائيًا، فيما إذا كان يمكن التعامل مع تلك التشكيلة السياسية ككيان مستقل جاء بديلًا لحزب الشعب الجزائري الذي حلته الإدارة الاستعمارية، رسميًا، بتاريخ السادس والعشرين من شهر سبتمبر سنة تسع وثلاثين وتسعمائة وألف (٢٤)، أم هل يجب اعتبار الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية مجرد تسمية يلجأ إليها الحزب، فقط، لإضفاء طابع الشرعية على جزء مما يقوم به من نشاط يومي على مختلف الأصعدة وفي جميع الميادين.
وفيما يخصنا، فإننا نرجح الافتراض الثاني، ونعتقد أن الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية لا يمكن التأريخ لها في معزل عن حزب الشعب الجزائري الذي لم يختف مثل نجم شمال إفريقيا الذي غادر الساحة السياسية نهائيًا، يوم ١١ مارس سنة ١٩٣٧.
فالحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية، إذن، وكما سبقت الإشارة إلى ذلك، لم تكن سوى واجهة استعملها حزب الشعب الجزائري لتقديم مرشحية إلى الانتخابات التشريعية الفرنسية ثم أبقاها قناعًا لممارسة النشاط السياسي العلني. وعلى هذا الأساس، فإن اعتبارها حزبًا قائمًا بذاته يكون مغالطة تاريخية. وحتى عندما يقرن ذكرها بحزب الشعب الجزائري، فإن ذلك غير معقول لأننا، عندها نقول كذلك: حزب الشعب الجزائري/ المنظمة الخاصة (OS/PPA) تمامًا مثلما نقول: MTLD/ PPA ومهما يكن من أمر، فإن المشاركة في الانتخابات التشريعية الفرنسية كانت تجربة فاشلة لأن الإدارة الاستعمارية لم تكن مستعدة لتغيير نظرتها الاستعمارية للجزائر التي أدرجتها المادة ستين من دستور ١٣/ ١٠/١٩٤٦ ضمن العمالات الفرنسية فيما وراء البحار. وطبقًا للمادة المذكورة وضعت السلطات الرسمية مشروعًا حكوميًا أول بتاريخ ٢٤ سبتمبر ١٩٤٦ يهدف إلى ضبط القوانين التي تتحكم في تنظيم الجزائر وتسيير شؤونها. لكن المشروع لم يبرح قمطرات وزارة الداخلية بسبب تغيير الحكومة التي وضعته (٢٥) ونظرًا لما أبداه غلاة الكولون من معارضة له رغم كل ما تضمنه من تجذير لفكرة الجزائر الفرنسية. وفي التاسع والعشرين من شهر ماي سنة ١٩٤٧ قام وزير الداخلية بإخراج المشروع من جديد إلى حيز الوجود وسلمه إلى اللجنة الدستورية ليأخذ طريقه الطبيعي من أجل أن يكون قانون الجزائر التنظيمي.
[ ١ / ١٥٥ ]
لم يكن ذلك المشروع الحكومي خطرًا على الوجود الاستعماري في الجزائر، وعلى الرغم من ذلك، فإنه لاقى معارضة شديدة من طرف ممثلي الكولون الذين جندوا لمحاربته كل ما لديهم من إمكانيات. أما ممثلوا حزب الشعب الجزائري، فإنهم رفضوا مناقشته رفضًا مطلقًا لإيمانهم بأن مصير الشعب الجزائري لا يصنعه البرلمان الفرنسي، بل لابد من مجلس تأسيسي جزائري "ينتخب بواسطة الاقتراع العام من طرف كل المواطنين الجزائريين ويكون تعبيرًا صادقًا عن إرادة الشعب الجزائري" (٢٦). فمثل هذا المجلس وحده هو الذي يستطيع وضع دستور تحدد بمقتضاه منطلقات وأسس الدولة الجزائرية.
لقد كان هذا هو موقف الحركة المصالية منذ مستهل الربع الثاني من القرن العشرين، ولم يتغير، في أساسه، حتى عندما كانت قيادة نجم شمال إفريقيا أو حزب الشعب الجزائري، فيما بعد تلجأ تكتيكيًا، إلى مسايرة بعض التشكيلات الوطنية في دعوتها إلى تغليب الحل السياسي في ظل الشرعية الفرنسية. وكان ذلك الموقف مستمدًا من إيمان تلك الحركة بأن الاستعمار لا يفهم سوى لغة العنف وبأنه لا يعطي للمستعمرين (بفتح الميم) إلا ما يؤخذ منه بالقوة.
على الرغم من هذا الموقف الواضح المستمد من تلك القناعة الراسخة، فإن القيادة السياسية لحزب الشعب الجزائري قد وافقت، بالإجماع، على إرسال ممثليها إلى المجلس الوطني الفرنسي حتى تتمكن من إيجاد ظروف جديدة تساعدها على إعادة تنظيم الحزب بشقيه السياسي والعسكري. ولقد استغل نواب الحزب فرصة تواجدهم في البرلمان الفرنسي ليعلنوا من أعلى منبره عن إرادة الشعب الجزائري في استرجاع سيادته وبعث دولته من جديد (٢٦).
