الفصل الأول: الأوضاع السياسية في الجزيرة العربية عقب وفاة النبي
الأوضاع السياسية في المدينة:
التعريف بأبي بكر:
هو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب١، ويلتقي بنسبه مع النبي في مرة، كان يسمى في الجاهلية عبد الكعبة، فسماه النبي عبد الله، ولقبه بـ"عتيق" لحسن وجهه، وعتقه من النار٢، وبالصديق؛ لأنه بادر إلى تصديقه لا سيما صبيحة الإسراء٣. أبوه عثمان، ولقبه أبو قحافة، وأمه سلمى بنت صخر بن عمرو بن عامر بن كعب بن مرة، وكنيتها أم الخير٤.
ولد أبو بكر في مكة بعد عام الفيل بعامين وأشهر، وهو من سراة أهلها، عالمًا بأنساب العرب وأخبارهم٥، عمل بزازًا يتاجر بالثياب، وهو أول من أسلم من الرجال، وسرعان ما ترك التجارة بعد إسلامه، وتفرغ للدعوة الإسلامية مع النبي.
اشتهر أبو بكر بالعفة والخصال الحميدة، لم يشرب الخمر التي كانت متفشية في المجتمع الجاهلي، زاهدًا متواضعًا في أخلاقه ولباسه، ومطعمه ومشربه سخيًا كثير البذل والعطاء، لينًا، رقيقًا، بعيد النظر، ثاقب الفكر، حازمًا في اتخاذ القرارات، أعتق سبعة من المسلمين كانت قريش تعذبهم، منهم بلال من رباح وعامر بن فهيرة، أسلم بدعوته كثير من العرب الذين افتخر بهم الإسلام، مثل عثمان بن عفان، والزبير بن
_________________
(١) ١ الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير: تاريخ الرسل والملوك، ج٣ ص٤٢٤، ٤٢٥. ٢ ابن هشام، أبو محمد عبد الملك بن هشام: السيرة النبوية على هامش الروض الأنف لأبي القاسم عبد الرحمن السهيلي، ج١ ص٢٨٧. ٣ الطبري: ج٣ ص٤٢٥، العسقلاني، الحافظ شهاب الدين المعروف بابن حجر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري ج٨ ص٨. ٤ الطبري: المصدر نفسه. ٥ ابن هشام: ج١ ص٢٨٨.
[ ١٣ ]
العوام وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله١.
كان إيمان أبي بكر بالنبي شديدًا، صدقه في صباه، ورافقه عندما هاجر إلى المدينة، فهو المقصود بقوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوب: ٤٠] .
وعندما استقر النبي في المدينة كان أبو بكر ساعده الأيمن، وقد خصه بمزايا لم يخص أحدًا بها، وقدر له منزلته، وأشاد بذكره كثيرًا: "ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه إلا أبا بكر، فإن له عندنا يدًا يكافئه الله ﷿ بها يوم القيامة"٢، "ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت له فيه كبوة، غير أبي بكر، فإنه ما عكم"٣.
روى أبو بكر مائة واثنين وأربعين حديثًا عن النبي، معظمها في حق الأنصار. وعندما قال النبي في آخر خطبة له: "إن عبدًا من عباد الله خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار الله"، فهمها أبو بكر وعلم أن النبي إنما يريد نفسه، وأن وفاته قد حانت؟ بكى وقال: "نفديك بأنفسنا وأبنائنا"، فقال: "على رسلك يا أبا بكر، انظروا هذه الأبواب الشوارع اللافظة في المسجد، فسدوها، إلا ما كان من بيت أبي بكر، فإني لا أعلم أحدًا كان أفضل عندي في الصحبة يدًا منه"، وفي رواية أنه قال: "إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن إخوة الإسلام؛ لا تبقى خوخة في المسجد إلا خوخة أبي بكر" ٤.
_________________
(١) ١ ابن هشام: ج١: ص٢٨٨، ٢٨٩، ج٢ ص٦٧، ٦٨. ٢ فنسك: المعجم المفهرس لألفاظ الحديث ج٧ ص٣٥٤. ٣ عكم: تردد. ٤ الطبري: ج٣ ص١٩٠، ١٩١.
[ ١٤ ]