عمر البربر وطنهم الثاني ليبية (المغرب) قبل التاريخ. فلا جرم كانت حياتهم في البساطة شبيهة بحياة بقية أهل العصر الحجري في السكن والملبس والمطعم والمكسب. ولكلنهم ترقوا- وفق طبيعة النشوء والارتقاء- في ذلك. وتأثروا بمجاورة الاغريق اولا ثم بمعاشرة
[ ١ / ١١٠ ]
الفينيقيين. وكانوا أسبق من الرومان إلى الاقتباس من حضارتي هاتين الامتين.
عرف البربر- كسائر البشر- معدن النحاس فانتقلوا من مدنية الححر الحجري الى حضارة العصر النحاسي. ولكنهم لم يلجوا هذا العصر الثاني الا حين اكتشاف معدن الحديد. فاندمج هذان العصران عند البربر في عصر واحد. على أن عصر الحجارة طال امده بدواخل وطنهم. فعاصر الحديد حينا من الدهر.
من الآثار النحاسية المكتشفة بالوطن الجزائري قطع بضواحي مدينة قيصرية، واخرى بضواحي مدينة اقسيوم. ووجدت ايضا صفائح نحاسية بمنزل في مغارة قرب مدينة صلداي، ومعها قطع بصدد التكوين لم يزل بها اثر الفحم. وذلك يدل على انها مصنوعة هنالك وليست منقولة من وطن آخر.
١ - المسكن: كان البربر منهم الرحل اهل البيوت التي يخف حملها مهما ارادوا الظعن لانتجاع الكلأ والعشب بمواشيهم، ومنهم المقيمون اهل القرى والمدن، يتخذون بيوتهم اما من الخشب واما من الحجارة ويغطون سقوفها بالديس او غيره من النباتات. ولهم في هندسة البيوت اشاكال وفي بنائها كيفيات. منها بناء جدارين متوازيين بالحجارة ثم صب الحصا خلالهما حتى يمتليء ما بيهما من الفضاء.
وقد أسس البربر مدنا عظيمة. منها ما طوى عنا التاريخ خبره واعفى كر الغداة والعشي أثره، ومنها ما بقى ذكره مرعيا لو حوفظ على موقعه فلم يزل موضع عمارته مرئيا.
وسنتكلم على ما حفظ التاريخ للبربر من المدن حسبما تدعونا المناسبات.
٢ - الملبس: كان ملابس البربر من الصوف بعد ما عرفوا
[ ١ / ١١١ ]
الحياكة. منها البرنس. وهو ثوب أعلى يسلك في العنق او يوضع على الاكتاف ينسج قطعة واحدة ويترك من أمام مفتوحا، لا يخاط الا ما يقابل الصدر منه. وهو قديم بينهم ومعروف عند غيرهم ايضا. فقد كان لباسه شائعا بين اليونان والرومان. ووصف ابن خلدون برانس البربر بأنها كحل. والبربر معروفون بالمحافظة على العوائد العتيقة فلعل هذا الوصف قديم ايضا. ولم يزالوا حتى اليوم بوطن القبائل ينسجون برانس في غاية المتانة والاحكام. ولونها في الغالب أزرق. فاما ان يكون هذا اللون حدث بعد ابن خلدون واما ان يكون هو الذي تساهل فعبر بالكحولة مكان الزرقة. والعرب تتساهل في الالوان المقاربة.
ومنها القشابية. وهي ثوب اعلى ايضا له اكمام يسلك في العنق ويخاط من أمام، لا يترك منه الا الجيب (الرقبة) ولا يلبس البرنس فوقها الا نادرا. وهي قديمة جدا. وكانت من ملابس الرومان أيضا.
ومنها الكساء. وهو قطعة صوف غير مخيطة يشتمل بها الرجال والنساء اشتمال الصماء. وهو قديم أيضا، ومعروف عند قدماء المصريين. ولم يزل لباسه حتى اليوم شائعا في بعض الجهات. وفي اغلب الوطن الجزائري تفننوا في نسجه ورققوه وزينوه بالحرير فصار من ملابس الزينة يختص به أهل الهيآت ويعبر عنه عرب الجزائر بالحائك.
ومنها السراويل القصيرة او الطويلة، وهي معروفة ايضا عند الغاليين قدماء الافرنج.
ويلبسون غير ذلك جلود الحيوانات بعد دبغها. وهي من ملابس الغاليين ايضا ما زلنا نشاهدها اليوم عند اعقابهم المتمدنين. أما البربر فقد تركوا هذا اللباس من قديم، ولم يحافظوا عليه خلافا لعاتهم في غيره.
