تعريف الإدارة:
الإدارة لغة من أدرت فلانًا على الأمر إذا حاولت إلزامه إياه، وأدرته عن الأمر إذا طلبت منه تركه١، أما اصطلاحًا فالإدارة فن يعتمد على الصفات الذاتية، والمواهب الشخصية للمدير، ولكنها من حيث الاعتماد على الصفات العلمية فهي علم، ولم يتبلور ذلك إلا مؤخرًا حين أضحت الدولة تقوم على أساس الخدمة العامة لا
_________________
(١) ١ ابن منظور: لسان العرب ج٤ ص٢٢٩.
[ ٣٢٧ ]
السلطة، وبعد أن شمل نشاطها الأحوال الشخصية للأفراد، فبدأت الدراسات الحديثة بالظهور، المتعلقة بكيفية تنظيم أجهزة الدولة، واختيار الحكام، واكتشاف مبادئ الإدارة العامة التي تكفل أداء الوظائف الحكومية في أقصر وقت، وأقل كلفة وبأقصى فاعلية، لكن الإدارة موجودة منذ وجود الدول والمجتمعات الإنسانية، فكل تجمع إنساني يقيم على أرض واحدة، له مصالح مشتركة، لا بد له من قيادة ترعاه وتسوس أمره، بالقدر الذي تتمتع به من الكفاءة، والمقدرة الشخصية.
والإدارة العامة هو فن تنظيم، وإدارة القوى البشرية، والمادية لتحقيق الأهداف الحكومية، وهي جزء لا ينفصل عن نشاط كل جماعة منظمة، وتكون جانبًا من عمل الحاكم، وتشمل كافة الواجبات، والوظائف التي تختص أو تتعلق بإدارة المشروع، من حيث تمويله ووضع سياسته الرئيسة، وتوفير ما يلزمه من معدات وإعداد الإطار الذي يعمل فيه، واختيار الرؤساء والأفراد القياديين، وذلك للوصول إلى الهدف بأحسن الوسائل وأقل التكاليف، في حدود الموارد المتاحة ويحسن استخدامها، فالإدارة إذن، تتكون من جميع العمليات التي تستهدف تنفيذ السياسة العامة١.
تطور الإدارة العامة:
ظهرت الإدارة الإسلامية بعد تأسيس الدولة في المدينة، حيث اكتملت أركانها بتوفر الأرض ووجود الشعب، وقيام السلطة بأنواعها التشريعية والقضائية والتنفيذية، متمثلة بشخص النبي محمد ﷺ القائد، والمؤسس الأول لدولة الإسلام، فكان يقضي بين الناس ويفتيهم، وينظم شئون الدولة من واقع هيكل تنظيمي للوظائف المختلفة.
وبرزت في عهد أبي بكر الذي تسلم الحكم بعد وفاة النبي محمد ﷺ، مشكلات سياسية، وإدارية بما واجهه من ارتداد العرب، واهتمامه بالقضاء على مظاهر تلك الردة، بل إنه أنفذ جيش أسامة، وبدأ بتنظيم الجيوش لمحاربة المرتدين، وبعد أن قضى على كل مظهر للردة، ورأب الصدع، وثبت دعائم الدولة، ووطد الأمن في أرجائها؛ وجه جيوش الفتوح إلى العراق، وبلاد الشام.
واستلم عمر إدارة الدولة بعد وفاة أبي بكر، وقد أحاط بها الأعداء من كل جانب، وبخاصة الدولتان الفارسية والبيزنطية، فانتدب الناس لمحاربتهما، وانتصر المسلمون عليهما، وفتحوا العراق وفارس وبلاد الشام ومصر، فاتسعت بذلك رقعة الدولة، واختلط العنصر العربي بالعنصر الأعجمي من سكان البلاد المفتوحة، وتدفقت
_________________
(١) ١ القريشي، غالب بن عبد الكافي: أوليات الفاروق في الإدارة والقضاء ج١ ص٥٣، ٤٥.
