بوكوس الاول كان ملكا على موريطانيا الغربية (مراكش) حوالي سنة (١١٦) ومسالما للرومان. ولما كان يوغورطة يعلم منه ذلك ويعلم من نفسه عداوته لهم أراد أن يجلبه اليه قبل الشروع في تنفيذ بزنامج عداوته. وقد نجح في ذلك فحارب به الرومان بعد ما حذره اياهم ونفخ فيه نسما من روحه. ولكن " ليس التكحل في العينين كالكحل"، فعاد أخيرا الى نصرة الرومان وأعانهم على القاء القبض على يوغورطة بالخديعة والخيانة. ولولاه ما أمكن الرومان أن ينالوا شيئا من يوغورطة. وقد ترك بفعلته تلك في تاريخه نقطة سوداء بل بحيرة حمئة. ويصعب على الاعتقاد بانه شارك الرومان في بشاعة هذه الخيانة. ويظهر لي أنه كان قليل التدبير فانطلت عليه حيل صيلة واغتر به فغر غيره. وحينما شاهد الخيانة أغضى عنها ضعفا وجبنا.
وعلى كل حال فان رومة منحته- جزاء ذلك- جزءا كبيرا من مملكة يوغورطة، وهو ما بين صلداي وملوشات، اضافة إلى مملكته القديمة. وأطلق على هذه الولاية الجديدة اسم "نوميديا الغربية" لانها كانت تحت ملك نوميديا. وعرفت نوميديا القديمة باسم "نوميديا الاصلية".
وبهذه الولاية صح ان نعد بوكوس (١) بين ملوك الوطن الجزائري. وباضافتها الى مملكته القديمة أصبح ذا ممكلة واسعة تشمل ما بين صلداي شرقا. والمحيط الاطلنتيقي غربا. ورغما من
_________________
(١) ذكر صاحب الرحلة الناصرية انه لما نزل بمسوار الريان تلقته قبائل عدد منها يوكيس (١: ٢٧) فيستفاد منه ان بوكيس من الأعلام البربرية التي لم تزل حتى العهد الأخير
[ ١ / ٢٠٢ ]
هذا الانساع كله لم تكن له عزة نفس ونخوة ملك، فيترفع عن خدمة الرومان الذين لا يزيده جبنه معهم وخدمته لهم إلا طمعا في الوطن البربري وخيراته.
بعد أن فعل فعلته الاولى عززها بثانية. وذلك أنه حدث برومة شقاق بين مريوس وصيلة ففر الاول الى يرباص الذي أعانه على منافسه. فأرسل صيلة قائده بمبيوس (١) الى أفريقية بجنود كثيرة. وأعانه بوكوس بفيلق عظيم من فرسان موريطانيا تحت رئاسة غودا (قيل هو ابن بوغيد بن بوكوس وقيل حفيد بوغيد) وكان يرباص قد فر من بمبيوس. فاعترضه غودا وشتت جموعه. وأخيرا قتله.
وهكذا لم نر لبوكوس إلا اعانة للرومان على أبطال البربر الذين يأنفون من استعباد الاجنبي لهم ولقومهم.
وبعد أن ملأ صحائف حياته بمثل هذه الأعمال توفي في حدود سنة (٨٠) وترك ولدين اقتسما مملكته.