مكث قدماء الجزائر- كغيرهم- احقابا لا يعلم تقديرها الا العزيز العليم ومدنيتهم محصورة في الحجارة: يستخدمونها في جميع شؤونهم الضرورية والكمالية. غير انهم كانوا يترقون- وفق ناموس النشوء والارتقاء- في احكام صنع الحجارة واتقانها، ويتفننون في نقشها ورتنميقها.
وقد قسم المؤرخون ذلك العصر السحيق الطويل- حسبما هدتهم الآثار المختلفة صنعا وزمنا- الى ثلاثة ادوار:
١ - عصر الحجارة القديم. كان الانسان فيه في اول عهده بالطبيعة جاهلا بطرق الاستفادة منها مقتصرا في حياته على استعمال ما اهتدى اليه فكره الابتدائي من المواد الطبيعية التي يسهل تناولها من غير حاجة الى حذق في صناعتها. استعمل من الحجارة مع تهذيبها قليلا جهازه الحيوي.
وقد عثر الباحثون على شيء من هذا الجهاز بجهات من الجزائر تقدم ذكرها. من ذلك هراوي ومناقير ومساح. وهي من اقدم ما عرف من مدنية الجزائريين في ذلك العصر.
٢ - عصر الحجارة الاوسط. تقدم الانسان في هذا الدور قليلا
[ ١ / ٧١ ]
فرقى الصناعة الحجرية، ومد يده الى غير الحجارة أيضا: اتخذ من مغارات الكهوف اكنانا، وصنع الفؤوس الحجرية، وجعل ابرا وخناجر من العظام؛ وأواني من بيض النعام.
وآثار هذا الدور متوفرة فيما بين قابس شرقا وسطيف غربا.
٣ - عصر الحجارة الحديث. في هذا الدور اتقن الانسان صناعة الحجارة وتفنن فيها وتوسع في الاستفادة منها ولم يقف عندها فقط: اتخذ بعض جهازه الحربي- مثل السهام- من الحجارة، ورسم عليها الرسوم العجيبة.
وقد عثروا على بعض تلك الرسوم بجبل بني راشد ووادي ايتل وجهات قالة واتخذ الاواني الطينية للطبخ (مما يدل على تعرفه الى النار).
وصنع الاوعية من الخشب، والعربات تقودها الخيل لنقل الآلات الحربية والبيوت الخشبية. واتقن التصوير فرسم صور الحيوانات ومناظر الاصطياد. واشرف على المبادئ التاريخية فرسم على اواني الفخار أشكالا هندسية تمثل الكتابة. وقدر علماء الآثار قدم تلك الاواني الفخارية بنحو ستة آلاف سنة قبل المسيح ﵇.
مدنية أية أمة من الامم مستمدة استمدادا علميا من معقولها ودرجة تفكيرها، واستمدادا عمليا من كسب ابنائها وجهودهم، ويتكون عقلها وعملها من طبيعة المكان الذي تقطنه؛ وتتأثر بما تشاهده من جيرانها او يبلغها من اخبار الامم الاخرى.
ولهذا كانت مدنية قدماء الجزائر ذات اقسام ثلاثة:
١ - مدنية محلية لا مشابهة بينها وبين مدنيات الامم المجاورة لها. من ذلك مدنية اطلق عليها اسم "الصناعة الجيتولية" وآثارها تبتدئ
[ ١ / ٧٢ ]
من قابس شرقا وتذهب جنوبا إلى جهات قفصة وتنتهي غربا بنواحي سطيف.
ومدنية اطلق عليها اسم "الحضارة الصحراوية" وآثارها قائمة الى اليوم بوادي ريغ ووادي مزاب.
٢ - مدنية تشبه مدنية قدماء مصر وشمال أفريقية الشرقي.
٣ - مدنية تحاكي مدنية جنوب أروبا والاندلس المجاورة لها غربا.
من تأمل الآثار الجزائرية- وسائر أفريقية الشمالية - وامعن النظر فيها، الفى ان مدنية هذا الوطن كانت شديدة التأثر من ناحية الشرق قليلته من جهة الغرب. بل قد تكون مدنية هذا الوطن هي التي اثرت في مدنيات جنوب أروبا وغربها حسب البحث السابق.
والقضايا التاريخية ناطقة بانشراح صدور الأفريقيين عموما للحضارات الشرقية وسرعة تأثرهم بها، ومحاربة المدنيات الغربية وتقززهم منها. وقد يعثر الباحث في بطون التاريخ على جزئيات لا تؤيد هذا الحكم، ولكنها نادرة لا تقوى على مضادته او نقضه.
وهكذا ترى الجزائر (وجارتيها) من حين مهدها معترفة بفضل الشرق مهبط الوحي ووطن النبوءة ومعدن الحكمة.