علمت مما سبق في هذا الباب ان من ملوك البربر من استولى على جميع التراب الجزائري بل على أغلب افريقية الشمالية، ومنهم من استولى على بعضه؛ ودخل الباقي في حوزة ملك آخر، وقد بلغ أحيانا أن تقاسم هذا الوطن أربعة ملوك. لا جرم تعددت عواصمهم بتعددهم. ولكن لم نعثر- بعد البحث- الا على ما يلي من تلك العواصم:
١ - قرطة (CIRTA) .. وكانت عاصمة نرفاس وأكثر الملوك من بعده. ولا نعلم تاريخ تأسيسها. ولكن من المحقق أن البربر أسسوها على عهد الفينيقيين، وأطلقوا عليها ذلك العلم الفينيقي. ومعناه المدينة (١) فسرها كذلك اغسال.
هذه المدينة واقعة على جبل حجري مرتفع، يحيط به وادي مساغا (وادي الرمل) من أغلب جهاته وقد وصفها سترابون المؤرخ الروماني بأنها قلعة ممتنعة على من رامها. وذكر المؤرخ ابيان: ان
_________________
(١) بعض الكتاب يكتبها سرتا، تبعا للنطق الافرنجي. ونحن اخترنا ان نكتبها قرطة- وأت لم نر من كتبها كذلك- لان حرف (C) عربه العرب قافا في مثل صقلية وقيصر وقالوا أيضا: قرطاجنة. وهي مركبة من كلمتين أولاهما قرطا. ومعناها ايضا المدينة.
[ ١ / ٢٣٤ ]
مصيبسا حصنها تحصينا لا يمكن معه لاحد ان يفتحها عنوة. وقال البكري: ليس يعرف أحصن منها. ويدل لذلك ان يوغورطة عكف على حصارها مدة عامين. ولولا المجاعة ما وجد سبيلا لفتحها. والوندال لم يتمكنوا من فتحها، وهم الذين فتحوا قرطاجنة ورومة. كما سيأتي.
استمرت هذه المدينة على عهد الملوك الاولين من البربر في تقدم ورقي من حيث التجارة والبناءات الانيقة والمعارف. فكثر روادها واتسع عمرانها، ثم نقصت من قيمتها وعمارتها كثرة الفتن على عهد هيمصال الثاني.
ولما منحها قيصر لستيوس أخذت في النمو. وازدهرت في العصر الروماني بكثرة السكان وسعة العمران وفنون العرفان. وفي أوائل القرن الرابع للميلاد وقعت حرب بين قسطنطين ومكسنتيوس فدخلها هذا الاخير وعاث فيها فسادا بقتل السكان وسبيهم واحراق المدينة.
وبعد ان غلبه قسطنطين جدد بناءها، وأعاد على الناس أموالهم، ونشط الفلاحة. فعادت اليها عظمتها وعمرانها. وما زالت شمسها تبزغ وتأفل. وهي لهذا العهد كثيرة المباني واسعة العمران. كل سنة تزداد سعة. ولكن ما زالت لم تبلغ حدودها التي كانت عليها في العصر الروماني.
بقي لها اسمها الفينيقي حتى جاء ستيوس فدعيت "مستعمرة ستيوس" يريدون بالمستعمرة المدينة. واطلقت عليها اعلام اخر. ولكن كلها لم تزاحم اسم قرطة ولم تبلغ شهرته. حتى جددها قسطنطين. وكانت له اخت تدعى قسسطنطان. فسمى المدينة باسمهاه وعلق من ذلك الحين هذا العلم بها. وجر ذيل النسيان على ما
[ ١ / ٢٣٥ ]