البربر يسمون لغتهم " تماشغت " ولهم لهجات مختلفة. ففي ابن خلدون: ان زناتة منهم لها رطانة خاصة بها. ونرى اليوم فرقا بين لغة زواوه احدى بطون ضريسة، ولغة مصاب (مزاب) من زناتة وغيرهم.
اما أصلها فهو تابع لاصل الناطقين بها. ويقول بيروني: انها غريبة مجهولة الاصل، كما ان البربري نفسه مجهول النسب.
[ ١ / ١١٧ ]
والصواب خلاف ما يقول فقد قدمنا ما عليه محققو المؤرخين من ان البربر جنس حامي. ووطنهم الثاني (ليبية) ساكنهم به طوائف من أمم مختلفة. واذن فاللغة البربرية حامية الاصل مشوبة بعدة ألفاظ من الفينيقية وغيرها من لغات الامم التي جاورتهم او استولت عليهم.
والبربرية تخالف اللغات السامية في انها يسوغ فيها الابتداء بالساكن واجتماع الساكنين فاكثر وتقديم المضاف اليه على المضاف. وتوجد فيها كلمات مركبة تركيبا مزجيا وليست اعلاما. وقد ينقلب فيها الفعل اسما والاسم فعلا. ولا كذلك اللغات السامية.
يقول رين: ان اللغة العربية واللغة الفرنسية استعارتا الفاظا من البربرية. وسرد تلك الالفاظ التي يدعى اصالتها في البربرية. وهو ان كان يريد ذلك في العصور الاخيرة فلا منازعة، وان كان يدعي ذلك في القديم فلا انازعه في ذلك بالنسبة الى اللغة الفرنسية فقد يساعده التاريخ على ذلك لان بربر نوميديا مكثوا مع حنبعل القرطاجني سنين بالغاليا وغيرها من جنوب أروبا، واختلطوا بهم في جيش قرطاجنة أيضا واللغات اذ ذاك ضيقة تحتاج الى النقل فلا يبعد ان يكون قدماء فرنسا أخذوا من البربرية.
اما العربية فبعيدة جدا عن البربرية. ولا يعلم في التاريخ وقوع اختلاط بين هاتين الامتين الا ما كان من غزو افريقش لليبية (١). ولكن ذلك لا يؤيد دعوى رين لان المغلوب هو الذي ينقل عن الغالب. على ان علماء العربية تكلموا في الدخيل واعتنوا بتمييزه حتى خصه بعضهم بالتأليف. ولم يذكروا منه كلمة بربرية.
_________________
(١) مما يثبت غزو افريقش لليبية ما ذكره ابو يعلى في كتابه تاريخ الزواوة (ص٢٢) انه راى في المجلة الاسيوية ان علماء الاثر اكتشفوا الخط الحميري منقوشا على حجر في بعض قرى أفريقية.
[ ١ / ١١٨ ]
ان من الالفاظ التي ذكرها رين بربرية نقلت الى العربية ما هو عربي حقيقة. فان كان موجودا في البربرية فهو دخيل فيها بعكس دعواه وتكون تلك الالفاظ موروثة عن قبيلتي كتامة وصنهاجة العربيتين.
كانت اللغة البربرية- كغيرها- ساذجة بسيطة ثم تطورت مع الزمان وتأثرت بما كان يجاورها من اللغات الراقية. وخصوصا الفينيقية. وكان لها ادبها وبلاغتها والفت بها التآليف العلمية قبل الاسلام وبعده.
وكان للبربر خط خاص بهم، وحروفه تمثل شيئا من اشياء الكون مثل الشمس والهلال والبرق. وتدل على معنى موافق اما لصفة ذلك الشيء مثل السرعة للبرق واما لفائدته مثل الحرارة للشمس.
كان هذا الخط في القديم يتركب من عشرة حروف يسمونها "تيفيناغ " ومعنى هذه اللفظة الحروف المنزلة من عند الاله، لانهم كانوا يعتقدون انها ليست من وضع البشر. ويتركب من خمسة اشكال يسمونها " تد باكين " ومعناه: الدليل على العمل والتوسع. ويعتقدون انها من وضع البشر.
حروف تيفيناغ هي التي تفيد المعاني، وحروف تيدباكين اما لضبط تلك الحروف او توكيد معنى حرف منها.
وكانت حروف الامم قديما مثل الاغريق واللطين عشرة ايضا. وذلك ان الانسان يخترع على قدر حاجته. وفي بدء عهده بالحياة كانت دائرة افكاره ضيقة، والمعاني التي يعبر عنها قليلة. فكانت هذه الحروف - على قلتها- وافية بحاجته.
[ ١ / ١١٩ ]
وهذه صورة حروف تيفيناغ القديمة مفسرة بما يوافقها أو يقاربها
من الحروف العربية:
ـ[رموز]ـ
ن ل م ر س ي ت ر د ج ب
وهناك حروف احدث منها وهي:
ـ[رموز]ـ
ز مخرجه بين ز (و) س ث ش وقد يكتب هكذا
وهذه صورة حروف تيد باكين:
١. هذه الشكلة حركة. والاكثر ان تكون فتحة.
٢: هذه الشكلة واو مد غالبا.
٣.: هذه الشكلة تؤكد معنى حرف الجيم.
٤:: هذه الشكلة لا نظير لها في العربية.
٥:: هذه الشكلة حرف هجائي وحركة معا. ولا نظير لها في
[ ١ / ١٢٠ ]
العربية وتوجد غير ما سبق حروف احدث من تلك تختلف باختلاف القبائل معنى ومخرجا. ومن حروف تيفيناغ ما تصرفوا فيه من بعد، كما ان تلك الاشكال صيروها من بعد كحروف هجائية.
وترتيب الحروف الهجائية في الوضع مجهول لم يهتد اليه الباحثون من طريق النقل، وانما ظنوا انها كانت ترتب حسب معانيها.
ويقول رين: المظنون ان اللطينيين أخذوا حروفهم عن البربر لانهم يسمون حروفهم الهجائية " المنتا " وحروف ل، م، ن،! هي الاولى في الحروف البربرية.
وليس للبربر في القديم نظام في الكتابة: يكتبون من اليمين الى اليسار، ومن اليسار الى اليمين، ومن أعلى الى اسفل، ومن اسفل الى أعلى. ولما جاء العرب أثروا بنظامهم وصاروا يكتبون من اليمين الى اليسار. وبطول المدة نسي المختلطون بهم الحروف البربرية وصاروا يكتبون لغتهم بحروف عربية. ولم تعش حروفهم الا بين الملثمين في مجاهل الصحراء فانهم لم يزالوا يكتبون بها الى هذا العهد.