التعريف بعثمان:
هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، الأموي القرشي، أمير المؤمنين، ولد بعد مولد النبي بخمس سنين، أمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وأمها البيضاء
بنت عبد المطلب، عمة النبي، وكانت توأمة لوالده عبد الله١.
اشتهر عثمان بالعفة والحياء والكرم٢، لين العريكة، كثير الإحسان والحلم، لا يوقظ نائمًا من أهل بيته إلا أن يجده يقظان فيدعوه، فيناوله وضوءه، وكان يصوم الدهر عدا الأيام المكروهة، وهي أيام العيدين، والشك في أول رمضان٣.
زوجه النبي ابنته رقية، فأنجب منها ابنه عبد الله وبه كان يكنى، والمعروف أنه مات صغيرًا له من العمر ست سنوات٤، ولما تعرض المسلمون الأوائل للاضطهاد، والعذاب من جانب قريش، وأذن لهم النبي بالهجرة إلى الحبشة، هاجر عثمان مع زوجته إليها٥، ولما علم برضاء قريش عن النبي، عاد إلى مكة٦، ثم هاجر إلى المدينة ونزل على أوس بن ثابت أخي حسان بن ثابت في دار بني النجار٧.
اشترك عثمان في الغزوات باستثناء غزوة بدر، لاشتغاله بتمريض زوجته التي ماتت، ودفنت في اليوم الذي انتصر فيه المسلمون، فعده النبي من البدريين، وزوجه
_________________
(١) ١ البلاذري: ج٦ ص٩٩، الطبري: ج٤ ص٤٢٠. ٢ البلاذري: المصدر نفسه ص١٠٤، ١١٢. ٣ العسقلاني: الإصابة في تمييز الصحابة ج٤ ص٢٢٣. ٤ الطبري: ج٤ ص٤١٩، ٤٢٠، العسقلاني: فتح الباري ج٨ ص٥٤. ٥ ابن هشام: ج٢ ص٧٠. ٦ المصدر نفسه: ص١١٩. ٧ المصدر نفسه: ص٢٢١، البلاذري: ج٦ ص١٠٠، ١٠١.
[ ٣٦٥ ]
ابنته الثانية أم كلثوم١، ولهذا لقب بذي النورين، لزواجه بابنتي النبي، رقية وأم كلثوم التي توفيت في السنة التاسعة للهجرة٢.
استعان النبي بعثمان في كثير من المناسبات، فكان سفيره إلى قريش في السنة السادسة للهجرة حين منعت دخول المسلمين إلى مكة لأداء العمرة، فاحتبسته قريش عندها، فبلغ النبي والمسلمين أن عثمان قد قتل، فبايع المسلمون النبي بيعة الرضوان في المكان المعروف بالحديبية على مقربة من مكة٣.
بذل عثمان كثيرًا من ماله في سبيل الإسلام، كان له نصيب وافر في تجهيز جيش العسرة الذي أعده النبي لغزوة تبوك في "شهر رجب عام ٩هـ/ شهر تشرين الأول ٦٣٠م"، إنه أمد المسلمين بتسعمائة وخمسين فرسًا وألف دينار، وقد قال النبي: "من جهز جيش العسرة فله الجنة، فجهزه عثمان"٤، كما اشترى بئر معونة من يهودي بعشرين ألف درهم، وتصدق بها على المسلمين، وقد قال النبي: "من يحفر بئر رومة فله الجنة، فحفرها عثمان" ٥، وبشره النبي بالجنة وعده من أهلها، فقال: "لكل نبي رفيق في الجنة، ورفيق في الجنة عثمان" ٦.
كان عثمان من رواة الحديث، فقد روى عن النبي وعن أبي بكر وعمر، كما روى عنه أولاده، عمر وأبان وسعيد، وابن عمه مروان بن الحكم، ومن الصحابة عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر وعبد الله بن العباس، وعبد الله بن الزبير، وزيد بن ثابت وأبو هريرة وغيرهم، ومن التابعين: الأحنف بن قيس ومحمد بن الحنفية بن علي، وسعيد بن المسيب٧، واتخذه أبو بكر أمينًا، وكاتبًا له يستشيره في أمور الدولة.
قضية الشورى -اختيار عثمان خليفة:
وجد المسلمون أنفسهم بعد طعن عمر بن الخطاب أمام مهمة اختيار خليفة يدير شئونهم، فقد رفض عمر أن يعين خليفة له، مع أن توليه الخلافة كان نتيجة عهد أبي بكر الصديق له، وتخلى بكل تبصر عن تعيين أحد من أفراد عائلته خشية تحويل
_________________
(١) ١ الطبري: ج٤ ص٤٢٠. ٢ ابن هشام: ج٣ ص٨٥، السهيلي: ج٣ ص١٢٧. ٣ ابن هشام: ج٤ ص٢٧-٢٩. ٤ الطبري: ج٤ ص١٧٤ العسقلاني، ابن حجر: فتح الباري بشرح البخاري ج٨ ص٥٤. ٥ العسقلاني: المصدر نفسه، البلاذري: ج٦ ص١٠٥. ٦ البلاذري: ج٦ ص١٠٢، العسقلاني: ج٨ ص٥٤. ٧ العسقلاني: الإصابة في تمييز الصحابة ج٤ ص٢٢٣.
[ ٣٦٦ ]
الحكم إلى وراثة، كما أنه امتنع عن تعيين عثمان بن عفان الذي كان مساعده تقريبًا، وحجته في ذلك أنه لا يريد أن يتحمل تبعات الخلافة حيًا وميتًا١.
ويبدو أنه لم يكن هناك مرشح واضح، كما أن عمر أراد العودة إلى نظام الشورى، وتشير بعض روايات المصادر أنه كان يعمد إلى بلورة وجهة نظر جديدة تجاه مسألة الحكم تنطلق من إحياء الشورى التي تأسست عليها بيعة السقيفة، تاركًا لنخبة المسلمين قرار اختيار الخليفة المناسب، والتي طرح شكلها النهائي بعد أن طعنه أبو لؤلؤة٢.
