تاريخ ابتداء الدولة الرومانية غير واضح. قال ماليت
_________________
(١) (١و٢) ج٢ ص١٠
(٢) ج٢ ص١٨٤
[ ١ / ٢٤٤ ]
والمؤرخون يعتمدون على ما كتبه تيت ليف (TITE-LIVE) الذي كان على أغسطس قيصر متصلا بآخر حياة الجمهورية.
هذا المؤرخ ينسب تأسيس الدولة الرومانية الى روملوس باني رومة. وينسب روملوس- تبعا لاساطير الوثنيين- الى الآلهة.
ويذكر في نشأته ونشأة أخيه ريموس خرافات، أضربنا عنها صفحا لبعدها عن الخيال المستحسن، وان لم يتفق مع الحقيقة.
وعد ماليت لرومة سبعة ملوك. خامسهم هو الذي أدخل الى رومة شعار ملوك الاتروسك: الجبة الحمراء والتاج والكرسي وسيف المملكة، وسادسهم هو أول من تنبه الى طبقة الصعاليك. فادخل قسما منها في الجندية. وقد كانوا كمية مهملة. وطبقة الاشراف هي التي تقوم بحميع شؤون المملكة. وسابعهم ثارث عليه الامة. فالتجأ الى المعبد، ولكنه قتل به.
وفي ابن خلدون تصريح بان رومة أسسها روملوس. ولكن الدولة مؤسسة من قبله بكثير. وعد ملوكا تقدموا روملوس. ويظهر من كلامه ان الدولة أسست أثناء الالف الثاني (ق. م). وذكر ابن كريون مؤرخ بني اسرائيل: انه جاء بعد روملوس خمسة ملوك. "أغتصب خامسهم رجلا في زوجه. فقتلت نفسها. وقتله زوجها في الهيكل" (١).
فاتفق ماليت وابن خلدون على ان آخر ملوك رومة قتل بالمعبد.
وبه انتهى الدور الملوكي. وذلك سنة ٥٠٩ (ق. م). وصار نظام رومة جمهوريا من ذلك الحين.
قال ابن خلدون عن ابن كريون: "واجمع أهل رومة على أن
_________________
(١) ج٢ ص١٩٧.
[ ١ / ٢٤٥ ]
لا يولوا عليهم ملكا. وقدموا شيوخا ثلاثمائة وعشرين. يدبرون ملكهم. فاستقام أمرهم كما يجب، الى أن تغلب قيصر"، (١). وشكل الجمهورية يتألف من قنصلين وشيوخ.
١ - القنصل: ومعناه منفذ الاحكام. ينتخب لمدة عام. وللقنصلين رئاسة الجند ومجلسي الشيوخ والشعب. ولهما النظر في القوانين وعرضها على المجلسين. وهما اللذان يقيمان الاحتفالات الدينية. فهما رئيسان في الدين والسياسة.
٢ - الشيوخ:. يختارهم القنصل من رؤساء الاسر الشريفة. ومن اختير لهذا المنصب يبقى به مدة حياته. وبيد الشيوخ السلطة على الشؤون الداخلية والسياسة الخارجية.
ومن نظام الجمهورية انه في أيام الشدة يسمي القنصلان متصرفا يمنحانه النفوذ المطلق. فينفذ أحكامه من غير مراجعة مجلس الشيوخ. ويسمي لمدة ستة أشهر فقط.
وقد اتسعت ممتلكات رومة على عهد الجمهورية. فبلغت ولايتها سبع عشر: عشر ولايات بأروبا، وخمس بآسيا، واثنين بأفريقية.
لم تكمن تقصد الجمهورية الرومانية إلى التداخل في عوائد مستعمراتها ودياتنها. وانما تقصد منها الانقياد لدولتها واداء الضرائب لبيت مالها.
ولقد كان نظام الجبايات مضرا بالمستعمرات. فقد كانت الجمهورية تسند استخلاص الضرائب الى أعيان اغنياء، يؤدون لها ماتريده. وهم يستخلصون من الأمة ما شاءوا من غير مرحمة ولا شفقة. حتى أن المعدم يقرضونه بالفائض ليأدي لهم ما يطلبونه منه. وبهذه الصفة انتزعت املاك وافتقرت أسر.
_________________
(١) ج٢ ص١٩٧.
[ ١ / ٢٤٦ ]
فشا الجور والارتشاء في جميع ولاة الرومان. واصبحت غايتهم الوحيدة هي الحصول على الثروة بأية وسيلة. ولم تتبق الوضائف مسندة الى مستحقيها. وحدثت برومة نفسها أهوال من تنافس العظماء. وصارت القوانين ضعيفة أمام ذلك كله.
