لما توفي أملقار باسبانيا ترك جيشا منظما منقادا له كل الانقياد. فورثه ابنه حنبعل في الحكم والجيش. وكان ابن سبع وعشرين سنة.
حنبعل هذا رجل عظيم اعترف له اعداؤه الرومان بالدهاء الخارق للعادة. وتعجب نابليون الاول من دهائه الحربي. ومجمل القول
_________________
(١) ديموقراطية مركبة من كلمتين: قراطية معناهاحكومة وديمو معناها الناس. فمعنى هذا المركب حكومة الشعب.
[ ١ / ١٥٢ ]
فيه أنه عالم متبصر في الامور، ذو عزيمة ثابتة ووطنية نارية، محبوب من جيشه وكلاهما واثق بالآخر.
كان يحمل حقدا حارا لرومة، وينوي تجديد عز قرطاجنة. فتوسل لاثارة الحرب بينه وبين رومة بأن هجم على مدينة باسبانيا تحت حمايتها، كما أنها هجمت قبل ذلك أثناء الصلح على جزبرتي سردانيا والكورص، واتنزعتهما من قرطاجنة.
وبهجوم حنبعل انقضت أيام الصلح التي دامت اثنتين وعشرين سنة استعادت فيها كلتا الدولتين قوتها.
أرسلت رومة الى قرطاجنة وفدا يطلب منها تكفير تعدي حنبعل واختيار الصلح أو الحرب. فردت اليها قرطاجنة أمر الاختيار.
اختارت رومة الحرب. فكان ذلك بردا وسلاما على قلب حنبعل. فاراد أن يحاربها في عقر دارها. فاختار من جنوده خمسين ألفا بين مشاة وفرسان. وقيل مائة ألف. وتوجه الى ايطاليا وكان يريد أن يموت هو أو تموت رومة.
وأكثر فرسانه نوميديون. وهم معروفون بالفروسية المبهتة.
حتى أن فرسان الرومان لم يستطيعوا مقابلتهم. فترجلوا عن خيولهم.
وقعت بين الفريقين معارك في ميادين كان النصر فيها لحنبعل. وهلك من الرومان آلاف مؤلفة. وطالت اقامة حنبعل بايطاليا فقل جنده وخرج عنه كثير من الامم التي أخضعها أولا لطاعته. وإذ ذاك استنجد قرطاجنة فلم تنجده جريا على عادة أعيانها من حب السلم لترويج التجارة. هنالك أرسل الى أخيه صدر بعل الذي تركه باسبانيا. فاضطر صدر بعل في طريقه الى خوض معركة قضت على أجله سنة (٢٠٧).
[ ١ / ١٥٣ ]
بعد ذلك تحصن حنبعل بجبال كلابر من ايطاليا. وعجز الرومان عن مقاومته بها .. فنقلوا الحرب الى افريقية بتدبير سبيون.
لما رأى سبيون (١) ان ينقل الحرب الى أفريقية- كما فعل من قبله أغاثوقلس- وجد نفسه في حاجة الى استمالة النوميديين. فذهب الى أفريقية. وتمكن من عقد محالفة مع صيفاقس ملك مصيصليا ضد قرطاجنة. وبذل صدر بعل ابن جسقون جهوده لابقاء صيفاقس على ولائه لقرطاجنة فلم يفلح أولا. ثم عاد سبيون الى الاندلس. وبها مصينيسا مع صدر بعل على الرومان فاستماله أيضا. وكان عدو صيفاقس. فوجد صدر بعل بذلك سبيلا الى ايغار صدر صيفاقس على الرومان. فانتزعه منم وأعاده في صف قرطاجنة. جمع سبيون لفتح افريقية جيشا يشتمل على ثلاثين ألفا.
وكان مصينيسيا اقد وقعت له حروب مع صيفاقس انهزم فيها وصار متشردا بالصحراء. فلما حل سبيون بأفريقية جاءه نجدة له. وجاء صيفاقس منتصرا لصدر بعل. ووقعت بين الفريقين معركة أولى انهزم فيها سبيون مكيدة. وأظهر رغبته في الصلح. وبينما هم في المفاوضة إذ هجم سبيون على صدر بعل ومصينيسا على صيفاقس ليلا وحرقوهم بالنار وعلوهم بالسيوف. فكانت على القرطاجينيين وقيعة شنعاء وذلك سنة (٢٠٣) وخضعت إذ ذاك قرطاجنة لسبيون طالبة منه الصلح. كل ذلك وحنبعل بايطاليا. ولما بلغه ما حل بدولته عاد الى وطنه سنة (٢٠٢).
