كانت للبربر حروف هجائية كما كانت لهم لغة. ولكنها لم تكن لغة آداب وعلم. فلما خالطوا الفينيقيين تأثروا بلغتهم ومالوا الى خطهم. حتى صاروا بقرطبة لا يتكلمون بغير الفينيقية. وأصبحت هي اللغة الرسمية بدواوين الحكومة على عهد مصينيسا فمن بعده من الملوك. وظهر ذلك على نقودهم الدولية التي عاشت بعيش دولتهم الى أواسط القرن الاول للميلاد.
وعلى أيدي الملوك والامراء انتشرت هذه اللغة بين العامه خصوصا في الجهات التي تجاور مملكة قرطاجنة. ولم تزل حية بنواحي قالمة وبونة إلى أيام القديس أغسطين. غير أنها لم تكن إذ ذاك لغة مدرسية، والبلغاء يترفعون عنها ويتظاهرون بجهلها، وانما هي لغة البوادي الذين كانوا يجهلون اللغة اللطينية الى ذلك العهد.
فكان الرومان يحتاجون في ذلك الحين الى مترجم عارف بالفينيقية عندما يضطرون الى مخاطبة البداة من البربر.
وقد وجدت كتابات بقالمة ونواحيها وقسنطينة وميلة على قبور بهذه اللغة. ويرجع تاريخ هذه الكتابات الى ما بعد سقوط قرطانجة.
[ ١ / ١٦٦ ]
ومن اللغة الاعلام. وقد اتخذ البربر لبعض مدنهم أعلاما فينيقية. ومن ملوك نوميديا من سمي أبناءه باعلام فينيقية. فقد كان لمصينيسيا ابن يدعى منستبعل وابن آخر يدعى آذر بعل. واقتفت السوقة أثر الملوك في ذلك قرونا. ويوجد بجهات سطيف وجبل أوراس وسور الغزلان كتابات بحروف لطينية لاعلام فينيقية. منها نمفامو، صدر بعل، بريق بعل، بو ملكار، مع أن هذه الجهاث لم تدخلها قرطاجنة قط.
فأنت ترى أن اللغه الفينيقية عاشت بالجزائر بعد قرطاجنة قرونا، ولم تقض عليها أو تذهب بأغلبيتها لغة الامم التي جاءت بعد القرطاجنيين، الى أن جاء العرب فقضت لغتهم على هذه اللغة.
قال يبروني: اتفق المؤرخون على أنه لا يمكن معرفة ما بقي من آثار هذه اللغة لانها لغة سامية وقد دخلت عليها أختها العربية وحلت محلها.
هذا وان انتشار الفينيقية بتلك الدرجة ودوام عمرها قرونا لا يفيدان أن اللسان البربري حفظها كما هي. بل لا بد أن تكون قد تغيرت وامتزجت بالبربرية. وهذا وجه آخر عندي لعدم امكان معرفة ما بقي من آثارها.