عرابيون هو ابن مصانسيس. لما قسم قيصر مملكتي والده ويوبا
[ ١ / ٢١٩ ]
على ما سبق بيانه ذهب هو الى الاندلس. وبها شيعة بمبيوس. فجمع هنالك جيشا من اللصوص واشتغل بالحرابه زمنا. ثم ازداد جيشه قوة وازداد هو مهابة. فقاتل قيصر هنالك.
وفي سنة (٤٤) توفي قيصر وبوغيد عدوا أبيه. فرأى أن الوقت مناسب لاسترجاع مملكتة والده. فعاد الى وطنه بمن معه من الجنود. وجمع اليه شيعته من النوميديين. وبعث منهم بطائفة الى بمبيوس الصغير ليعلهم حسب الانظمة الرومانية. ومن غير شك ان النوميديين استبشروا، بعوده اليهم لانهم صاروا تحت اجانب عنهم في الوطن او في الجنس والوطن جميعا.
خلف بوغيد ابنه بوكوس الثالث. ورأى عرابيون ما له من الجنود، فعزم على حرب بوكوس لينتزع منه نوميديا السطيفية (١). وكان بوكوس غربيا عن محكوميه فاستنجد بوكتافيوس المستب برومة بعد قيصر. فلم ينجده لاشتغاله بتثبيت قدمه برومة.
تحارب الملكان البربريان، فكانت الخيبة نصيب بوكوس. واسترد عرابيون منه نوميديا السطيفية. وبقي له ستيوس. فدبر له مكيدة نجح فيها فقضى على حياة هذا الايطالي المتملك على البربر. واسترجع بذلك جميع ما كان يملكه ابوه. ولكثرة الفتن برومة بين الجمهوريين والقيصريين ذهب دم ستيوس هدرا. ولم يتوجه على عرابيون من الرومان ادنى بحث او مسؤلية.
في هذه المدة كان الوالي بأفريقية القديمة كورنفسيوس. واعطيت نوميديا الحديثة لوكتافيوس. فوجه اليها عامله سيكتيوس. وطمع في الاستيلاء على أفريقية القديمة أيضا. فوقعت الحرب بين الوالي
_________________
(١) نوميديا السطيفية هي المعبر عنها أحيانا بموريطانيا السطيفية.
[ ١ / ٢٢٠ ]
والعامل. وخاطب كلاهما عرابيون مستنجدا به. فتريث في الاجابة مفكرا في أي الرجلين أوفق بسياسته. ثم رأى ان الاصلح له اجابة وكتافيوس فانضم له.
وبينما كورنفسيوس محاصر لقرطة اذ بلغه ان عرابيون انتصر لوكتافيوس. ففشل وغادر قرطة فارا الى ولايته. ولحقه عرابيون. وتلقاه سيكستيوس شرقا. فانحصر بين عدوين. وأمعن عرابيون في جنوده قتلا. فلم ينج منهم الا القليل.
دخل بعد هذا الانتصار سيكستيوس افريقية. وعاد عرابيون الى مملكته بغنائم قيّمة. وقد يكون توسع في نوميديا الحديثة. وفي سنة (٤٣) اصطلح وكتافيوس وانطونيوس. وتشكلت حكومة رومة من رؤساء ثلاثة. هذان الاثنان ولبيدس. وبقيت افريقية تحت وكتافيوس ولكنه عزل سيكستيوس وعوضه بفانغو.
وفي سنة (٤٢) اقتسم الرؤساء الثلاثة المملكة الرومانية من جديد. فاخذ انطونيوس افريقية الاصلية. واخذ وكتافيوس نوميديا والجهات الغربية. فكلف سيكستيوس بالنيابة عن انطونيوس في افريقية، وفانغو بالنيابة عن وكتافيوس في نوميديا الحديثة.
ولسوء ادارة فانغو ثارت عليه البربر وامدهم عرابيون. ولكن فانغو انتصر عليهم ففر عرابيون الى سيكستيوس. وطلب منه فانغو تسليمه فلم يسلمه. فهجم على افريقية وعاث فيها فسادا. فدافعه سيكستيوس، واعانه عرابيون والنوميديون، فكانت الهزيمة على فانغو.
وبعد هذا خدع سيكستيوس عرابيون وقتله غيلة. فمن المؤرخين من قال: قتله لانه كان قد أعان وكتافيوس على انطونيوس، ومنهم من قال: لانه كان يخشى نفوذه ويغار منه. وليس الجمع بين الامرين بمعتذر.
[ ١ / ٢٢١ ]
غضب فرسان نوميديا لقتل عرابيون. فذهبوا الى فانغو واغروه بسيكستيوس فتحارب هذان العاملان. ولكن فانغو غلب فقتل نفسه. واصبح سيكستيوس هو الوالي الوحيد بإفريقية الاصلية ونوميديا الحديثة. قال مرسيي: "وربما ضم اليه ما كان تحت ملك عرابيون"
كان عرابيون عاملا جريئا مفكرا داهية شجاعا مقداما صاحب آمال كبيرة: ينوي اخراج الرومان من نوميديا. ولكن لم يساعده القدر. وسلك سبيل غيره من عظماء البربر. فذهب ضحية الاستقلال قبل ان يحقق تلك الآمال. وهكذا اتخذ عظماء الومان قتل الاحرار سبيلا لترضية جشعهم في الاستعمار. وكان عرابيون خاتمة ملوك نوميديا الذين وقفوا في وجه الاستعمار الروماني واوقفوا سيره.