إذا ألقى المرء نظرة على خريطة الجزائر الطبيعية ألفاها ذات أقسام مختلفة: جبال وهضاب وحقول وصحار. ولاهل كل قسم من هذه الاقسام طبائع وعادات يختلف بعضها عن بعض تبعا لاختلاف الامكنة. ولكنهم لم يكونوا من الاختلاف بحيث لا يتعارفون ولا يتحاملون. فقد كان بالوطن الجزائري طرق تخترقه وتربط بين هاتيك الاقسام، وتسهل المواصلة بين السكان. ففي كل عام ينتقل أهل الصحراء بمواشيهم الى التل- كما هي الحالة اليوم- وتقع المعاملة بين الفريقين: يأخذ التلي الصوف والتمر، والصحراوي الحبوب.
وبذلك تكونت علاقات بين الشعوب الجزائرية منذ أقدم العصور التاريخية، وتأسست منهم ممالك كبرى ذات نظام وعمران وحضارة.
صيفاقس من ملوك البربر استطاع أن يجند (٦٠) ألفا لمحاربة سبيون الأفريقي، ويوبا الاول جمع لحرب قيصر (٣٠) ألفا راجلا و(٢٠) ألفا فارسا. وفي القرن الثاني (ق. م) كان مصينيسا
[ ١ / ١٦٩ ]
ومصيبسا ويوغورطا ملوكا على ما بين طرابلس ومراكش، وقد يمتد حكم بعضهم الى المحيط الاطلانتيقي.
وقد بلغ من عظمة ملوك البربر أن كانوا احدى العوامل في سقوط قرطاجنة، وغصت بهم رومة رغم اتساع بلعومها لكثير من الاوطان.
وقد كان هؤلاء الملوك يحبون الاستبداد بالسلطة والاستقلال بالإرادة والادارة، لذلك أسلموا قرطاجنة للسقوط وقاوموا رومة حينا من الدهر.
ولملوك البربر نواب في مختلف الجهات يسمون ملوكا أيضا. ويرسلون للمدن عمالا. ومن المدن ما منحوها الاستقلال، ونظمت حسب نظام المدن القرطاجنية، وكان لها قضاة كقضاة مدن قرطاجنة الذين يعرفون بالاشفاط SUFFETE. ومنحت تلك المدن حق ضرب النقود، فكتبت عليها باللسان الفينيقي.
والحكومات البربرية وراثية محصورة في بيوت منهم سواء في ذلك الملوك ونوابهم.
وقد كان بقرطة تجار وعملة من الاغريق والايطاليين. وكان نطاق العمران متسعا. ولكن شمال قرطة كان أوفر حظا. فكانت المدن بتلك الناحية كثيرة عامرة. وتوجد مدن عامرة أيضا وهي في الجنوب منها تفيست، وقد بلغ من عمرانها وكثرة سكانها أنها في سنة (٢٥٠) ق. م تمكنت من اعطاء ثلاثين ألفا من رجالها رهنا على الطاعة لقائد قرطاجني.
وانتشرت الفلاحة على يد مصينيسا. وكثيرا ما مون ملوك نوميديا جنود الرومان بالقمح والشعير في حروبهم بالمشرق أو باسبانيا أو بجزيرة دانيا.
[ ١ / ١٧٠ ]
ولم تزل الجزائر من ذلك الحين صالحة للفلاحة وتربية الحيوانات التي تكلم عليها سالوست. والعمارة الفلاحية كانت تمتد الى حد الجزائر الغربي. وكانت مصيصيليا أغنى من مصيليا رجالا ونتائج أرض.
وكان البربر يفتخرون بكثرة النسل. قال اغسال: " ويرون أفريقية أكثر من غيرها في ولادة التوأم " ومراده بأفريقية ما يشمل الجزائر. ولم يزل هذا الخلق الى اليوم بزواوة. قال أبو يعلى الزواوي: ومن عادات زواوة أنهم " يقلدون المرأة التي أَذْكَرَتْ نوعا من الحلي خاصا بالجبهة " (١).
وبتقدم العمران تقدمت الحضارة. قال اغسال: "ولم يكن جميع من تحت هؤلاء الملوك متوحشين؛ فقد شيدت المباني العجيبة من منازل وصوامع وقصور وقباب ومعابد. كل ذلك على نمط الفن الفينيقي أو الفن الأفريقي المركب من الفنين الفينيقي والاغريقي.