عرفت ان الفينيقيين امة تجارية بحرية، فلم يحملها على دخول
_________________
(١) المغرب ص٤١.
[ ١ / ١٣٣ ]
المغرب الطمع في انتزاعه من يد أهله والاستبداد عليهم في وطنهم. ولذلك لم تملك منه غير السواحل اللازمة لحياة بحريتها. وأسست بها مدنا لترويج بضائعها بين الاهالي. واقامت حينا من الدهر جارة للبربر تستخدمهم في مدنها بأجور يرضونها. وتستألف امراءهم بالأموال خوفا من غاراتهم.
ولما تأسست قرطاجنة اقتطع الفينيقيون من داخل الوطن البربري قطعة استوطنوها ودخل اهلها تحت طاعتهم. واطلق على هذا القسم اسم " ليبيا فينيقيا " وعرف الفينيقيون الذين به باسم البونيقيين.
ومن مدن الفينيقين بالساحل الجزائري: هبون (بونة)، روسفاد (السكيكدة)، شولو (القل)، اجلجلي (جيجل)، صلداي (بجاية) روسوقورو (تاقصبت او دلس او تقزيزن)، رسجونيا (مطيفو)، اقسيوم (الجزائر)، تباسا، يول (شرشال)، صيعة (ارشقول على الظاهر).
ولم يتجاوز البونيقيون السواحل الى دواخل الجزائر الا في الجهة الشرقية حيث كانت نوميديا الشرقية تحت حمايتهم- باشرف معنى الحماية- ومن مدن هذا القسم: تغاست- Thagaste (سوق اهراس) مدوروس- Madoure - (مداوروش)، تيفيست- Thèvesté -" تبسة".
ولهذا القسم الداخل تحت أشراف قرطاجنة حدود تفصله عن ليبيا فينيقيا وتلك الحدود خنادق تعرف بالخنادق الفينيقية.
وبلغت حماية قرطاجنة في الشمال الشرقي لنوميديا الى رأس بوقرعون "ناحية القل" وجهة ميلة. ومن المحقق ان قرطاجنة لم تدخل تبسة " بالجنوب الشرقي النوميدي" الا سنة ٢٥٠ (ق. م) ولم تبق بها الا خمسين سنة.
[ ١ / ١٣٤ ]
وبما ان الحماية القرطاجنية لم تكن مصحوبة باحتلال عسكري يفرض على المحتمين طاعة الحامي، ويحمل لالحاقهم بمستعمراته- استطاع النوميديون طرد البونيقيين بعد من وطنهم والتمتع بالاستقلال والتنفس في هواء غير مشوب بجراثيم السيادة الاجنبية.
ولا يعلم تاريخ زوال السيادة القرطاجنية عن نوميديا بالضبط. ولكن من المحقق ان مدوروس كانت اواخر القرن الثالث (ق. م) تحت تصرف صيفاقس البربري. ومنذ سنة (١٤٩) ق. م لم تبق لقرطاجنة يد على نوميديا وجميع السواحل والشواطئ الجزائرية. ودخلت المدن الفينيقية بتلك الجهات في حوزة ملوك البربر وبقي لها اسمها الفينيقي الى ان خربت.
وهذا خلاف ما نراه في عصر المدنية الغربية من تغيير دولها لاسم بعض المدن التي استولت عليها، وابداله باسم عظيم من عظمائها قد يكون لم يدخل تلك المدينة المنسوبة اليه او لم يسمع بها فضلا عن ان يعمل بها عملا يبرر نسبتها اليه. اما تسمية الانهج والشوارع بهذا الوجه من التسمية فمن المألوف الذي ينبو الذهن عند مشاهدته عن التفكير في وجه المناسبة بين الاسم والمسمى. وهكذا يفعل الذين يحبون ان يحمدوا بما لم يفعلوا.