والواضح أن ظروف المسلمين آنذاك فرضت أن تكون مبايعة خليفة مسألة اختيار بين شخصيات قرشية، بالإضافة إلى السابقة والقدم في الإسلام، وكانت الآراء السائدة في المجتمع القرشي بعامة، وبين كبار الصحابة، وأهل الفضل والسابقة بخاصة، وبين صفوف المهاجرين الذين كانت لهم في نهاية المطاف الكلمة النهائية؛ هي العامل الحاسم في الاختيار٣.
وهكذا اختيار عمر قبل وفاته مجلسًا للشورى مؤلفًا من: عثمان بن عفان من بني أمية، علي بن أبي طالب من بني عبد المطلب، الزبير بن العوام، من بني عبد العزة، وينتسب إلى عبد المطلب من جهة النساء إذا إن والدته عمة النبي، عبد الرحمن بن عوف من بني زهرة عشيرة والدة النبي وصهر عثمان، سعد بن أبي وقاص من بني زهرة أيضًا، وطلحة بن عبيد الله من بني تيم عشيرة أبي بكر٤.
إن قراءة متأنية في اختيار هؤلاء الصحابة تطلعنا على الحقائق التالية:
- جميعهم من المهاجرين، أي قرشيين، من أوائل الصحابة، وتوفي النبي وهو راض عنهم، وهم من بين العشرة المبشرين بالجنة.
- يمثلون مراكز القوى في المدينة من حيث النفوذ، والقدرة والشهرة بدليل وصف عمر لهم بأنهم: "رؤساء الناس وقادتهم"، وقوله: "لا يكون هذا الأمر إلا فيكم"، "إني لا أخاف عليكم إن استقمتم، لكني أخاف عليكم اختلافكم فيما بينكم، فيختلف الناس"٥.
- المفاضلة بينهم تبعًا لدورهم في الإسلام أمر شاق، وعسير؛ لأنهم كانوا جميعًا من أمضى سيوفه، وأرسخ أعمدته طوال تاريخه٦.
_________________
(١) ١ الطبري: ج٤ ص٢٢٨. ٢ البلاذري: أنساب الأشراف ج٦ ص١١٩. ٣ إبراهيم: ص٢٣٠. ٤ البلاذري: ج٦ ص١٢٣، الطبري: ج٤ ص٢٢٨. ٥ الطبري: المصدر نفسه. ٦ إبراهيم: ص٢٣١.
[ ٣٦٧ ]
- كانت قضية اختيار خليفة منذ بدايتها قرشية محضة، لقد كان النبي من قريش، وما كان يمكن استخلافه إلا من قريش أيضًا، لقد اختصرت قريش قضية الحكم، وحصرتها برجالها، وهذه القضية هي استمرار العمل بمقولة: "الأئمة من قريش" التي طرحت يوم مبايعة أبي بكر على الرغم من تغير الظروف العامة، لكن يبدو أنها أضحت عرفًا لم يطعن به أحد من ذلك العصر؛ لأنه ينسجم مع روحه انسجامًا تامًا، لذلك استبعد الأنصار على الرغم من مآثرهم واستحقاقهم.
ونظم عمر طريقة عمل المجلس قبل وفاته، فحدد مدة الاختيار بثلاثة أيام، فإذا انقسم مجلس الشوى إلى ثلاث مجموعات من شخصين، فلا بد من استئناف التشاور، وإذا كان هناك أكثرية، فلا بد لهم من اتباعها، أما إذا انقسم المجتمعون إلى مجموعتين متساويتين من ثلاثة أشخاص، تكون الأولوية للمجموعة التي يكون فيها عبد الرحمن بن عوف، وهذا يعني إعطاء هذا الصحابي دورًا مفصليًا وبارزًا، إلا أن التطورات التي رافقت انعقاد مجلس الشورى في بدايته، على الأقل، لا تعطيه هذا الدور، إذ بدأ كأحد أعضاء المجلس الآخرين، ولم يبرز إلا عندما انسحب من ميدان التنافس كما سنرى، الأمر الذي يرجح أن الروايات الخاصة بذلك شيعية الهوى تحمله مسئولية تقديم عثمان١، وأمر بقتل كل من يتخلف عن مبايعة من يتم اختياره للخلافة خشية الفتنة، وحث المؤتمرين على سرعة إنجاز اختيارهم، وأمر أيضًا أن يتولى صهيب الرومي إمامة الصلاة طيلة ثلاثة أيام، وشكل فصيلة من الأنصار للمحافظة على الأمن، وحماية أعضاء المجلس٢.
توقع عمر أن يتجه الاختيار في مجلس الشورى لصالح عثمان أو علي، وكلاهما من سلالة عبد مناف وختن النبي، بل إنه وجه المسلمين في المدينة نحوهما بصورة غير مباشرة، إذ بدا للوهلة الأولى أن التنافس سيجري بينهما، وأن باقي أعضاء مجلس الشورى ناخبين فحسب.
فقد انتقد عثمان لحبه أهله وقومه، وخشي إن هو تولى الخلافة أن يحمل بني أبي معيط على رقاب الناس "ولو فعلها لقتلوه"، وهو تأكيد هدف إلى إيجاد غطاء شرعي لعملية قتل عثمان التي تمت فيما بعد، ووصف عليًا بالرجل الذي فيه دعابة، وبطانة
_________________
(١) ١ البلاذري: ج٦ ص١١٩، الطبري: ج٤ ص٢٢٩، ملحم: عدنان محمد: المؤرخون العرب والفتنة الكبرى ص٨٨. ٢ البلاذري: ج٦ ص١٢٠، الطبري: المصدر نفسه.
