اثبت الباحثون على الآثار ان لهؤلاء القوم ديانة: والديانات اصلها الوحي. فلا بد ان تكون هذه الأمة اخذت اصول ديانتها عن رسول من الرسل.
وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ ثم دخلها التحريف والتبديل والغلو في تعظيم بعض المخلوقات حتى أمست وثنية. ولا أظن أمة تنشأ على فطرتها تكون وثنية تعتقد النفع والاضرار الناشئين عن الاختيار في الشمس او القمر او أي مظهر آخر.
وانما تخضع الامم ذوات الفطر التي لا عهد لها بأي نزعة، للدين الصحيح. فإذا ألفت الاذعان للدين وتمكن منها الايمان بأشياء من
[ ١ / ٧٤ ]
المغيبات، ثم طرأ عليها الجهل- ظهر فيها من الدجاجلة من لهم اغراض شخصية يعملون لتحصيلها باسم الدين والدين هداية عامة لا آلة يستخدمها اصحاب الغايات الذميمة لبلوغ غاياتهم. لا جرم اضطر كل دجال من البشر في أي عصر الى تحريف الدين بالغلو احيانا والابتداع تارة. واذ ذاك يغرس اشجار الوثنية في تربة الجهل الثرية، تسقيها تلك الأمة الجاهلة بخيالاتها واوهامها حتى تعظم وتنتشر فتحجب شمس الدين الصحيح وتغطي بدور العقول النيرة.
وفي ظلام هذه الاشجار الحالك تعيش الأمة عيشة وثنية: لا هي من الانعام عديمة الشعور بغير حاجتها الى ما يحفظ حياتها الاولى، ولا هي من البشر تحكم العقل وتتقاضى اليه فيما تأتيه من ضروب الاعمال. ﴿أولئك كالأنعام بل هم أضل سبيلا﴾ (*).
أما الديانة التي عرفها الاثريون لقدماء الجزائر فهي عبادة الشمس والقمر (وهما من معبودات المصريين)، وعبادة بعض الحيوانات منها القرد والثور والكبش والتيس. وجد بجبل بني راشد تمثال يدعى "أتون" كانوا يتخذونه الهًا وهو صورة تيس على رأسه دائرة الشمس.
وكانوا يعظمون الحيون والاشجار والجبال، ويحترمون الاموات يشيدون لهم قبورا ضخمة.
وقد وقع شعبنا فيما يقرب من هذه الوثنية "والتاريخ يعيد نفسه" فمن آثار عبادتهم للشمس ان الولد حينما يثغر وتسقط سنه يرمي بها الى الشمس، ويقول لها في بعض الجهات الشمالية "أعطيتك فضة أعطني ذهب" وفي بعض الجهات الجنوبية: "أعطيتك سن حمار أعطيني سن غزال".
ومن تعظيمهم لبعض العيون انهم يتبركون بمياهها ويستشفون بالشرب منها ويرجون منها النسل ويقربون لها القرابين الدجاجية.
_________________
(١) (*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: هكذا في المطبوع، وليست الآية الكريمة هكذا، بل: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤]
[ ١ / ٧٥ ]
ومن تعظيمهم لبعض الاشجار انهم يجتنبون قطعها واحتطاب ما سقط من عيدانها ويعلقون بها الخيوط رجاء ان تقضي حاجاتهم، كما يعلق احدنا باصبعه خيطا كي يذكر به ما يخشى نسيانه.
ومن تعظيمهم للجبال تقديم النذر من الاطعمة والانعام لبعض الكهوف وزيارتها زرافات ووحدانا. وتطييب رائحتها بالبخور ومياه الرياحين. وقد يتأولون ذلك بأن احد الصلحاء مر بهذا الكهف او جلس عنده. وعلاوة على كون هذا التأويل غير مبرر لفعلهم فان الصلحاء جلسوا في غير الكهوف أيضا ومشوا في السهول والبسائط.
اما تشييد القبور الضخمة للاموات واتخاذ الحرم لها فقد بالغوا فيه اكثر مما تقدم واربوا في ذلك عن كل امة حتى صاروا يشيدون القباب لا على ضريح ولا على أثر من مواقع اقدام صلحائهم. وشرح هذا المقام يوسع دائرة خروجنا عن موضوع الكلام.
وكان قدماء الجزائر يعتقدون بحياة أخرى غير الحياة الاولى، ويرون ان الميت في قبره اكمل منهم علما.
يدل على ذلك ما تقدم من ان منهم من يضع الميت في قبره جالسا ملتصقا بطنه بفخذيه ولحاه بركبتيه، يمثلون بهذا الوضع هيئة الجنين في بطن أمه. كأنه بموته ولد في عالم آخر، ولذلك يضعون معه أطعمة واشياء من الزينة. وإذا اهمهم أمر لم يهتدوا الى وجهه استشاروا الموتى من أسلافهم:
ينام أحدهم على قبر سلفه وما رآه في منامه عمل بمقتضاه في يقظته وللجزائريين اليوم حظ وافر من هذه العقيدة المباركة على الانحطاط والتقهقر.
[ ١ / ٧٦ ]
ـ[صورة: نقوش من تاسيلي]ـ
[ ١ / ٧٧ ]
ـ[صورة: زرافة من تاسيلي]ـ
[ ١ / ٧٨ ]