لم يكن حزب الشعب الجزائري ينتظر من نشاطه السياسي العلني أن يبلغ حد إقناع غلاة الكولون بالتخلي عن تمسكهم بفكرة الجزائر الفرنسية. فالأوربيون كانوا يؤمنون بأن القوة وحدها هي التي أكسبتهم حق الهيمنة وحق العسف والاستبداد التي استطاع، بالتدريج، أن يهمش جماهير الشعب الجزائري ويجعلها تعيش غريبة في وطنها. ولأنهم كانوا يدركون ذلك جيدًا فإنهم لم يكونوا يترددون في توظيف جميع إمكاناتهم المادية والأدبية من أجل الضغط على الأوساط السياسية الفاعلة في فرنسا حتى يسدوا كل المنافذ في وجه عناصر الحركة الوطنية الجزائرية.
هكذا، وفي الوقت الذي ظهر فيه نشاط الوطنيين الجزائريين داخل البرلمان الفرنسي وفي اتجاه التشكيلات السياسية المختلفة قصد إقناع الرأي
[ ١ / ١٥٦ ]
العام الفرنسي والرأي العام العالمي بضرورة تمكين الشعب الجزائري من انتخاب مجلس تأسيسي يكون منطلقًا لتسوية القضية الجزائرية التي ظلت قائمة منذ الخامس يوليو/ تموز سنة ١٩٣٠، فإن النواب الكولون قد ضاعفوا من التصريحات المشتملة على كل أنواع الترهيب والتهديد، مؤكدين"أن الأقلية الأوربية قد لا تتردد في الاستنجاد بغير الميتروبول إذا وافق المجلس الوطني على منح الجزائر قانونًا تنظيميًا يتنافى مع مصالح الكولون" (٢٧). وفي نفس السياق صرح السيد جاك جوفالي الذي سيكون فيما بعد رئيس بلدية الجزائر العاصمة: "إن أرض الجزائر هي أرضنا، وفيها نحن بين أهلنا .. إنها أرض فرنسية ومهما كان القول أو الفعل أو القرار من أية جهة كانت، فإن الجزائريين الفرنسيين لن يغادروها" (٢٨).
وكان حزب الشعب الجزائري يدرك، بدوره، أن ممثلي الكولون كانوا يسيطرون بالفعل على مصادر القرار في فرنسا، وعليه، وبالموازاة مع نشاطه السياسي في إطار الشرعية الفرنسية، فإنه خصص سنة ١٩٤٧ لإرساء قواعد المنظمة الخاصة والحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية حتى تتمكن كلاهما من تأدية الدور المحدد لهما من طرف المؤتمر.
وبينما كان الرأي العام منشغلًا بمشروع الحكومة الخاص بقانون الجزائر التنظيمي وبالمشاريع المضادة المقدمة من طرف الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري والحزب الاشتراكي الفرنسي والحزب الشيوعي الجزائري وبمعارضة الكولون المتزمتة لكل هذه المشاريع، كان حزب الشعب الجزائري يعمل على ترسيخ قواعده في أوساط الجماهير الشعبية، وقبل أن يصادق المجلس الوطني الفرنسي على قانون الجزائر التنظيمي استطاع أن يعقد أول مجلس وطني للحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية في الفترة ما بين ٤ و٧ سبتمبر ١٩٤٧ (٢٩).
إن بعض المؤرخين، على غرار السيد محفوظ قداش (٣٠)، لم يضعوا ذلك الحدث في إطاره الطبيعي، واعتقدوا أن المجلس الوطني مؤتمر تأسيسي وكتبوا: "أن الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية قد نظمت نفسها كحزب سياسي" معتمدين في ذلك على كون أشغال المجلس قد أسفرت عن تعيين لجنة مديرة (٣١) وتوجت بالمصادقة على مجموعة من اللوائح (٣٢) تمامًا مثلما يقع في المؤتمرات. إن مثل هذا التقييم غير سليم لأن المنطق لا يقبل حزبًا في حزب، ولأن انتخابات اللجنة المديرة المشار إليها لم تلغ المكتب السياسي لحزب
[ ١ / ١٥٧ ]
الشعب الجزائري، بل أن رئيس اللجنة السيد أحمد مزغنة ظل عضوًا بالمكتب السياسي المذكور ومسؤولًا عن التنظيم السياسي العلني تمامًا مثلما كان السيد محمد بن الوزداد عضوًا بنفس المكتب السياسي ومسؤولًا عن المنظمة الخاصة.
وحينما يتوقف الدارس عند اللوائحالمصادق عليها، فإنه يرى، بسهولة، أنها لم تكن سوى انعكاس مبسط للخط السياسي الذي ما فتئ حزب الشعب الجزائري يدعو إلى الالتزام به وللمنطلقات الإيديولوجية التي ظل يعتمدها في وضع سائر برامجه.