[ ٣٦٨ ]
وفكاهة، وخشي إن هو تولى الخلافة أن يحمل بني عبد المطلب على رقاب الناس، إلا أنه أكد في الوقت نفسه على ثقته بمقدرته، ونزاهته في الحكم "إن ولوها الأجلح سلك بهم الطريق"١.
يبدو أنه من الصعب الأخذ بهذه الروايات؛ لأن عمر نفسه هوالذي اختار أعضاء مجلس الشورى لكونهم من أبرز الشخصيات العامة، الأمر الذي يثير التساؤل بشأن ما نسب إليه من انتقادات وجهها إليهم، والواقع أنها مهمة تؤكد التزام عمر بما تم إنجازه في حصر الخلافة في قريش بين المهاجرين الأولين.
عقد مجلس الشورى اجتماعه الأول بناء على رغبة عمر قبل وفاته، إلا أن أعضاءه اختلفوا فيما بينهم؛ لأنهم كلهم كانوا يطمحون للسلطة، ولم يتوصلوا إلى نتيجة٢، وعقد الاجتماع الثاني بعد وفاة عمر، وقد أشارت روايات المصادر إلى عدم اتفاق أعضاء مجلس الشورى على رجل منهم، ووقعوا في مأزق حقيقي، لم يخرجوا مه إلا بمبادرة عبد الرحمن بن عوف الذي أخرج نفسه من إطار المنافسة، ومجال الاختيار، إلا أنه اشترط أن يتركوا له حرية الاختيار، وأخذ عليهم يمين المبايعة لمن يختار، وأعطاهم عهدًا "أن لا يميل إلى هوى، وأن يؤثر الحق، وأن يجتهد للأمة، وأن لا يحابي ذا قرابة"٣، ولهذا السبب فقدت الشورى طابعها كمجمع، وفقد المجلس طابعه كجهاز انتخاب مباشر، إذا فوض لعبد الرحمن أن يختار عنه وباسمه، وتحول الانتخاب إلى تعيين من قبل شخص واحد من أعضاء مجلس الشورى، وأضحى محصورًا، وفي المقابل غدًا واسعًا بما سيقدم عليه عبد الرحمن من مشاورات، فقد لجأ هذا الصحابي إلى مشاورة المسلمين، واستطلع رأي أهل المدينة، وقادة الجند الذين توافدوا على المدينة، وأشراف الناس، لكي يعرف من تود الأمة أن تجتمع عليه بعد عمر.
وبما أن القضية قرشية منذ بدايتها، فقد كان واضحًا أن مشاورة الناس تعني في نهاية المطاف مشاورة قريش، ولا يمكننا أن نتجاهل في هذا المقام، الحقيقة التي تحدثت عنها روايات المصادر، والتي لا يمكن استيعاب مآل مجلس الشورى، واختيار عثمان إلا على ضوئها، ألا وهي أن قريشًا ملت شدة عمر، وطالبت باستبدال هذه الشدة باللين، وبفك الحصار، والقيود عنها٤.
_________________
(١) ١ البلاذري: ج٦ ص١٢٠-١٢٢. ٢ الطبري: ج٤ ص٢٢٩. ٣ المصدر نفسه: ص٢٣١. ٤ إبراهيم: ص٢٣١.
[ ٣٦٩ ]
كان علي يرى أنه الأجدر بتولي منصب الخلافة نظرا لقرابته من النبي، والتصاقه به، ولكنه كان يشعر أنه محكوم بمجرى الأحداث لا سيما بالدور الموكل إلى عبد الرحمن بن عوف زوج شقيقة عثمان من أمه، والذي كان له تأثير على سعد بن أبي وقاص المنتمي إلى العشيرة نفسها، ويذكر أن العباس عم النبي، وعم علي كان متخوفًا من أن تخرج الخلافة مرة أخرى من يد عشيرته، فنصح عليًا بعدم الاشتراك في الشورى، لكن عليًا الذي كان يكره الخلاف١ آثر القيام بمسعى لدى سعد بن أبي وقاص، ويبدو أنه نجح في ذلك٢، فهل كان هذا الأمر هو الذي بدل طابع الشورى أم بدل خوف عبد الرحمن بن عوف من أن يرى استمرار الفراغ دون التوصل إلى نتيجة طالما كانت المطامع كبيرة؟ ٣.
استشار عبد الرحمن بن عوف صحابة رسول الله ﷺ، ومن وافى المدينة من أمراء الأجناد، وأشراف الناس كما ذكرنا، ثم دار متنكرًا لا يعرفه أحد، واستشار عامة المهاجرين، والأنصار وغيرهم من ضعاف الناس٤، فأشار عليه الجميع بعثمان، فاقتنع عندئذ بأن وجوه قريش وعامتها، وقادة الجند يريدون عثمان خليفة عليهم.
والواقع أن بني أمية أدوا دورا نشطًا في توجيه "الرأي العام" نحو عثمان، ونظموا دعاية واسعة له، بهدف تعزيز نفوذهم الذي فقدوه بعد فتح مكة، ونجحوا في استعادته جزئيًا في عهد أبي بكر وعمر، فقد تنافسوا مع بني هاشم في تعاقب خطبائهم على منبر مسجد النبي٥.
كان هناك إذن تياران متنافسان مرتبطان بالسابقة في الإسلام، وبروابط الدم:
الأول: عشيرة النبي الأقربون الذين كان علي مرشحهم.
الثاني: قرشي متصل بالقابلية على التمثيل الأفضل لقريش، وبالتالي مقرب من الأمويين، وكان عثمان مرشحهم.
ثم إن مفهوم البيت الذي جرى طرحه لتمييز عثمان، وعلي كان يفسر بالمعنى الواسع، معنى بيت عبد مناف، وليس بالمعنى الضيق بيت بني هاشم، وكان هذا يناسب أغلبية الصحابة الذين خشوا من تفسير ضيق لمفهوم البيت أن تؤسس ملكية وراثية على حسابهم لصالح البيت الهاشمي٦.