[ ١ / ١١٢ ]
وقد احسنوا في رفض لباس يقرب صاحبه في المنظر من الحيوانات الوحشية، ويذكر بأخلاقها في المجتمع صباح مساء.
وكانوا يضعون على رؤوسهم " القنور ". ويرجع عهده الى الالف الثالث او الثاني قبل الميلاد. وقد قدر له ان يعيش - على ثقله حسا ومعنى- هذا العمر الطويل. ولكنه اليوم ادركه الهرم ودب فيه دبيب الفناء ولا ندري متى يحين الوقت الذي يوضع فيه بدار الآثار. وعلى كل حال فلم يكن لباسه عاما. فقد قال ابن خلدون- متحدثا عن عموم البربر-: " ورؤوسهم في الغالب حاسرة وربما يتعاهدونها بالحطق" (١) وذكر عن زناتة- وهم من سكان جيتولية على ما سبق- انهم يلبسون العمائم " يلفون الليت والاخدع قبل لبسها ثم يتلثمون بما تحت أذقانهم من فضلها " (٢) وكان بربر نوميديا لا يحلقون رؤوسهم ويفرقون شعرها غديرتين يرسلون مع كل جانب غديرة.
واتخذوا الحلي من النحاس والفضة والذهب خواتم واساور وخلاخل وغير ذلك.
ولم يغيروا الى اليوم لباسهم القديم الا يسيرا خصوصا البادين منهم.
٣ - المطعم: لا شك ان البربر كانوا قبل معرفتهم للزراعة مقتاتون من لحوم الصيد والحيوانات الانسية وبعض النباتات الطبيعية التي لا تضر بمعدتهم. اما بعد ان عرفوا الزراعة فلا ريب انهم استعملوا من الحبوب ضروبا من الاطعمة، نقلوا بعضها عن غيرهم من الامم. ومن الاطعمة المنسوبة لهم "الكسكس " وهو اليوم من أهم أغذيتهم. يواظبون عليه للعشاء. وقليلا ما يستعملونه غداء. وقد أثروا على عرب الجزائر في اقتياته فصاروا سواسية في اعتماده غذاء لابدانهم.
_________________
(١) ج٦ ص٨٩.
(٢) ج٢ ص١٥.
[ ١ / ١١٣ ]
٤ - الكسب: كان البربر من قديم يكسبون الغنم والبقر والخيل الغنم والبقر لنتاجها وألبانها وغير ذلك من فوائدها، والخيل لركوبها اما للصيد واللهو واما للحرب والغزو.
واشتهر في الفروسية بربر نوميديا. وخيلهم كانت قصيرة سريعة العدو. تصلح لاستطلاع احوال العدو ورد الفارين من الجيش. يلبس الفارس منهم لباسا خفيفا ويحمل سلاحا خفيفا ايضا، ويعتلي صهوة فرسه من غير سرج ولا لجام. وانما يمسك بيد. قضيبا من خشب يصرف به الفرس طوع ارادته. وهذا دليل على حذقهم في سياسة الخيل ومهارتم في تربيتها.
ـ[صورة]ـ
ش- ١ - (رسم فارس نوميدي)
[ ١ / ١١٤ ]
ومن مكاسبهم الابل وهي معروفة قديما بآسيا. ولكنها لم تدخل الوطن البربري الا حوالي سنة ٦٦ (ق. م) قال ابن خلدون: وهي من مكاسب أهل النجعة منهم شان العرب.
وكانت لهم معرفة بالصناعات المعدنية وزراعة الحبوب، فكانوا يزرعون الفول. قال بيروني: ويظهر ان أصله من ارض البربر. ويزرعون الشعير، وهو أكثر فلاحتهم، والقمح وحبوبا أخرى. قال بيروني: ولا نعلم أهذه الحبوب محلية ام مجلوبة؟ وكان بوطنهم العنب والزيتون، ولكنه طبيعي غير مغروس.
وصنعوا من المعادن ما كانوا يصنعونه من الحجارة وبذلك سقطت الصناعة الحجرية الا بدواخل الوطن فقد عاشت وترقت حتى صارت في غاية الاتقان.
واتفقت كلمة من وقفنا على كلامهم من المؤرخين ان البربر لم يتعلموا الغراسة الا من الفينيقيين. اما الفلاحة واستخراج المعادن فقد قال اغسال: ان البربر تعلموهما من قدماء المصريين وسكان جزر البحر الابيض المتوسط. كانوا اولا يقتنون مصنوعات هذه الامم ويستوردونها ثم تولوا صناعتها بانفسهم.