وقعت هذه الحروب بين اليونان وقرطاجنة. ودامت سنين كثيرة تتخللها هدنات قصيرة الاجل.
١ - في سنة (٥٣٦) وضعت قرطاجنة قدمها بصقلية بقصد فتحها. وارسلت اليها جنودا كثيرة بقيادة عملقرض بن ماغون. فانهزم اولئك الجنود انهزاما فادحا. وذلك حوالي سنة (٤٨٠). ولكن قرطاجنة لم تفشل من هذا الانهزام، ووالت حروبها. وفي آخر القرن الخامس فتحت نحو ثلث صقلية بقيادتي حنبل وحملقون من أسرة حنون. وختمت المعارك الاولى بعقد هدنة بين قرطاجنة ودونيس امير سرقوسة وذلك سنة (٤٠٤).
٢ - في سنة (٣٩٩) هجم دونيس على بعض مستعمرات قرطاجنة بصقلية. فارسلت اليه جيشا بحريا بقيادة حملقون. فبلغ الجيش سرقوسة. وحاصرها بحرا. واغرق سفنها، وذلك عام (٣٩٦) وفي العام التالي عاد حملقون الى صقلية بجنود كثيرة. واستولى على اكثر جزرها. وانتهى الى سرقوسة وحاصرها واصبح النصر منه على قاب قوسين، ولكن لم يساعده القدر، فأصاب المرض جنوده، ووجد
[ ١ / ١٤٧ ]
دونيس الفرصة متأتية. فانقض على جنود حملقوق. وهزمهم برا وبحرا. وانتهى الدور الثاني لهذه الحروب بعد اتفاق بين المتحاربين يقضي بخروج قرطاجنة من جميع جزر صقلية. اضطرت قرطاجنة الى هذا الاتفاق لما كان بوطنها من ثورات البربر التي صيرت قرطاجنة في أضيق حال.
٣ - انجلت عن قرطاجنة أزمة الثورة. فعادت الى حرب صقلية. ووجهت اليها جيشا بقيادة ماغون. فطالت الحرب بين الفريقين. وتوفي ماغون. فخلفه ابنه ماغون. ثم توفي دونيس سنة (٣٦٣) وخلفه ابنه وسميه ايضا. واخيرا ظن ماغون الثاني انه مغلوب ففر الى قرطاجنة وقتل نفسه اتقاء من تعذيب دولته له. ولا اعجب من حال من يفر من الموت الشريف وهو مظنون ويقتل نفسه بعد ما جر لدولته عارا لانهزام. وبعد ماغون في سنة (٣٤٠) وجهت قرطاجنة جنودا اخرى لصقلية بقيادتي حنبعل وهملكار. فانهزموا ايضا على كثرتهم. وتم الدور الثالث بعد اتفاق بين المتحاربين لفائدة صقلية. وذلك سنة (٣٣٨).
٤ - كان رجل يدعى أغاثوقليس من بيت وضيع. ولكنه قوي الإرادة طموح الى المعالي. فانتهز فرصة وجود هملكار بصقلية. واستعان به على ان يكون ملكا بسرقوسة. فاعانه بعد ما حلف له ايمانا على مسالمته لقرطاجنة. وانتصب ملكا بسرقوسة سنة (٣١٩).
وبعد وفاة هملكار رأى أغاثوكليس أنه في حل من ايمانه. فهجم على ما تحت يد قرطاجنة بصقلية. فوجهت اليه جيشا جرارا يقوده هملكار بن جسقون. وانتصرت عليه انتصارا غزيرا. وتقدم الجيش الى سرقوسة فحاصرها. ورأى أغاثوقليس موقفه حرجا. فتخلص بنقل الحرب الى أفريقية. بعد ما حرض السرقوسيين على الثبات ودبر مكيدة ابعد بها سفن قرطاجنة عن مرسى سرقوسة وركب اسطوله
[ ١ / ١٤٨ ]
وتوجه الى أفريقية. شعر به الاسطول القرطاجني فتبعه. ولكن لم يدركه. قضى أغاثوقليس في سيره ستة ايام. ونزل بأفريقية. واحرق أسطوله لئلا يطمع جيشه في العودة الى صقلية. وذلك سنة (٣١٠) وهكذا سيفعل طارق بن زياد بعد عشرة قرون. بقي هملكار محاصرا لسرقوسة وفي سنة (٣٠٩) الزمه السرقوسيون برفع الحصار عن مدينتهم. وفي العام التالي حاول الاستيلاء على سرقوسة، فلم ينجح. وأسره الاغريقيون، ومات معذبا. أما أغاثوقليس فانه نجح في افريقية وخضعت له مدن كثيرة، وبلغ ابواب قرطاجنة وشدد عليها الحصار.
ولما رأى أغاثوقليس انه تمكنت قدمه بأفريقية ارتحل عنها سنة (٣٠٦) الى صقلية. وترك ولده بافريقية. فتنفس القرطاجنيون وصاروا يحاصرون الاغريق في المدن التي احتلوها. فعاد أغاثوقليس. ولكن النصر لا يكون دائما حليف الفاتح. فذاق مرارة سوء الحظ في هذا العود. وعاد الى صقلية يتعثر في اذيال الخيبة. ومكن سلطته بسرقوسة. وتوفى سنة (٢٨٩).
وبارتحال أغاثوقايس عن أفريقية للمرة الاولى انتهت حروب صقلية.