الصراع على مصر:
تجلى الصراع بين علي ومعاوية بأوضح مظاهره في مصر أولًا، ورأى معاوية أن الصراع الحاسم بينه، وبين علي سوف يدور في هذا البلد، وأن تحييده أو غزوه، والسيطرة عليه من شأنه أنه يقوي وضعه على الجبهة العراقية -الشامية، وفي المقابل كان علي منهمكًا في حشد العراقيين حوله، ولم تكن مصر من أولى اهتماماته، فهي بعيدة جدًا عن قواعده، ولم يدرك أهمية الرهان عليها، على الأقل في حينه، إلا أنه دفع دفعًا إلى الدخول في صراع عليها، وقد حرصت المصادر على إظهاره بأنه شخصية سياسية محدودة الخبرة، إلى المناورة السياسية، والدهاء والحيلة، إلا أنها تؤكد على خبرته القتالية والعسكرية.
وهناك حرص شديد، في المقابل، من المصادر نفسها على وصف معاوية بالشخصية السياسية الكثيرة الخبرة، والشديدة الدهاء والمكر، وأنه رجل دنيا لا دين، يتجاهل المبادئ والتعاليم الإسلامية في سبيل الحفاظ على مصالحه الخاصة، والمتمثلة بالحفاظ على السلطة والمال.
والواقع أن هذه الإشارات التي تبالغ كثيرًا، قد وضعت لاحقًا بتأثيرات أموية أو عباسية، فقد كان علي سياسيًا أكثر مما تصفه به المصادر، وكان معاوية استراتيجيًا أقل كياسة، وأقل مكرًا مما جرت العادة على وصفه١.
ومهما يكن من أمر، فالمعروف أن مصر بقيادة الوالي محمد بن أبي حذيفة الأموي، كانت مركزًا للثائرين على عثمان، وكان معاوية يواجه حصارًا حقيقيًا في
_________________
(١) ١ جعيط: ص١٨٦، ملحم: ص٢٤٨.
[ ٤٥١ ]
دائرة نفوذ على الواسعة، ولا يمكنه المناورة طويلًا في موقفه، ولقد شعر بوطأة الخطر بعد تعيين قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري واليًا على هذا البلد، خلفًا لمحمد بن أبي حذيفة الذي قتل في الحملة التي نفذها معاوية ضده١، وهو أحد الأشخاص البارزين في إدارة علي، بل أكثرهم حماسة لقضيته، وقد عقد الخليفة آمالًا كبيرة على نجاحه في مهمته، فيما كان معاوية في المقابل، يقدر المتاعب التي سيسببها تعيين مثل هذا الرجل على مصر، فهو عدا صلابته ينتمي إلى فئة معادية للبيت الأموي، وخشي من هجوم قد يشنه علي من العراق، وآخر قد يشنه قيس من مصر٢، فيقع بين فكي الكماشة، ويلحق به هزيمة محققة، بالإضافة إلى ذلك، فإن السيطرة على مصر من شأنها أن تمده بموارد اقتصادية وفيرة بفعل غني هذا البلد بالمقارنة مع غنى بلاد الشام، وتكسبه مركزًا عسكريًا ممتازًا بفعل موقع مصر الجغرافي، وتحصر الصراع بين العراق والشام، كما تعد خطوة أساسية في البناء السياسي للدولة الإسلامية، وقد دفعه ذلك إلى التصميم على السيطرة عليها، وتعاون من أجل ذلك، مع عمرو بن العاص الذي هدف إلى استعادة مجال نفوذه في مصر، وفقًا للتحالف الذي عقده الرجلان منذ بداية تعاونهما الذي أضحى وثيقًا جدًا.
والواقع أن قيسًا نجح إلى حد ما في مهمته، وحصل على بيعة أهل مصر لعلي وسيطر على الوضع، غير أن نواة قوية من العثمانية تجمعت في خربتا٣، وقد رفض أفرادها البيعة لعلي، كان منهم مسلمة بن مخلد، وبسر بن أرطأة ومعاوية بن حديج، وقد ارتأى قيس محاورتهم دون أن يجد في موقفهم السلبي ما يشكل خطرًا على وضعه، ووقع اتفاق هدنة بين الطرفين من واقع عدم تعرض أي طرف للطرف الآخر٤، إلا أن ذلك اصطدم برأي الخليفة الذي مال إلى حسم هذا التمرد بالقوة، ومن خلال هذه الثغرة نفذ معاوية ليفسد على قيس مهمته ويسيطر على مصر، فراح يتصل بالعثمانية واعدا إياهم بمساعدة عسكرية فورية، والمعروف أن معاوية لم يقم حتى ذلك الحين بأي تحرك جدي ضد علي، ولا لأجل قضية عثمان باستثناء رفض البيعة، والهجوم الذي نفذه على مصر ضد محمد بن أبي حذيفة، الذي ربما ارتدى طابعًا أسريًا٥، ولم يفتح باب الصراع الفعلي مع علي إلا بعد تصفية جماعة الجمل
_________________
(١) ١ الطبري: ج٤ ص٥٤٦. ج٥٦ ص١٠٥، ١٠٦. ٢ المصدر نفسه: ج٤ ص٥٥٠. ٣ خربتا: قرية تقع غربي مصر، وهي قريبة من الإسكندرية، الحموي: ج٢ ص٣٥٥. ٤ الطبري: ج٤ ص٥٤٩، ٥٥٠. ٥ جعيط: ص١٨٥.