[ ٣٢٨ ]
الأموال على المدينة من الغنائم وغيرها؛ مما أدى إلى بروز مشكلات كثيرة تطلبت حلا، لعل أهمها: إدارة الولايات خارج الجزيرة العربية، استمرار الفتوح أو توقفها ريثما يتم استيعاب ما أنجز منها، توزيع الغنائم على المقاتلين بعد تدفق الأموال الكثيرة، إدارة أراضي الفتح، وغيرها من المشكلات، كتأسيس المدن في بعض الجهات على شكل معسكرات كالكوفة، والبصرة في العراق والفسطاط في مصر، أما اختلاط العنصر العربي بالعنصر الأعجمي، فلم يشكل مشكلة حقيقية، بخاصة بعد إسلام هؤلاء، إلا من حيث اللغة، فرأى عمر أن يقطن العنصر العربي في المعسكرات المنشأة ليحافظ على لغته وعاداته، وكان تدفق الأموال الكثيرة من الغنائم وغيرها قضية جتديدة تطلبت حلًا مرنًا لتصريفها، فأنشأ عمر بيتًا خاصًا للمال الوارد، واختص هو بمسئولية القيام عليه، وتصريفه في وجوهه، ودون الدواوين لذلك، وأمر بإنشاء دواوين في عواصم الولايات، وفرض الأعطيات، فشمل العطاء كل فرد في الدولة ابتداء بقرابة النبي، وأزواجه وانتهاء بكل مسلم، وفرض لكل مولود ولد في الإسلام عطاء، وجعل ذلك كله في ديوان منظم، وحل قضية الأراضي المفتوحة من واقع إبقائها بيد أصحابها المحليين لكنه وضع الخراج عليها ليكون ذلك موردًا ماليًا دائمًا لبيت مال المسلمين، ولما رأى عمر سرعة انتشار الفتوح، قرر التوقف عند حدود معينة ريثما يتم استيعاب ما فتح١.
التقسيم الإداري للدولة:
اتسعت الأراضي الإسلامية في عهد عمر اتساعًا كبيرًا مما اقتضى وضع تنظيم محكم حتى تسهل إدارتها، والإشراف على مواردها، والمعروف أن الخطوة الأولى لنظام الحكم، والتي يتفرع منها جميع التنظيمات هي تقسيم الدولة إلى ولايات أو أقاليم، وعين عمر أميرًا حاكمًا على كل ولاية يتحمل تبعات الحكم، ويكون نائبًا عنه، ويمضي الوقت، أدرك أن الولاة لا يستطيعون القيام بكل الأعباء التي تتطلبها الولاية، ففصل القضاء عن اختصاص الولاة، وعين قاضيًا على تلك
الولايات، وكان يمدهم بتوجيهاته، وخصصهم بالأرزاق، وقد تنقسم الولاية
أحيانًا إلى وحدات محلية تتبع الوالي أو الأمير، كما كان يطلق عليه، وكان نظام الولاية صورة مصغرة في هيكليته لنظام المدينة المنورة المركزي، فإلى جانب الوالي كان القاضي يتمتع بسلطة واسعة، وغالبًا ما كانت له صفة استقلالية، ثم صاحب بيت المال، وصاحب الديوان المسئول.
_________________
(١) ١ انظر القريشي: ج١ ص٧٩-٨٤.
[ ٣٢٩ ]
المباشر عن مرتبات الجند، ولا بد من الإشارة إلى أن حاكم الولاية هو في الوقت نفسه قائد الجيش فيها، وكان يختار أعوانه القادة، ويشارك في الحملات العسكرية أو ينتدب ممثلًا عنه، وذلك بالتنسيق مع الحكومة المركزية في المدينة المنورة١.
أقر عمر النظم الفارسية في ما يختص بالتقسيمات الإدارية في العراق وفارس، فأبقى عليها، وكانت هذه التقسيمات تعرف بالرساتيق٢، والواقع أن الأراضي الفارسية كانت تنقسم إلى ثلاثة أقاليم كبيرة باستثناء العراق هي: خراسان وأذربيجان وفارس، ثم قسم العراق إلى مصرين أي ولايتين كبيرتين هما الكوفة، والبصرة بعد تأسيسهما، كما أبقى على التقسيمات البيزنطية في بلاد الشام، وكانت تسمى نظام البنود٣، وطبقه في بعض النواحي التي لم يكن موجودًا فيها من قبل، وعرف هذا النظام باسم الأجناد، كما أبقى على ما كان في مصر من نظام الكور٤، أما الجزيرة العربية وبخاصة الحجاز ونجد، فقد بقيت على ما كانت عليه، ولم يدخل عليها أي تقسيم جديد، ولعل مرد ذلك يعود إلى قربها من عاصمة الدولة.