_________________
(١) ١ الطبري: ج٤ ص٢٢٨. ٢ البلاذري: ج٦ ص١٢٦. ٣ جعيط: ص٥٧، ٥٨. ٤ ابن قتيبة: ج١ ص٢٧. ٥ الطبري: ج٤ ص٢٣٣. ٦ جعيط: ص٥٨، ٥٩.
[ ٣٧٠ ]
تروي المصادر أنه في اليوم الثالث، وفي ظل بوادر انقسام بين المسلمين خيف أن يتفاقم، قرر عبد الرحمن بن عوف حسم الأمر، وفي المسجد النبوي، وأمام جمع من المهاجرين والأنصار، وقادة الجند وممثلي الأمصار؛ نادى عثمان وعليًا وسألهما على التوالي إن كانا بعد انتخابهما سيتبعان سيرة رسول الله ﷺ، وأبي بكر وعمر، وتجنب حمل أقاربهما على رقاب الناس، فأجاب علي بتحفظ متعللًا بأنه سوف يبذل جهده، وطاقته مستيعنًا بالأمناء، والأقوياء من بني هاشم وغيره، وأضاف أن عليه الاجتهاد قدر الإمكان: "لا أحمل عهد الله وميثاقه على ما لا أدركه، ولا يدركه أحد، من ذا يطيق سيرة رسول الله، ولكني أسير من سيرته بما يبلغه الاجتهاد مني، وبما يمكنني وبقدر علمي"١، أما عثمان فقد أعلن موافقته على شرط عبد الرحمن بن عوف قائلًا: "اللهم نعم"، "علي عهد الله وميثاقه، وأشد ما أخذ على أنبيائه، ألا أخالف سيرة رسول الله وأبي بكر وعمر في شيء، ولا أقصر عنها"٢؛ مما دفع عبد الرحمن بن عوف، وأصحاب الشورى، وعامة الناس إلى مبايعته٣.
قد تدعو روايات المصادر هذه للتساؤل: فهي تعطي عبد الرحمن بن عوف ذريعة صالحة لإعلان عثمان بدلًا من علي خليفة على المسلمين، وتبرز اختيارًا يبدو أنه قد تم قبل ذلك، وتقدم عليًا كأنه مجدد له نهجه الخاص، وفهمه لسيرة رسول الله ﷺ، مما قد يختلف عن نهج الخليفتين السابقين، وهو أمر ربما نسب إلى علي في وقت لاحق، كما أن شرط عبد الرحمن للترجيح بين المتنافسين قد يكون تصريحًا طلب من عثمان وحده بعد اختيار الأغلبية له٤، ويبرزه، وكأنه أكثر الأعضاء، توافقًا مع التحولات المنشودة، فهو إلى جانب كونه واحدًا من النخبة في الإسلام، كان ينفرد عن الآخرين بانتمائه إلى البيت الذي كاننت له الزعامة الفعلية إبان ظهور الإسلام، ذلك البيت الذي بات يمثل، بعد اغتيار عمر، أحد أقوى مراكز النفوذ في الدولة الإسلامية٥.
والواقع أن ما جرى من مشاورات مكثفة داخل مجلس الشورى وخارجه، وما أحاط بهيئة المجلس من اتصالات خارجية، كانت بعيدة عن الشورى في الشكل والمضمون.
_________________
(١) ١ البلاذري: ج٦ ص١٢٧، البلخي: ج٢ ص٢١٢. ٢ البلاذري: المصدر نفسه ص١٢٨، الطبري: ج٤ ص٢٣٨. ٣ المصدران نفساهما. ٤ جعيط: ص٥٩، ملحم: ٩٠. ٥ بيضون: الإمام علي ص٤٠، ٤١.
[ ٣٧١ ]
ردود الفعل على اختيار عثمان:
أثار اختيار عثمان خليفة ردود فعل متباينة بين أعضاء مجلس الشورى وخارجه، يمكن ربطها بالأدوار التي قام بها أصحابها في مجمل تطورات الفتنة بعد ذلك، وتوضحت الصورة السياسية للمجتمع الإسلامي الذي انقسم إلى أربع فئات على النحو التالي:
١- الفئة الموالية لآل البيت بعامة ولعلي بخاصة، وقد عارض أفرادها قرار مجلس الشورى، فقد أظهر على منذ البداية عدم اطمئنانه إلى تركيبة هذا المجلس الذي كانت آراء معظم أعضائه تميل لغير صالحه، وشكا ذلك إلى بني هشام "إن أطيع فيكم قومكم لم تؤمروا أبدًا"١، وأضاف أن عبد الرحمن بن عوف، وسعدًا بن أبي وقاص لا يخالف أحدهما الآخر، وعبد الرحمن صهر عثمان، فأحدهما لا يخالف صاحبه، فيوليها عبد الرحمن عثمان، أو يوليها عثمان عبد الرحمن. وخشي إن ولي عثمان "ليتداولنها، ولئن فعلوا ليجدني حيث يكرهون"، بالإضافة إلى ذلك، فإنه شك في مواقف طلحة والزبير، وبفعل عدم ثقته بعبد الرحمن بن عوف رفض إعطاءه مهمة الاختيار إلا بعد أن حلف له بألا يتبع الهوى، وألا يؤثر إلا الحق، ولا يخص ذا رحم، ولا يأل الأمة٢، كما اجتمع بسعد بن أبي وقاص وناشده، بعدم هضم حقه بالخلافة٣، واتهم قريشًا بالممالأة على هضم حقوق آل البيت، وإبعاده عن الحكم٤، وهو اتهام يعكس وجهة نظر عمر بن الخطاب في فرص كل عضو من أعضاء مجلس الشورى في تسلم الحكم٥: "إن عليًا لأحق الناس بها، ولكن قريشًا لا تحتمله، ولئن وليهم ليأخذنهم بمر الحق، لا يجدون عنده رخصة، ولئن فعل لينكثن بيعته ثم ليتحاربن"٦، ومع ذلك فإن عليًا بايع عثمان فورًا، أو بعد تردد٧.