ساءت من ذلك حال الامة. ولم تجد في الجمهورية ما يحسن حالها ويخفف من ويلاتها، فاجتوتها، وتواطأ على اجتوائها أهل رومة وأهالي الولايات التابعة لها.
وبينما الأمة في انتظار الفرج لهذه الازمة اذ ظهر يوليوس قيصر. وحاول تغيير شكل الحكومة بجعلها امبراطورية. فقام في وجه الجمهوريون، وانتصر عليهم بايطاليا ثم أفريقية ثم الاندلس. ولما عاد من الاندلس سنة (٤٥) ق. م سمي برومة متصرفا مستبدا مدة حياته فحارب الجمهوريين بالسياسة كما كان حاربهم بالسيف. واضعف نفوذ مجلس الشيوخ، فصار مجلس استشارة فقط. وكان عددهم سبعين في نقل ابن خلدون عن هروشيوش أو (٣٢٠) في نقله عن ابن كريون أو (٣٠٠) على ما ذكر ماليت، فاضاف اليهم. يوليوس قيصر شيوخا من أهل الولايات التابعة لرومة. فبلغ عددهم (٩٠٠).
فرحت الامة بيوليوس قيصر لحسن ادارته وكفاءة ولاته. ولكن الجمهوريين كانوا ناقمين عليه. وتمكنوا من قتله في مجلس الشيوخ نفسه سنة (٤٤) ق. م.
وكان الجمهوريون يظنون أن في ذهاب قيصر رجوع نفوذهم. ولكن الامة كرهت سياستهم، وسئمت من الفتن التي كانت على عهدهم، واستبشرت بقيصر ووجدت فيه بغيتها، فزادها قتله نفورا من الجمهوريين.
[ ١ / ٢٤٧ ]
وكان من قواد قيصر رجل يدعى أنطونيوس، وله شهرة ومحبة في قلوب العامة، فقام على الجمهوريين، وهيج العامة ضدهم. وكان لقيصر ابن أخ (أو ابن أخت) متبنيه يدعى اكتافيوس، وكان بأثينا يتعاطى المعارف، وهو حدث شديد الحماس داهيه في السياسة، فتظاهر باللين للجمهوريين، حتى ظنوا انه يكون لهم عضدا على انطونيوس، فأخذوا ينصرونه في خطبهم، ويطعنون في انطونيوس وبعد أن توصل الى رئاسة جند كبير طلب الى الشيوخ أن يولوه قنصلا فامتنعوا.
كان انطونيوس ينتصر لقيصر كي يحل محله، فلما ظهر اكتافيوس حسده، وكادت الحرب تقع بينهما، ولكنهما اصطلحا وضما اليهما ثالثا هو لبدوس، وكان واليا على الغاليا، اقتسم هؤلاء المملكة بينهم لمدة ثلاث سنوات، ووافقت الأمة على ذلك بالانتخاب العام، وذلك سنة (٤٢) ق. م.
ثم أن انطونيوس ذهب الى مصر التي كانت له، واستهوته كليوباطر (١) فشغل بها عن الملك. وصار ينوي احداث مملكة شرقية يورثها ابناء عشيقته، وبذلك زالت ثقة الرومان منه، ولبدوس جعل رئيسا دينيا، فبقي اكتافيوس يدير مملكة رومة وحده، لا ينافسه الا انطونيوس صريع تلك الغانية وفاقد ثقة الامة.
نجح اكتافيوس في سياسته، وأراد انطونيوس الظهور عليه بالحرب، فحاربه ولكنه لم ينجح فقتل نفسه سنة (٣٠) ق. م وفعلت كليوباطر فعله (٢) فاستراح اكتافيوس من عدوه، ثم قضى على
_________________
(١) يسميها ابن خلدون كلابطرة.
(٢) وبموتها انقرض ملك آل بطليموس من مصر. وقد كان تولاه بطليموس الاول سنة (٣٢٣) ق. م. تولاه بطليمولر ألاول سنة (٣٢٣١) ق. م.
[ ١ / ٢٤٨ ]
الجمهورية التي عاشت خمسة قرون، وقال ابن خلدون: عاشت سبعة قرون.
في سنة ٢٧ ق. م لفظت الجمهورية النفس الاخير، وسمي اكتافيوس امبراطورا، وتلقب اغسطس، واستمرت الدولة الرومانية من عهده امبراطورية، ومعنى امبراطور صاحب الامر.
والجزائر لم يستول عليها الرومان استيلاء عسكريا الا على عهد الامبراطورية.