في مرحلة الاستعمار الأولى قامت الحكومة الفرنسية باتخاذ عدد من الإجراءات والتدابير استحوذت، بموجبها، على المساجد والأوقاف التابعة لها، موهمة الناس بأنها تسعى إلى توفير الشروط اللازمة ليكون الإسلام محترمًا طبقًا لمعاهدة الاستسلام، غير أن التاريخ بين عكس ذلك وأثبت أن الإدارة الفرنسية لم تترك أي مجال لتنفس المسلمين وحينما جاءت الجمهورية الثالثة ورفعت شعار فصل الدين عن الدولة، فإن المؤسسات الإسلامية لم تستفد من ذلك، وحتى عندما صدر مرسوم ٢٧ سبتمبر ١٩٠٧، فإن الإدارة الاستعمارية لم ترفع يدها عن تلك المؤسسات بل إنها صارت تتفنن في إذلال المسلمين وإهانتهم إلى درجة أنها لم تعد تستحي من تشكيل الجمعيات الدينية وتعيين المشرفين عليها من بين المسيحيين والأميين. وعلى إثر الحرب الإمبريالية الأولى أصبحت المناصب المالية في المساجد خاصة. تسند إلى قدماء المحاربين بقطع النظر عن تكوينهم
وانتماءاتهم ثم جاء بيان الجنرال كاترو المؤرخ بيوم ٤/ ٨/١٩٤٤ والمبشر بتطبيق المرسوم المذكور أعلاه، فاستبشر المسلمون خيرًا لكنهم سرعان ما خاب ظنهم عندما أقدمت الإدارة في نفس الإسبوع على تعيين مفتي الجزائر بالطريقة القديمة ووفقًا للمعايير الاستعمارية المعهودة.
[ ١ / ٤٩ ]
إن التمعن في مختلف هذه المراحل هو الذي جعل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تقترح على الحكومة الفرنسية برنامج عمل من شأن تطبيقه أن يقود إلى تحرير الإسلام وتمكين المسلمين، في الجزائر، من ممارسة دينهم كما ينبغي ويتكون البرنامج المذكور من المراحل الأساسية الآتية:
أ - يؤسس في الجزائر العاصمة مجلس إسلامي أعلى مؤقت يكون مكونًا من عناصر ثلاثة هي:
- بعض العلماء الأحرار المعروفين في الأوساط الإسلامية.
- بعض الأعيان المسلمين المعروفين بتدينهم وبعدم تقلدهم لأية وظيفة رسمية.
- بعض الموظفين المسلمين شريطة ألا يتجاوز عددهم نصف أعضاء المجلس.
ب - يتولى المجلس المذكور تكوين الجمعيات الدينية عبر مختلف أنحاء البلاد على أساس المقدرة والكفاءة وحيث تكون هذه الجمعيات موجودة مع توفر المعايير المطلوبة، فإنه يرسمها.
ج - بعد تنصيب مكاتب الجمعيات ينظم مؤتمر يحضره، زيادة على أعضاء المجلس الإسلامي الأعلى المؤقت، رؤساء الجمعيات الدينية وبعض الأعضاء البارزين.
د - تكون قرارات المؤتمر ملزمة وتظل كذلك إلى أن يفسخها مؤتمر لاحق، علمًا بأن المؤتمر ينعقد سنويًا طبقًا لقانونه الأساسي ونظامه الداخلي.
هـ - مع انعقاد المؤتمر الأول، يحل المجلس الإسلامي الأعلى المؤقت ويترك مكانه للمؤتمرين الذين ينتخبون مجلسًا إسلاميًا أعلى تسند له مهمة تطبيق القرارات المصادق عليها.