نذكر من بين شخصيات هذه الفئة: العباس بن عبد المطلب، والمقداد بن عمرو وأبا ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، وقد حفلت الروايات التي استعرضت مواقفهم بالميول الشيعية، والعباسية الواضحة، ويلاحظ بأن هذه الشخصيات ستؤدي دورًا.
_________________
(١) ١ الطبري: ج٤ ص٢٢٩. ٢ المصدر نفسه: ص٢٣١. ٣ البلاذري: ج٦ ص١٢٣. ٤ الطبري: ج٤ ص٢٣٣. ٥ البلاذري: ج٦ ص١٢٠، ١٢١. ابن قتيبة: ج١ ص٢٦. ٦ اليعقوبي: ج٢ ص٥١، ٥٢. ٧ البلاذري: ج٦ ص١٢٨، ١٢٩. الطبري: ج٤ ص٢٣٨.
[ ٣٧٢ ]
بارزًا في الفتنة من خلال معارضتها الصارمة لسياسة عثمان.
٢- الفئة الموالية لعثمان، وتألفت من أعضاء مجلس الشورى، وعامة بني أمية، فقد بايع الزبير بن العوام عثمان فورًا، وكذلك فعل سعيد بن أبي وقاص، وبايع عبد الله بن عمر عثمان محترمًا قرار أعضاء المجلس، أما طلحة بن عبيد الله، فقد بايع عثمان فورًا، أو بعد تردد احتجاجًا على إسراع مجلس الشورى في انتخاب خليفة للمسلمين، وكن قد عاد إلى المدينة، واعتكف في منزله.
٣- الفئة التي أيد أفرادها قرار مجلس الشورى باختيار عثمان، ومع أن الروايات تباينت في توضيح أسباب هذا التأييد، إلا أنها حصرتهم في أصحاب المصالح الخاصة، نذكر منهم: المغيرة بني شعبة، وبعض أقارب عثمان مثل عبد
الله بن أبي ربيعة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وعبد الله بن مسعود أبرز زعماء القراء.
٤- عامة المسلمين الذين تماشوا مع قرار مجلس الشورى بهدف استمرار الحياة العامة.
لقد توضحت إذن، الأجواء الاجتاعية، والقوى الاجتماعية -السياسية التي أعاقت تسلم علي الخلافة بعد عمر، وبدا واضحًا أن شدة علي ستضاهي شدة عمر، لكن قريشًا كانت تسعى إلى تحول في التعامل معها، وقد دفع هذا المزاج السائد عثمان إلى الخلافة حيث علقت عليه قريش آمالها في تصفية نهج عمر نحوها، وبالتالي في فتح الباب أمامها للانطلاق نحو الأمصار، كما دلت عليه التطورات اللاحقة، فشخصية عثمان كانت أقرب إلى تفكير، وطباع قريش من عمر وعلي، وهكذا كان اختيار عثمان خليفة، قرارًا اجتماعيًا، ولم يكن مفاضلة بين صحابيين، وشكل هذا النزوع القرشي نحو انفراج حياتي ومعاشي، واجتماعي شامل، على قاعدة البيئة الجديدة التي أفرزتها الفتوح؛ الأرضية المادية الواقعية التي أوصلت عثمان إلى الخلافة، ولهذا كان نهج عثمان منذ بدايته متعلقًا بهذه الأرضية، ومشروطًا بها ومقرونًا معها، ويتناغم مع التطور الاجتماعي داخل الأمة١.
الثورات ضد الحكم الإسلامي:
اتسعت رقعة الدولة الإسلامية في عهد عمر بفتح أراضي الإمبراطورية الفارسية،
والأراضي البيزنطية في بلاد الشام، ومصر وجزء من شمالي إفريقية، واضحت هذه المناطق تحت الحكم الإسلامي، ولم تتوقف سلسلة هذه الفتوح في عهد عثمان،
_________________
(١) ١ إبراهيم: ص٢٣٣.
[ ٣٧٣ ]
وعمل المسلمون على توطيد نفوذهم من جديد من بعض المدن الفارسية التي ثارت ضد الحكم الإسلامي، ذلك أن المسلمين لم يستقروا تمامًا في مناطق الأطراف، ولم يوطدوا حكمهم فيها، فكانوا ينطلقون من الكوفة أو البصرة للفتح، ثم يعودون إليها بعد أن يعقدوا الصلح مع السكان المحليين، ثم إن هؤلاء ظلوا مخلصين لقوميتهم مما أتاح لهم القيام بثورات للتخلص من الحكم الإسلامي كلما سنحت لهم الفرصة، وكان التغيير في مركز القيادة فرصة سانحة لهؤلاء لتحقيق أمانيهم.
تصدى المسلمون لهذه الثورات على حكمهم، وتمكنوا من إخمادها، وثبتوا أقدامهم في المناطق الثائرة، نذكر منها: ثورة همذان وأذربيجان، والري واصطخر
وطبرستان، وجرجان وخراسان، وكرمان، وأعاد المسلمون فتح مدينة الإسكندرية في عام "٢٥هـ/ ٦٤٥م" في عهد ولاية عبد الله بن سعد بن أبي
سرح، بعد أن هاجمها البيزنطيون انطلاقًا من جزيرة رودس بهدف استعادتها، وقد فاجأ هؤلاء الحامية الإسلامية، ونزلوا على البر واستولوا عليها، توغلوا في
أرض مصر حتى كادوا يصلون إلى بابليون، ولم ينقذ الموقف سوى عمرو بن العاص الذي عينه الخليفة واليًا على الإسكندرية، وأمره بطرد البيزنطيين منها، ودمر عمرو أسوار الإسكندرية حتى لا يتحصن البيزنطيون فيها مرة أخرى إذا نجحوا في استعادتها١.
