اتنصب آذر بعل ملكا بقرطة بعد وفاة والده واقتسام مملكته. وبعد أن قتل يوغورطة أخاه هجم عليه وأخرجه من عاصمته لاول معركة وقعت بينهما.
[ ١ / ١٨٨ ]
ذهب إذ ذاك آذر بعل الى الولاية الرومانية بأفريقية مستنجدا بواليها على ابن عمه فلم ينجده. فسار الى رومة. ولما بلغها وجد بها رسلا من قبل يوغورطة. وجههم بأموال ليستميلوا اليه بعض عظماء الرومان. أبدى آذر بعل فصاحة نادرة ومنطقا محكما في الاحتجاج لنفسه واظهار جور ابن عمه وخبثه. ولكن لم نجد عليه فصاحته عطف الرومان حيث ان ابن عمه اشتراهم بالاصفر الرنان. ولما ألح على رومة في طلب النظر في قضيته عين شيوخها عشرة من الخبراء تحت رئاسة لسيوس آبميوس ليفصلوا القضية. وكان هذا الرئيس يميل الى يوغورطة. نظر الخبراء القضية بمرآة الاغراض فأنتج بحثهم خلاف ما يريد آذر بعل. وذلك أنهم أعطوه نوميديا الاصلية، وأعطوا يوغورطة نوميدنا الغربية وذلك سنة (١١٤).
صار يوغورطة بهذا الفصل أقوى منه قبله. وصار آذر بعل أضعف من حاله سابقا. وهذا لم يخف على الخبراء ولكنهم تعمدوا اعزاز جانب يوغورطة الذي سد مجرى الحق بصرة من المدنانير.
لم يكن يوغورطة ليقنع بشيء دون الاستقلال بمملكة عمه. ولم يكن هناك ما يقف في سبيله: البربر يحبونه، وان عمه ضعيف عن مقاومته، ورومة لا يصعب عليه استمالة رجالها. ففكر في ايجاد سبيل لبلوغ أمنيته وتحقيق برنامجه. ولم يشأ أن يقدم على حرب ابن عمه لانه لا يجهل ان رومة لا تسمح له الاستقلال دون ابن عمه حيث أن سياستها تقضي عليها بالاكثار من الملوك البربريين واذكاء نار المنافسة بينهم.
رأى يوغورطة أن أحسن ما يبلغ به أمنيته التوقي من مشاغبة رومة عليه بملوك البربر. وكان يجاوره بوكوس الاول ملك موريطانيا. فسبقها اليه واستماله اليه قبل الدخول في حرب آذر بعل
[ ١ / ١٨٩ ]
وتقرب منه بالمصاهرة فتزوج ابنته. وبهذه الوسيلة أمن يوغورطة ناحية بوكوس.
إذ ذاك أخذ يغير على حدود مملكة آذر بعل كي يستفزه لحربه. ويتخذ ذلك سببا لحربه يقطع به معاكسة رومة له. ولكن آذر بعل تحمل تلك الغارات واصطبر لها لعجزه عن مقاومة يوغورطة وخيبته سابقا في الاستنجاد برومة. رأى يوغورطة استكانة ابن عمه فعزم على تنفيذ برنامجه وهجم عليه. واجتاز الحدود بجنود كثيرة. هنالك رأى آذر بعل لزوم الحرب. فتهيأ لها بما لديه من الجنود وخرج لملاقاة يوغورطة.
تقابل الجيشان ولم يتبارزا. وكان آذر بعل ينوي محاربة ابن عمه من الغد. ولكن يوغورطة كان أشد حزما وأمضى عزما. فأمر جنوده بالهجوم ليلا. فدارت الحرب بين الفريقين. وبعد قتال شديد انهزم آذر بعل وفر الى قرطة. فلحقه يوغورطة وحاصره بها. وكانت المدينة في غاية الحصانة بموقعها وعناية مصيبسا بتحصينها. وكان بها صناع وتجار ايطاليون. فتحزبوا لآذر بعل.
بلغ خبر هذه الحرب الى رومة فلم يرق لها صنيع يوغورطة. وأرسلت اليه في رفع الحصار والكف عن محاربة ابن عمه مع ثلاثة من النواب. فقابل يوغورطة هؤلاء النواب مظهرا لهم احترامه لرومة. ولكنه لم يمتثل نهيها واستمر محاصرا لقرطة. فأرسلت اليه رومة رسلا آخرين. وتعين الاجتماع بعوتيقة. فذهب إليها. وأوعز لجنوده بتشديد الحصار. ولما اجتمع برسل رومة اكتفى بإظهار احترامها أيضا.
دام حصار قرطة عامين وبلغت المجاعة بأهلها مبلغها وعلموا خيبة رسل رومة في المفاوضة مع يوغورطة. فرأى آذر بعل ان يفتح الكلام
[ ١ / ١٩٠ ]
مع ابن عمه. ففاوضه في رفع الحصار وأذعن لحكمه واستأمنه على نفسه. فأمنه ودخل المدينة. ولكنه خان العهد. فقتل ابن عمه ومن فيها من شيعته حتى الايطاليين.
وهكذا انتهت حياة هذا الملك الذي يظهر من التجائه الى رومة في كل ما يعرض له من الصعوبات انه وقدته الحضارة. فاصبح لا يريد الا استغلال جهود آبائه. وان وطنا كالوطن البريري جعلته دولة قوية كرومة نصب عينها لاستعماره لا يصلح أن يكون على رأس حكومته إلا مثل يوغورطة شجاعة حربية ودهاء سياسيا.