جاورت قرطاجنة البربر واحسنت جوارهم بما كانت تنقل الى وطنهم من حضارات الامم. وما كانت تنشره بينهم من جهود ابنائها التجارية والفلاحية والصناعية وغيرها. وكان في استطاعتها ان تكون من شمال أفريقية دولة عظيمة ثابتة الاركان بسلاحي الترغيب والترهيب. كما فعل من بعدها الرومان. وكانت هي أقوى منهم واقرب. ولكن الجنس السامي- وخصوصا الفينيقيين أسمى من ان يكون سفاكا للدماء غدارا بالوعود.
حاولت قرطاجنة ان تتوسع في وطن البربر. ولكن من غير اراقة دماء غزيرة. فتوسعت حيث لم تجد معارضة حربية قوية. واكتفت بربط الصلات حيث وجدت صلابة. وقد رأت من صلابة نوميديا انها لا تخضع الا بعد اهوال وحروب طوال. فلم تتعنت في فتحها نعنت الرومان من بعد. واكتفت باستجلاب مودة اهلها كي تستعين بهم عند الاقتضاء. فنظمت من فرسانهم جيشا كان له الاثر المحمود في حروبها.
وليس لقرطاجنة حروب مذكورة مع البربر الا ما كان من ثورة الجند والانتصار لاعدائها الرومان.
والمذكور من حروب قرطاجنة هي حروبها مع اليونان بصقلية، وحروبها من بعد مع الرومان.
ولم يكن البربر بعداء عن هذه الحروب خصوصا النوميديين.
بل كانوا يخوضون لججها لفائدة قرطاجنة. وقد ينقسمون الى مناصر لها ونصير لاعدائها.
ونحن نقص خبر هذه الحروب بايجاز لانها لم يقع منها بالوطن
[ ١ / ١٤٦ ]
الجزائري الا القليل. فعلاقتها بتاريخ الجزائر من هذه الجهة من حيث وجود اليد النوميدية فيها ومن حيث ان عاقبتها مجيئ الرومان مكان قرطاجنة واستيلاؤهم على الجزائر.
نقتصر في هذه الفصول على أهم حوادث تلك الحروب. وفي الباب التالي- ان شاء الله- نبسط ما كان منها بالوطن الجزائري.
تعرف حروب قرطاجنة مع اليونان بحروب صقلية، وحروبها مع الرومان بالحروب البونيقية.