فتح أرمينية:
توغل المسلمون في الربوع الأرمينية في عهد عثمان، إذ إن الحملات الإسلامية المتواترة ضد بلاد الأرمن كانت تسير وفق خطة عسكرية محكمة، وموضوعة مسبقًا، بهدف فتح هذه البلاد، وضمها إلى الأملاك الإسلامية، ونشر الإسلام في ربوعها، ونجح المسلمون بقيادة مسلمة بن حبيب الفهري، في بسط سلطانهم على أودية نهر الرس، ونهر الفرات، وصادفوا مقاومة في تفليس، والمناطق الجبلية المرتفعة٢.
وخاب أمل الأرمن في بيزنطية التي عجزت عن الدفاع عنهم وحمايتهم، واضطر القائد الأرميني تيودور الرشتوني، الذي تخلت بيزنطية عنه بسبب ميوله المذهبية المعادية، وموقفه السابق من القائد الإمبراطوري بروكوبيوس في معركة ساراكين؛ إلى إجراء مفاوضات منفردة مع المسلمين انتهت إلى التسوية التالية:
_________________
(١) ١ البلاذري: ج٦ ص٣٠٦، ٣١٥، ٣٢٣، ابن عبد الحكم: ص٣٠٠-٣٠٣. الطبري: ج٤ ص٢٤٦، ٢٤٧، ٢٦٥، ٢٦٦، ٢٦٩، ٢٧٠، ٣٠٠-٣٠٣. ٢ البلاذري: المصدر نفسه: ص٢٠٠-٢٠٤، الطبري: المصدر نفسه ص ٢٤٨. Grousset: p٢١٩
[ ٣٧٤ ]
- يعترف المسلمون باستقلال الأقاليم الأرمينية.
- يعترف الأرمن بسيادة المسلمين عليهم بالشروط نفسها التي سبق للفرس أن مارسوا بها سيادتهم على أرمينية.
- يعين المسلمون حاكمًا أرمينيًا عامًا على أرمينية.
- يضع الأرمن فرقة عسكرية تعدادها خمسة عشر ألف جندي بتصرف المسلمين١.
الواضح أن المعاهدة كانت مناسبة للأرمن من واقع وضعهم الحرج بعد إحجام بيزنطية عن مساعدتهم، في حين سببت لبيزنطية خيبة أمل كبيرة؛ لأن البيزنطيين كانوا يأملون في استمرار سخونة الجبهة الأرمينية، لتخفيف الضغط عن الجهات الأخرى مع المسلمين، كما أن الأرمن لم يكونوا راغبين في التضحية بأنفسهم من أجل إمبراطورية هرمة، أضحت عاجزة عن الدفاع عن حدودها، وولاياتها. ثم حدت أن تطورت العلاقات الإسلامية -الأرمينية نحو الأفضل، وأبدى الأرمن استعدادهم للتحالف مع المسلمين، وانفصالهم نهائيًا عن الدولة البيزنطية، مقابل منحهم نوعًا من الاستقلال المحلي، وجرت مفاوضات بين الطرفين من أجل ذلك أسفسرت عن اتفاق آخر يعد متممًا للاتفاق السابق، وتضمن البنود التالية:
- عدم فرض جزية على أرمينية لمدة سبع سنوات.
- يقدم الأرمن فدية خلال مدة الاتفاق التي تركت مفتوحة تتناسب مع قدرتهم الاقتصادية، وذلك ضمانًا لبقاء استقلالهم، وفعلًا دفعوا للدولة الإسلامية مبلغًا رمزيًا مقداره خمسمائة دينار٢.
- يقدم الأرمن قوة عسكرية قوامها خمسة عشر ألف مقاتل تساعد القوات الإسلامية في حروبها مع أعدائها باستثناء جبهة بلاد الشام.
- يعين المسلمون على بلاد الأرمن حاكمًا أرمينيًا.
- لا يأوي الأرمن عدوًا للمسلمين، ولا يساعدونه.
- يتعهد المسلمون بمساعدة الأرمن إذا تعرضوا لغزو بيزنطي٣.
لم ترحب بيزنطية بهذا الاتفاق الذي سلخ أرمينية عن التبعية البيزنطية، لذلك قاد الإمبراطور البيزنطي قنسطانز الثاني في عام "٣٤هـ/ ٦٥٤م" جيشًا بيزنطيًا كثيفًا بلغ تعداده مائة ألف مقاتل، إلى الأراضي الأرمينية، بهدف إعادة البلاد إلى الحظيرة.
_________________
(١) ١ Grousset: pp ٣٠٠. ٣٠١. Passder madjjen: Histoire de L، Amenic p١٢٧. ٢.Grousset Ibid: p ٣٠١ ٣ حسين، صابر محمد دياب: أرمينية من الفتح الإسلامي إلى مستهل القرن الخامس الهجري، ص٣٤، ٣٥.
[ ٣٧٥ ]
البيزنطية، ولما وصل إلى ترجان، تلقي إنذارًا إسلاميًا بعدم دخول الأراضي الأرمينية، لكن الإمبراطور لم يعر الإنذار التفاتة جدية، واستمر في زحفه حتى وصل إلى ثيودوبوليس "أرضروم"، وعسكر فيها واستقبل عددًا كبيرًا من الإقطاعيين، وحكام المناطق الأرمينية الذين ساءهم الانسلاخ عن البيزنطيين وتخلوا عما تعهدوا به لتيودور الرشتوني، وكذلك فعل البطريرك الذي تنصل أمام الإمبراطور من الاتفاق مع المسلمين، وتبرأ مما فعله القائد الأرميني المذكور.
