كانت صور (العاصمة الثانية للفينيقيين) بلغت مبلغا عظيما من العمران. وكان بها على عهد داوود وسليمان ﵉ ملك يدعى حيرام. سالَم هذا الملك الملكين النبيين، وحسَّن علاقاته معهما. وبعد وفاته تأسس بها حزب من عملة الشعب واصبح يشاغب طبقة الاعيان حتى تغلب عليهم ففروا إلى ليبية وأسسوا بها مدينة قرطاجنة.
وبعد أمد قليل من تأسيسها بلغت من العظمة والقوة ان صارت تهدد صور نفسها واصبحت هي الحامية للفينيقيين بليبية وصقلية واسبانيا. وكان اليونان قد أخذوا عن الفينيقيين التمدن فانقلبوا عليهم وقادوهم في التجارة حتى اخرجوا من بحر ايجه، وهددوا مراكزهم بالمغرب فلما نأسست قرطاجنة ثأرت منهم وطردتهم من المغرب.
أسست قرطاجنة على الخليج التونسي قريبا من البحر بحيث تصيب سورها أمواجه. ولحسن موقعها حازت السيادة التجارية، فأمها الفينيقيون من الشام، والبربر جيرانها الاقربون، وغيرهم من الامم، فاستبحر عمرانها وكثرت مبانيها وسكانها، واختلف في تقدير عدد السكان من (١٣٠٠٠٠) إلى (٧٠٠٠٠٠) وبلغت اوج عزها في القرن الرابع الى اواخر الثالث (ق. م) ومتوسط سكانها اذ ذاك نحو (٣٠٠٠٠٠).
اصبحت قرطاجنة عاصمة الفينيقيين ومعقل عزهم وحصن سعادتهم
[ ١ / ١٣٢ ]
ثم كانت مقبرة عظمتهم ومدفن مجدهم بما جرته عليها حروبها مع الجمهورية الرومانية التي انتهت بتخريبها سنة (١٤٦) ق. م.
يقال: ان اسم قرطاجنة بالفينيقية " قرت حدشت " ومعنى هذا العلم: القرية الحديثة.
اما تاريخ تأسيسها وتعيين مؤسسها فقضية كثر حولها الخلاف واضطربت فيها الروايات، ذكر البكري: " ان الذي بنى قرطاجنة ديدون الملك زمن داوود ﵇ " (١) وعليه يكون مؤسسها رجلًا وتأسيسها في القرن الحادي عشر (ق. م) لان داوود كان بين سنتي (١٠٥٥ - ١٠١٤) وفي ابن خلدون- نقلا عن المورخ الروماني هروشيوش-: ان بناءها كان على يد ديدن بن أليثا، وانه من نسل عيصو بن اسحا. ومن المؤرخين من يقول أسسها الطبقة العليا من الفينيقيين.
واكثرهم على أن التأسيس كان سنة (٨١٤) وقيل سنة (٨١٣) وقيل سنة (٨٨٠)، على أن المؤسس امرأة تدعى " عليسة ديدون "، وعليسة علمها الشخصي، وديدون وصف لها معناه الفارة.
وسياقة خبرها: انها من بيت ملك وتزوجت بكاهن مشهور، ولها أخ. ولما توفي ابوهما ورثا ملكه. فعدا اخوها على زوجها وقتله طمعا في كنوزه النفيسة وامواله الطائلة. ولكن عليسة احتفظت باموال زوجها وفرت بها الى ليبية فاشترت من البربر مكان قرطاجنة وأسستها.