فلائحة السياسية العامة ترتكز على كون الإمبريالية الفرنسية التي اعتدت على الأمة الجزائرية لم تتمكن من القضاء على هذه الأخيرة رغم نجاحها في إلغاء الدولة الجزائرية ورغم كل العسف والاستبداد المسلطين على جماهير الشعب الجزائري منذ سنة ١٨٣٠. تعتمد اللائحة أيضًا، على كون الوطن الجزائري لم يستسلم أمام بطش الاستعمار وظل يقاوم بجميع الوسائل من أجل استرجاع الحرية والسيادة والكرامة. لأجل ذلك، فإن الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية مطالبة بالعمل في سبيل أهداف ثلاثة هي:
١ - إلغاء السيطرة الإمبريالية واسترجاع سيادة الشعب الجزائري.
٢ - بعث الدولة الوطنية بكل مقتضيات السيادة ومتطلباتها، أي ممارسة السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية.
٣ - تطبيق مبادئ الديموقراطية وفقًا للشعارات التالية: الكلمة للشعب، المجلس التأسيسي الجزائري المنتخب بواسطة الاقتراع العام والمباشر بواسطة هيأة انتخابية واحدة.
وترى لائحة العلاقات مع التشكيلات السياسية الجزائرية أن الاتحاد أداة حاسمة في الكفاح ضد الإمبريالية وضمان أساسي لانتصار القضية الجزائرية. وعلى هذا الأساس، فإن الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية تلتزم بالترفع فوق كل الاعتبارات، مهما كان نوعها، في سبيل تحقيق الاتحاد الوطني حول الأرضية الأكثر عدلًا والأكثر فائدة للشعب الجزائري، أي حول العمل من أجل مجلس تأسيسي ذي سيادة كاملة.
ومن خلال اللائحة الخاصة بقانون الجزائر التنظيمي، فإن الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية تذكر بأنها كانت قد حاربته في مستوى البرلمان الفرنسي عندما أنكرت على الأخير حق التشريع للشعب الجزائري.
[ ١ / ١٥٨ ]
وبما أن السلطات الاستعمارية لم تأخذ في الاعتبار موقف كل النواب الجزائريين الذين رفضوا مجرد المشاركة في مناقشة القانون المذكور، فإن الحركة قد حددت لمناضليها مجموعة من الأهداف العاجلة في مقدمتها:
أ - تشجيع معاداة الشعب الجزائري للقانون المزعوم الذي صادق عليه المجلس الوطني الفرنسي دون استشارته.
ب - تعبئة الجماهير الشعبية الواسعة ضد سياسة القوة والطغيان التي تمارسها الإمبريالية الفرنسية.
ج - إيجاد اتحاد حقيقي في سبيل المجلس التأسيسي الجزائري.
د - اعتبار محاربة قانون الجزائر التنظيمي مظهرًا أساسيًا من مظاهر الكفاح في سبيل الأمة الجزائرية ومن أجل الديموقراطية.
وتجسيدًا لهذه اللوائح، وجهت قيادة حزب الشعب الجزائري نداء إلى مؤتمر الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري المنعقد بمدينة البليدة في الفترة ما بين ٣ و٥/ ١٠/١٩٤٧ تدعو من خلاله إلى تحقيق "وحدة متينة مبنية على أسس أيديولوجية وبعيدة عن كل الاعتبارات الانتخابية وذلك من أجل تحرير الشعب الجزائري من الهيمنة الإمبريالية" (٣٣).
وكجواب على هذا الاقتراح ضمن المؤتمر برنامج السياسة العامة فقرة خاصة بقضايا الوحدة النضالية أكد فيها "أن الاتحاد يجب أن يشمل كل الأحزاب الديموقراطية دون تمييز عرقي، وأن تحرير الشعب الجزائري من نير الاستعمار إنما يتم في إطار سياسة ديموقراطية تستهدف الرقي الاجتماعي وإصلاح الهياكل إصلاحًا جذريًا" (٣٤).
وإذا كان هذا الجواب مشوبًا بكثير من الغموض والتهرب من المسؤولية، فإن باقي اللائحة قد تضمن ما من شأنه أن يقرب بين التشكيلتين الوطنيتين. وبالفعل، فإن الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري قد أدان بكل صراحة الاتحاد الفرنسي والقانون التنظيمي المفروض على الجزائر، وأكد إيمانه بوحدة شمال إفريقيا وبضرورة إقامة الجمهورية الجزائرية بألوانها الوطنية وبرلمانها وحكومتها المسؤولة أمامه (٣٥).
وعلى الرغم من كل هذا التقارب الإيديولوجي، فإن حزب الشعب الجزائري قد دخل الانتخابات البلدية منفردًا بينما حاول الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري تشكيل قوائم مشتركة بينه وبين الحزب الشيوعي الجزائري في
[ ١ / ١٥٩ ]
عدد من المدن وذلك تحت شعار "في سبيل اتحاد وطني وديموقراطي ومن أجل حماية المصالح البلدية" (٣٦).