تشجع الإمبراطور بهذا التغيير الولاني من جانب قادة الأرمن، فدخل الأراضي الأرمينية، وعزل تيودور الرشتوني، وعين هامازسب ماميكونيان مكانه، وراح يعمل على توحيد أرمينية تحت قيادته وسلطته١.
وما أحرزه المسلمون من انتصار في معركة ذات الصواري، لم يترتب عليه نتائج مباشرة، وحاسمة في الصراع بينهم وبين البيزنطيين، بالإضافة إلى ما تعرضت له الدولة الإسلامية من مشكلات تفاقمت عقب مقتل الخليفة عثمان في عام "٣٥هـ/ ٦٥٦م"، مما دفع معاوية بن أبي سفيان إلى عقد صلح مع البيزنطيين في عام "٣٨هـ/ ٦٥٩م"، وقد تأثر وضع أرمينية بهذا الاتفاق من واقع استئناف الأسر الأرمينية الإقطاعية صلاتها بالبيزنطيين، وانحسار النفوذ الإسلامي عن هذه البلاد، وعودة النفوذ البيزنطي، وسحب معاوية القوات الإسلامية المرابطة في أرمينية، ليدعم موقفه في الصراع مع علي بن أبي طالب.
فتح طرابلس الشام:
تمهيد:
استطاع البيزنطيون في عام "٢٣هـ/ ٦٤٤م" أن يستعيدوا بعض مدن بلاد الشام الساحلية، وأن يتمسكوا بها مدة عامين، منها بيروت وجبيل، وقد ساعدهم في ذلك كثرة عدد أفراد الجالية البيزنطية الموجودة في طرابلس، وهي المدينة التي بقيت تحت السيطرة البيزنطية حتى ذلك الوقت، وقد تحصن بها البيزنطيون الذين فروا من المدن الساحلية الأخرى التي فتحها المسلمون.
والواقع أنه تضافرت ثلاثة عوامل دفعت المسلمين إلى فتح طرابلس، سياسية واقتصادية، وعسكرية.
_________________
(١) ١.Grousset: p ٣٠٢
[ ٣٧٦ ]
فمن الناحية السياسية، كان لا بد من إحكام السيطرة الإسلامية على مدن الساحل الشامي، ولا يتم ذلك إلا بفتح طرابلس آخر المعاقل البيزنطية على هذا الساحل.
ومن الناحية الاقتصادية، تشكل طرابلس منفذًا بحريًا هامًا لبلاد الشام، وثغرًا لدمشق وحمص.
ومن الناحية العسكرية، كانت طرابلس قاعدة بيزنطية مهمة، راحت تهدد مكتسبات المسلمين من واقع مهاجمة الثغور البحرية الإسلامية، والمعروف أن البيزنطيين كانوا لا يزالون متفوقين بحرًا على المسلمين، ولهم أساطيلهم البحرية التي تجوب عباب البحر المتوسط، وبقي الساحل الشامي عرضة لهجماتهم، كما أن المدينة كانت محاطة بالمدن الإسلامية من ثلاث جهات، عرقة في الشمال، وجبيل في الجنوب، وبعلبك في الشرق.
أحداث الحصار والفتح:
بعد أن حصل معاوية على موافقة الخليفة عثمان بغزو الجزر البحرية، أرسل سفيان بن مجيب الأزدي، والي بعلبك، إلى طرابلس على رأس جيش كبير لفتحها في خطوة ضرورية لتحقيق الهدف الأساس، وكانت المدينة تتكون من ثلاث مدن مجتمعة من اللسان الرومي الداخل في البحر، وبها ثلاثة حصون، وعسكر في مشارفها في مرج السلسلة عند سفح جبل تربل شمالي شرقي المدينة على بعد خمسة أميال، منها، وراح يهاجم البيزنطيين، إلا أنه فشل في تحقيق أي تقدم، وذلك لسببين:
الأول: إن المدينة كانت منيعة بتحصيناتها، وإنه من الصعب محاصرتها، وفتحها دون الاستناد إلى قاعدة قريبة ثابتة ينطلق منها.
الثاني: كان سكان طرابلس يتلقون إمدادات تموينية من بيزنطية عن طريق البحر، مما يجعل أمر الحصار طويلًا، وشاقًا ودون حسم١.
ويبدو أن سفيان أدرك هذه الصعاب، فكتب إلى معاوية يطلب منه الرأي والمشورة، فأجابه "أن ابن لك ولعسكرك حصنًا يأوون إليه ليلا، ويغزونهم نهارًا"٢.
نفذ سفيان ما أشار عليه معاوية فانتقل من المرج، وعبر النهر إلى ضفته الغربية، واختار مكانًا ملائمًا يبعد عن المدينة مسافة ميلين، وبنى فيه حصنًا عرف باسمه، وراح يشدد ضغطه على المدينة، ووضع حراسًا على الشواطئ المحيطة بها لمراقبة
_________________
(١) ١ تدمري: تاريخ طرابلس ص٩٠. ٢ ابن عساكر: ج١٦ ص٧٦.
[ ٣٧٧ ]
البيزنطيين، بذلك الإمدادت عنها١، فاضطر سكانها إلى الانتقال إلى الحصن الغربي عند رأس الميناء وتحصنوا به، وراحوا يفكرون جديًا بالنجاة بأنفسهم، وقد يئسوا من طول مدة الحصار التي امتدت أشهرًا، وبخاصة أن المؤن قد نفذت منهم، كما عجزوا عن الخروج للتصدي للقوات الإسلامية، ولم ينقذهم من هذا الوضع الحرج سوى وصول بواخر بيزنطية نقلتهم ليلًا، وخفية إلى الجزر القريبة الواقعة تحت السيطرة البيزنطية٢، وهكذا أضحت المدينة خالية ممن يحميها أو يدافع عنها، فدخلها المسلمون وسيطروا عليها٣.
