كان البربر مقتنعين- منذ نزلوا ليبية- في حياتهم بما منحتهم الطبيعة من خصب اراضيهم التي كانت - على كثرتهم ووفور عدد قبائلهم- تفي بحاجتهم وحاجة حيواناتهم. فلم يكن لهم من غرض في استعمار وطن آخر، ولا بلغ بهم الجشع ان يسفكوا دماء محترمة، ويصبغوا بلونها القاني ترابا تنبسط نفوسهم من بعد للتمتع فوقه بخيراته وجهود ابنائه المظلومين. وانما كانت تقع منهم بعضهم على بعض هجومات
[ ١ / ١١٥ ]
اما لصيانة حرمة انتهكت واما لدالة الشرف حيث يكون منهم ذو عزة بعشيرته فيريد ان يفرض سيادته على جيرانه. وهي سيادة ادبية شرفية غير مشوبة بطمع في مغرم او انتزاع ارض.
لذلك لم يكن لهم في القديم ملوك عظام ودول فخام وانما كان منهم امراء على قبائل وسادات على عشائر.
وكانت السلطة المنزلية بيد الرجل ولذلك كانت انسابهم تابعة لآبائهم لا لامهاتهم، وروى هيرودوتس (١) - على ما ذكر الكعاك- ان نظام الامومة كان أيضا حالة من حالات المجتمع البربري. تكون السلطة فيه للام، والاب غير معترف به شرعا والابناء تابعون لخالهم في الميراث، وعى هذه الرواية يكون البربر اسبق الامم الى الاعتراف بحرية المرأة. ويؤيدها ان ابن خلدون ذكر قبائل منهم تنتسب الى امهاتها. وذكر رين قبائل عبر عنها بأولاد امهاتهم. وقد بقي أثر ذلك اليوم عند "اليقاشين"، فانهم اذا حسبوا لمريض او غيره توصلا للغيب عدوا حروف اسمه واسم امه دون أبيه. وكذلك إذا رقوا لاحد رقيتهم كتبوا بها اسمه واسم امه لا ابيه.
ونحن- إذا أيدنا وجود نظام الامومة قديما- لا نريد انه عام بين البربر بل خاص ببعض الاوساط ونظام الابوة هو الغالب.
قال مرسيي: " ومن غير شك ان لكل قبيلة قوانين تخضع لها. ولم يزل أثرها الى اليوم في وطن القبائل ".
وقال أغسال ويؤخذ من الكتابات الحجرية الاثرية ان فراعنة مصر كانت لهم علاقات بالليبيين وكان الليبيون ينتهزون فرصة ضعف الفراعنة ليغيروا على سواحل النيل ويملؤا ايديهم من الغنائم. واحيانا يكونون
_________________
(١) مؤرخ يوناني شهير يلقبونه شيخ التاريخ وأبا التاريخ عاش قبل الميلاد بنحو ٤٥٠ سنة.
[ ١ / ١١٦ ]
جندا مرتزقين لدى الفراعنة. وفي القرن الرابع عشر والثالث عشر (ق. م) كادوا يستولون على مصر.
هذا كلام أغسال. وهو- وان كان تاريخه خاصا بالجزائر- لا يصح حمل كلامه هذا على الجزائريين. وان كانت الجزائر من ليبية. وانما يصدق على البربر المجاورين لمصر. اما بربر الجزائر فان لهم من وطنهم ما يغنيهم عن مزاحمة القبط على النيل.
لذلك عاشوا دهورا متمتعين بلذة البساطة في مجتمعهم اغنياء عن النظام الدولي، اذ لا تحتاج إليه الا امة اضطرها ضيق عيشها الى تعدي بعضها على بعض او التوسع على حساب أمة أخرى.
عاش بربر الجزائر ما شاء الله ان يعيشوا في راحة من تحمل عبء الملوك ودالتهم، اعزاء عن الخنوع لشهوات الامراء وجبروتهم حتى الجأتهم حروب قرطاجنة مع رومة الى تجشم مرارات النظام الدولي.
ايقظتهم تلك الحروب الى أن من الامم ما لها مطامع في استعباد غيرها.
فضخموا ملكهم ووحدوا امارتهم كي يحفظوا وطنهم من عاديات عشاق الزعامة العامة والسيادة السامة. وكان منهم اذ ذاك ملوك سنأتي- ان شاء الله- فيما بعد على تفصيل حياتهم وبيان اعمالهم الجليلة بقدر ما تسمح به المادة التي بأيدينا.