ويبدو أن عمر تصرف أحيانًا في التقسيم القديم، فكانت فلسطين تعد منذ العهد البيزنطي إقليمًا واحدًا، وتضم عشر محافظات، وفي عام "١٥هـ/ ٦٣٦م"، قسمها عمر إلى نصفين، وجعل عاصمة إحداهما إيلياء والثاني الرملة، وولى علقمة بن محرز على الأولى، وعلقمة بن حكيم على الثانية٥، أما مصر فلا نعلم يقينًا كيف كان تقسيمها قبل الفتح، لكن عمر قسمها إلى ولايتين المنطقة العليا، وهي الصعيد وتضم ثماني وعشرين محافظة، واستعمل عليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح، والمنطقة السفلى، وتضم خمس عشرة محافظة، وولى عليها حاكمًا آخر، وكان عمرو بن العاص الحاكم العام على مصر، ويذكر ابن عبد الحكم أنه عندما توفي عمر كان على مصر أميران: عمرو بن العاص بأسفل الأرض، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح على الصعيد٦.
ولنأخذ التقسيم الإداري لبلاد الشام كنموذج يمكن تطبيقه على سائر الولايات مع
_________________
(١) ١ بيضون: ٩٦. ٢ الرساتيق جمع رستاق، وهي مشتقة من اللفظ الفارسي روستا بمعنى حي أو قرية. ٣ نظام البنود البيزنطية، أو ما يسمى Them، وتعني فرقة من الجيش تعسكر في إقليم، ولم يتسع معناها للدلالة على الأقاليم نفسها إلا في وقت متأخر، انظر: رنسيمان، ستيفن: الحضارة البيزنطية ص٩٧. ترجمة عبد العزيز جاويد مكتبة النهضة المصرية ١٩٦١. ٤ نظام الكور، مفردها كورة، وهي لفظة يونانية. curia ومعناها المركز. ٥ الطبري: ج٣ ص٦١٠. ٦ فتوح مصر وأخبارها ص٢٩٨.
[ ٣٣٠ ]
شيء من التعديل يتعلق بخصوصية كل إقليم، وذلك؛ لأن الجبهة البيزنطية استمرت ناشطة برا وبحرا في حين قضى المسلمون بشكل نهائي على الإمبراطورية الفارسية، ولم تعد لها بعد ذلك قائمة، فبالمقارنة مع نظام البنود البيزنطي، فإن هذه كانت أوسع من الأجناد١، وهذا النظام ليس إلا تطبيقًا لما أقامه هرقل في آسيا الصغرى، حيث قسم الأراضي التي لم تحتلها قوى أجنبية إلى مناطق عسكرية كبيرة، وضعت تحت إدارة قادة عسكريين يتمتعون بصلاحيات الحكام الإداريين، وقد استوحى عمر ما كان البيزنطيون قد بدأوا بتطبيقه في عهد هرقل من نظام البنود في آسيا الصغرى، إلا أن الضرورات العسكرية هي التي اوجبت عليه هذا التقسيم، فالساحل الشامي طويل، وبلاد الشام كانت لا تزال مهددة برًا، وبحرًا من قبل البيزنطيين، فكان لا بد من إيجاد مراكز عسكرية متعددة لكي يتمكن كل جند من الدفاع عن المدن الساحلية التابعة له، فقد كانت عرقة وجبيل وصيدا، وبيروت وطرابلس، تابعة لجند دمشق٢، أما اللاذقية وجبلة وبانياس وأنطرطوس، فكانت تابعة لجند حمص٣، وتبعت صور وعكا جند الأردن٤، وقيسارية ويافا وعسقلان وغزة، جند فلسطين٥، ويضم كل جند منطقة ساحلية وأخرى داخلية، بشكل تستطيع معه كل منطقة أن تعتمد على الأخرى عسكريًا واقتصاديًا، وبما أنه لم يكن للمسلمين في ذلك الوقت قوة بحرية قادرة على حماية السواحل؛ فإن مراكز الأجناد كلها كانت مدنًا داخلية، مثل حمص، دمشق، اللد، طبرية٦.
_________________
(١) ١ المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين: التنبيه والإشراف ص١٥٠. ٢ الهمذاني المعروف بابن الفقيه: كاتب صورة الأرض ص١٥٦. ٣ المصدر نفسه: ص١٦١. ٤ البلاذري: ص١٢٤. ٥ المصدر نفسه: ص١٤٦-١٤٨. ٦ خماش، نجدة: الإدارة ونظام الضرائب في الشام في عصر الراشدين ص٤١٥. مقال في كتاب بلاد الشام في صدر الإسلام، المؤتمر الدولي الرابع لتاريخ بلاد الشام ١٩٨٧.
[ ٣٣١ ]