كان قدماء البربر يعتقدون وجود اله يسمونه " عمون " ولكن يرون انه ليس له وجود مستقل، وانما هو روح تحل ببعض الكائنات مثل الشمس والقمر والرعد والبرق وغيرها.
لذلك كانوا يعبدون تلك المظاهر وهي ترجع الى ثلاثة أصول:
١ - الكواكب: كانوا يعبدون منها الشمس والقمر. ويمثلون الشمس بقرني الثور. وقد يتخذون لقرصها تمثالا يضعونه على رأس صورة تيس كما دلت على ذلك الآثار.
٢ - الحيوانات: كانوا يعبدون منها الثور وهو في المنزلة الاولى
[ ١ / ١٢١ ]
من الاهمية، والكبش، وهو في الدرجة الثانية. ويعبدون سواهما الافعى والبوم والحمام والطاووس والسلحفاة والضفدع والقرد والهر.
٣ - الروحانيات: كانوا يعتقدون وجود ارواح كالجن في بعض العناصر الطبيعية كالعيون والاحجار والاشجار فيعبدونها ويتوسلون بها الى نيل ما عجزت عنه قواهم البشرية.
قال البكري في خاتمة كتابه المغرب: "وبنو ورسيفان من البربر إذا ارادوا الحرب تقربوا بذبح بقرة سوداء للشماريخ. وهي عندهم الشياطين- ويقولون: هذا ذبح للشماريخ. ويفتحون اوعيتهم في تلك الليلة من الطعام والعلف. فلا يكون لها وكاء ولا سداد. ويقولون: هذا طعام وعلف للشماريخ، فإذا غدوا للقتال توقفوا حتى يروا زوابع الريح. فيقولون قد جاءت الشماريخ اولياؤكم لنصرتكم. فيحملون عند ذلك. فينتصرون بزعمهم ويقولون: ان ذاك لا يخطيهم (١) ".
ونظير ما ذكره البكري ما هو موجود اليوم من ان الناس إذا عز طيهم المطر في فصلي الربيع والخريف لم يستسقوا الاستسقاء الشرعي بل يتقربون بذبح البقر او غيره من الانعام لقبر من القبور التي يعتقدون صلاح صاحبها بالسماع من اسلافهم العوام، ويطعمون الطعام. ويسمون ذلك "زردة سيدي فلان " فإذا اغاثم الله بالمطر نسبوا ذلك لبركة ذلك السيد وانه رضي عنهم. وكثير من عقائد الاقدمين الوثنيين لم تزل رائجة بين الجهال البسطاء وعوام المتعلمين. وانما صبغت بلون آخر.
ان عبادة الكواكب والحيوانات والروحانيات امر شائع بين الامم المتقدمة، وقدر مشترك بين الوثنيين، وانما يختلفون في تفاصيل المعبودات وكيفيات العبادات.
_________________
(١) المغرب ص١٨٨ - ١٨٩.
[ ١ / ١٢٢ ]
ونحن نجهل- لفقدان المصادر التاريخية- نظام ديانة البربر وشعائر عبادتهم على وجه التفصيل. ولكن من المحقق انهم كانوا- كغيرهم- يتقربون الى آلهتهم بالقاء انفسهم في النار.
والوطن البربري- كما قدمنا- معمور بأمم مختلفة ولغته مزيجة من لهجات. فديانته، كذلك مركبة من عدة ديانات. ومنها ما يشبه ديانة قدماء المصريين. ومنها ما أخذوه عن الفينيقيين ومنها ما نقلوه عن الرومان وكلها ديانات وثنية. وكانت بينهم طائفة اسرائيلية غير وثنية. ولكن نظام معابدها- كما قدمنا- مخالف لنظام يهود المشرق.
ومع انفعال البربر بديانات الامم المجاورة لهم فهم يحافظون على روح عقائدهم الاولى ولا يرفضون منها الا قليلا. ولا يعرف التاريخ دينا غيَّر العقائد وابتعد بها عن الوثنية واعتمد على العقل مثل الدين الاسلامي ومع ذلك لم يطهر البربر من كل ما كانوا عليه. ولكن ما دامت مصادر الدين باقية ومنابعه صافية فليس الذنب ذنب العامة، بل الوزر كل الوزر على كاهل العلماء الجبناء والمدعين للصلاح من الجهلاء.
[ ١ / ١٢٣ ]
أفريقية
(لامبيز)
[ ١ / ١٢٤ ]
الحفرة
(قسنطينة)
[ ١ / ١٢٥ ]