دل الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه على ان البشر كلهم من نسل آدم ﵇، وانه هلك جميعه في الطوفان على عهد نوح ﵇ ولم ينج الا من ركب معه في السفينة ولم يعقب منهم الا ابناؤه ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾.
واتفق المؤرخون على ان أبناء نوح الذين تفرعت عنهم جميع امم المدنيا ثلاثة: سام، حام، يافث.
وقد ذكر ابن خلدون في أبناء يافث قطوبال ثم ذكر الامم المتفرعة عنه فقال: "واما قطوبال فهم أهل الصين من المشرق، واللمان من المغرب ويقال ان أهل أفريقية قبل البربر منهم، وان الافرنج ايضا منهم. ويقال أيضا أن أهل الاندلس قديما منهم" (١).
فإذا صحت هذه الرواية- ولصحتها شواهد ستراها- كان قدماء شمال أفريقية وبلاد الفرنجة والاندلس ذوي رحم. ولهم اخوة مع الصين بالشرق.
_________________
(١) ج ٢ ص ١٠.
[ ١ / ٦٤ ]
وعلى هذه الرواية يكون شمال أفريقية اقدم عمارة من جنوب أورربا، لان أبناء قطوبال لا شك انهم مروا بمصر- حسبما هدت اليه الآثار- ثم نزلوا أفريقية الشمالية. وقد كان البحر الرومي - اذ ذاك- قليل الماء ومتصلا باوربا من جهة صقلية ومضيق جبل طارق. (وقد ذكروا ان الذي حفر بوغار جبل طارق هو هرقول وقيل الاسكند ر) (١).
والاول اصح فان هرقول متقدم الزمن جدا. اما الاسكندر فمن المحقق ان الفينيقيين- وهم اقدم منه- اجتازوا الى الاندلس في سفن (اواخر الالف الثاني قبل الميلاد) فانتقل بعض أبناء قطوبال من أفريقيا الى جنوب أوربا برا- اذ لا سفن لهم في ذلك الحين- سالكين تينك السبيلين. وسنقف على الآثار المؤيدة لهذا الرأي.