[ ٤٥٢ ]
حيث بات مدفوعًا، أو مكرهًا على اتخاذ مواقف وقرار، كان عليه أن يعلن صراحة أنه ضد علي أو أن ينقاد له، فاختار المواجهة.
تغالي المصادر كثيرًا في طريقة تمكنه من إبعاده قيس بن سعد، وإخراجه من مصر بالترغيب والتهديد١، إذ إن كل شيء يعد صالحًا للوصول إلى الهدف، وكان المقصود زرع الشكوك في نفس علي حول ولائه، مما دفعه إلى التعليق حول ما يروج عن قيس من أخبار "إني والله ما أصدق بهذا عن قيس"٢.
والواضح أن خطة معاوية القاضية بإبعاد قيس عن مصر، كانت تسير نحو النجاح، من واقع رفض الوالي تنفيذ ما أمره به الخليفة من القضاء على حركة التمرد في خربتا، معللًا ذلك بأنهم وجوه أهل مصر وأشرافهم، ومن الرؤية جاء قرار عزله عن ولاية مصر٣.
اختار الخليفة رجلًا يثق به، هو الأشتر من مالك النخعي، وأحد كبار قادته وعينه واليًا على مصر خلفًا لقيس، ويبدو أنه أدرك الآن أهمية مصر، وأنها تشكل نقطة توازن مهمة في الصراع بينه وبين معاوية، دون أن يعني ذلك فقدان ثقته بقيس، لكن حادثة العزل صبت في مصلحة معاوية؛ لأن الأشتر توفي، مسمومًا على الأغلب، في القلزم وهو في طريقه إلى مصر لاستلام منصبه مما حرم عليًا من رجل قدير٤؛ لأن خلفه محمد بن أبي بكر الذي عينه علي اتصف بقصر النظر السياسي، والجهل بشئون الحكم، فارتكب أعمالًا أثارت المصريين، فتعثرت مهمته، ولم تؤد إلى سد الثغرة، بل أسهمت في توسيعها ممهدة لخروج مصر من سلطة الخلافة.
وسرعان ما وجد الوالي الجديد نفسه أمام مشكلة العثمانية في مصر، وفشل في تجاوزها، وسقط ضحيتها بعد تدخل مباشر من معاوية الذي انعتق من قيود الهدنة بعد معركة صفين، وتوطد مركزه من جراء التحكيم الذي جرى في شهر "محرم ٣٨هـ/ حزيران ٦٥٨م"، فراح يكشف عن مطامعه، ومطامحه لكي يقرر الاستيلاء على مصر علنًا.
والواقع أنه كان قد اتخذ قراره قبل ذلك، كما أن علاقته بالعثمانية قد باتت واضحة، إلا أن التنفيذ حصل في شهر "صفر ٣٨هـ/ تموز ٦٥٨م"، فأرسل قوة عسكرية مؤلفة من ستة آلاف مقاتل بقيادة عمرو بن العاص، توغلت في أرض مصر، وانضمت إليها العثمانية.
_________________
(١) ١ الطبري: ج٤ ص٥٥٠، ٥٥١. ٢ المصدر نفسه: ص٥٥٤. ٣ المصدر نفسه: ص٥٥٢، ٥٥٣. ٤ المصدر نفسه: ص٥٥٣
[ ٤٥٣ ]
وعبأ محمد بن أبي بكر أتباعه لمواجهة الزحف الشامي، وطلب نجدة عاجلة من علي، إلا أنه واجه عدة صعاب لم يتمكن من تجاوزها:
- فقد تعرض لعملية تهديد نفسي من جانب معاوية والعثمانية، بسبب موقفه المناوئ لعثمان، وكان مهددًا بأشد عقوبات القصاص، وتصح بإخلاء الساحة.
- لقد وعده علي بإرسال الإمدادات إليه، ولكن حثه على الاعتماد على قواه الذاتية.
- لقد تعرضت قواته لارتدادات، مما أدى إلى تراجع قوته القتالية، وأدى في المقابل إلى تضخم صفوف الجيش الأموي، فانقلب ميزان القوى لغير صالحه.
وخاض محمد بن أبي بكر معركة المسناة، وهو في وضع مزعزع مما أدى إلى انهزامه، ودافع عن نفسه حتى الموت، ويبالغ أبو مخنف في روايته الملحمية حول نهايته: فقد وجد نفسه وحيدًا بعد المعركة، فلجأ إلى مكان خرب حيث كشف أمره فلاحون، فأخذه معاوية بن حديج وأعدمه، خوفًا منأن يعفو عمرو بن العاص عنه، ثم أدخله في جيفة حمار وأحرقه١، والواضح أن هذا التصرف القاسي، والرهيب الذي يطال رجلًا مسلمًا، مهما كانت مواقفه السياسية، وهو أمر مستهجن، وبعيد عن مبادئ الإسلام السمحة.
_________________
(١) ١ الطبري: ج٥ ص١٠٤، ١٠٥.
[ ٤٥٤ ]