_________________
(١) سبيون هذا هو قائد الجيش الروماني المحارب لقرطاجنة بالاندلس. وأبوه يقال له أيضا سبيون. وكان أيضا قائدا. وانتصر عليه حنبعل في طريقه إلى ايطاليا. ويعرف سبيون الابن بسبيون الأفريقي. ولعل هذه النسبة جاءته من قبل اقامته بأفريقية في هذه الحرب.
[ ١ / ١٥٤ ]
لما بلغ حنبعل قرطاجنة تقوت به القاوب بعد الضعف. ولم يقبل الصلح. وعاد إلى الحرب. فوقعت بينه وبين سبيون معركة زامة. مات فيها من الرومان عدد كبير. ولكن خيالة نوميديا كانوا مع سبيون فكان الغلب له. وعاد حنبعل الى قرطاجنة آيسا من ربح الحرب راضيا بالصلح. وكانت معركة زامة هذه خاتمة الحرب البونيقية الثانية، عقد المتحاربان بعدها هدنة الى ثلاثة أشهر. ثم اتفقوا سنة (٢٠١). على مواد الصلح الآتية:
١ - سراح الاسرى الررمان من غير فداء.
٢ - تسليم قرطاجنة في جميع أفيالها للرومان.
٣ - تسليمها لهم جميع سفنها إلا عشرا.
٤ - يبقى لها تحت يدها من التراب ما عدا الجزر.
٥ - تدفع لهم غرامة مالية. قدرها ابن خلدون بثلاثة آلاف قنطار من الفضة (١) وقدرها غيره من مؤرخي الافرنج بأربعة وخمسين مليونا فرنكا، وهي منجَمَة:.قال مرسيي على عشر سنوات، وقال ماليت على خمسين سنة.
٦ - تعترف بسلطنة مصينيسا على مصيليا، وقاعدته قرطة، وتتعهد بأن لا تحاربه.
٧ - لا تجند جندا إلا برخصة من رومة.
٨ - لتنفيذ هذه المواد تأخذ رومة مائة من أبناء قرطاجنة رهنا.
تم الصلح على هذا الوجه. وأخذ سبيون خمسمائة سفينة أحرقها بميناء قرطاجنة. ورد عليه أربعة آلاف أسير. وعاد الى رومة ظافرا منصورا.
_________________
(١) ج٢ ص١٨٩.
[ ١ / ١٥٥ ]
أما حنبعل فانه عاد الى قرطاجنة وهو يرجو أن يأتي يوم تقبل فيه رومة شروطا كالتي قبلتها اليوم قرطاجنة. وظهرت طلائع الفوضى بقرطاجنة. واتهم حنبعل بالتقصير في فتح رومة فحاكم عليه بالقتل. ولكنه استمال الجند وقلب النظام وأصبح هو الآمر الثاهي. وذلك سنة (١٩٥) وأخذ في رتق ما فتقته الحرب. فدرب الجنود ونشط الفلاحة. ولم يرق ذلك للرومان فبعثوا اليه بالكف عن تلك النهضة التي تعيد لقرطاجنة شبابها، وتخشى منها رومة خرابها. ولم يستمع اليهم حنبعل على كثرة الحاحهم. ولا أعياهم اعراضه عن موافقتهم عزموا على اغتياله بمساعدة أرباب الاموال التي استحوذت على قلوب أصحابها فلم تبق بها منفذا لحب الوطن. وإذ ذاك أيس حنبعل من خدمة أمته بقرطاجنة. ففر الى الشام ونزل على ملك السريان " أنطيوكيس " وأراد أن يشغل رومة ويخدم وطنه من الخارج. فطلب من ذلك الملك المدد لمحاربة رومة في المشرق. فأمده. وأخيرا أيس من أن تكون لهذه المحاولات ثمرة. فسم نفسه سنة (١٨٣).
وهكذا انتهت حياة هذا البطل العظيم والقائد الكبير الذي لم يهزمه غير الخائنين من قومه عبدة المنفعة الشخصية. فمضى ولسان حاله ينشد:
أنا لولا أن لي من أمتي خاذلا ما بت أشكو النوبا