ليس لقرطاجنة مطامع استعمارية- بالمعنى العصري- في بربر الجزائر. فلم تكن تخدعهم بالوعود الكاذبة أو تمنيهم الاماني الباطلة. فتتظاهر- وهي تسر حسوا في ارتغاء- بأنها جاءت لخيرهم، وانها تحكمهم ريثما يصيرون قادرين على ادارة شؤونهم، رشداء في تصرفهم، ثم تقلع عنهم، وتنفض يدها من التحكم عليهم متى بلغوا تلك الغاية.
وقد عاب على قرطاجنة هذا الخلق السامي ستيفان اغسال ونقل كلامه بيروني. وهاك ترجمته:
رومة ملكت أوطانا شاسعة ومع ذلك عرفت كيف تحفط سيادتها: فالمكان الذي تنتصر فيه تحصنه بالجنود، وتمني المحكومين بأنها تدعهم وشأنهم متى رشدوا. وقرطانجة بعكس ذلك: متى ملكت ناحية لم تحصن مركزها فيها، ولم تعد أهلها بالاقلاع عنهم يوما ما.
الى أن قال: فلو شاءت قرطاجنة ان تكون من أفريقية دولة ثابتة لسهل الامر عليها. ولكنها فرطت في الاستثمار والاستغلال.
وان عيب على قرطاجنة تفريطها في استغلال البربر فإنما يعيب عليها ذلك أهل المطامع الاستعمارية. اما من لم تدنس عقولهم تلك المطامع فإنهم لا يرون عيبا على قرطاجنة ان لم تكن ذات خداع سياسي. بل يعترفوق بفضل أعمالها العمرانية وما أحسنت به الى بربر الجزائر من جلب البضائع لوطنهم وتعليمهم الحرف والصنائع.
[ ١ / ١٦٢ ]
وقد كانت تستميل الرؤساء والامراء بالاموال وتتقرب اليهم بالمصاهرة، لا لأن تخدعهم في استقلالهم بل ليكفوا عنها هجومات قومهم ورعاياهم أو تستعين بهم في حروبها.
أملقار برقة أعظم قواد قرطاجنة وعد نارفاس من رؤساء البربر بابنته لاعانته له على اخماد ثورة المرتزقة، وحنبعل الشهير كانت له ابنة أخ تزوجت من اصالساس بن نارفاس، وصفر نيسب الشهيرة بنت صدر بعل كانت تحت صيفاقس، ومصينيسا كانت له بنت تزوجت باحد سراة قرطاجنة وكان منها صدر بعل حامل راية الدفاع عن المحصورين بقرطاجنة.
وكان لقرطاجنة منذ أواخر القرن الخامس (ق. م) جنود مرتزقة من نوميديا وموريطانيا. والنوميديون هم الذين أعانوا حنبعل بأوربا. وإليهم يرجع الفضل في انتصاراته الكثيرة الباهرة.
وكانت بين قرطاجنة وبعض أمراء البربر بالوطن الجزائري معاهدات تقضي بإعانة أولئك الامراء لقرطاجنة أيام الحرب.
فانت ترى أن بين قرطاجنة وبربر الجزائر روابط بالمصاهرة والمعاهدة، واختلاط في الجندية.