تعمير طرابلس:
اهتم معاوية بن أبي سفيان بتعمير طرابلس بعد فرار سكانها، فأرسل إليها جماعة من يهود الأردن٤، وأسكنهم في حصنها، ولم يسكنها غيرهم ليضع سنوات٥.
ويبدو أنه أدرك أن اليهوم قوم لا هم لهم إلا تأمين مصالحهم الخاصة، وأن كثيرًا منهم خانوا البيزنطيين وعملوا عيونًا للمسلمين مقابل إعفائهم من الجزية، ومنحهم الأراضي٦، كما أنهم اشتهروا بالأعمال التجارية، التي كان معاوية يعمل على تنشيطها مع بلدان البحر المتوسط، لذلك أسكنهم في مدينة طرابلس، ثم استقدم الفرس من الداخل، وأنزلهم فيها أيضًا.
وكان عثمان قد أمر معاوية "بتحصين السواحل وشحنها، وإقطاع من ينزله إياها قطائع ففعل"٧، والمعروف أن المسلمين كانوا يخشون الإقامة في الثغور الساحلية المعرضة دائمًا لغارات البيزنطيين، لذلك واجه معاوية صعابًا في إغراء المسلمين على الرغم من أنه وزع الأراضي عليهم، واضطر أخيرًا إلى إسكانها بخليط غير مسلم، كما أذن لبعض البيزنطيين بالإقامة فيها بعد أن استأمنهم٨. وكان يشحنها في كل عام، بفرق من الجند المسلمين ليدافعوا عنها ضد غارات البيزنطيين، وولى عليها عاملًا من قبله.
فتح جزيرة قبرص:
كانت قبرص ولاية بيزنطية عاصمتها قنسطنطيا "سلاميس القديمة"، ويدين سكانها
_________________
(١) ١ البلاذري: ص١٣٣. ٢ المصدر نفسه. ٣ المصدر نفسه. ٤ المصدر نفسه: ابن عساكر: ج١٦ ص٧٧. ٥ المصدران نفساهما. ٦ سالم، سيد عبد العزيز: طرابلس الشام في التاريخ الإسلامي ص٣٦. ٧ البلاذري: ص١٣٤. ٨ تدمري: تاريخ طرابلس ص٩٦.
[ ٣٧٨ ]
بالعقيدة النصرانية الأرثوذكسية منذ عام ٤٣١م، وقد صهرت الكنيسة شعب الجزيرة، وجعلت منه وحدة اجتماعية ودينية وثقافية، كما أن الروابط القديمة القوية بين رجال الدين، والسكان خلقت نوعًا من الشعور بالتضامن الاجتماعي في ظل سمة قائمة على مدار العصور المتتالية، التي خضعت فيها الجزيرة للسيادة الأجنبية١.
وعندما فتح المسلمون الثغور البحرية، أضحت هذه عرضة لهجمات البيزنطيين المنطلقين من الجزر القريبة، ونظرًا؛ لأن الصراع العسكري بين المسلمين، والبيزنطيين كان بأحد وجهيه بحريًا، أدرك معاوية أهمية بناء أسطور إسلامي بهدف:
- الدفاع عن السواحل.
- غزو الجزر البحرية المواجهة لساحل بلاد الشام.
- الدفاع عن المناطق الداخلية المفتوحة.
- استمرار العلاقات التجارية الخارجية مع دول البحر المتوسط، وبخاصة أن هذا البحر كان لا يزال تحت قبضة البيزنطيين٢.
وتنفيذًا لهذا المخطط كتب إلى عمر بن الخطاب يطلب منه السماح بركوب البحر، وغزو الجزر القريبة من ساحل بلاد الشام، لكن الخليفة لم يأذن له إذ "كان يكره أن يحمل المسلمين غزاة فيه"، وكتب إليه بترميم حصون الثغور البحرية، وترتيب المقاتلة فيها، وإقامة الحرس على مناظرها، واتخاذ المواقيد لها، لحمايتها من غارات البيزنطيين٣.
وحدث في أواخر أيام عمر وأوائل عهد عثمان أن استعاد البيزنطيون بعض المدن الساحلية، كما استردوا مدينة الإسكندرية، فأدرك معاوية أنه لا بد من إنشاء أسطول إسلامي للتصدي للخطر البيزنطي، وفتح الجزر البحرية التي ينطلق منها العدو، واتخاذها قواعد انطلاق لغزو القسطنطينية، وهو الهدف الأسمى للمسلمين، ونجح في إقناع عثمان بركوب البحر، وسمح له بغزو قبرص على أن يحمل معه امرأته فاختة بنت قرظة وولده، حتى يعلم أن البحر هين كما صوره، له، وأمره بعدم إجبار الناس على الركوب معه إلا من اختار الغزو طائعًا٤.
وفور الحصول على موافقة الخليفة، قرر معاوية إصلاح المراكب التي استولى
_________________
(١) ١ دائرة المعارف الإسلامية: ج٢٦ ص٨٠٦٨، مركز الشارقة للإبداع الفكري ١٩٩٨. ٢ أرشيبالد، لويس: القوى البحرية والتجارية في حوض البحر المتوسط ص٨٩. ٣ البلاذري: ص١٣٤. ٤ المصدر نفسه: ص١٥٧، ١٥٨، الطبري: ج٤ ص٢٦٠.
[ ٣٧٩ ]
عليها المسلمون من البيزنطيين، وتقريبها إلى ساحل حصن عكا الذي أمر بترميمه، كما رمم ثغر صور١، وكتب إلى أهل السواحل بالاستعداد لغزو قبرص التي اختارها هدفًا عسكريًا لنشاط الأسطول الإسلامي، بفضل وضعها الجغرافي المتميز آنذاك، كقاعدة لغزو القسطنطينية.
وخرج معاوية على رأس حملته الأولى على الجزيرة في عام "٢٨هـ/ ٦٤٩م"٢، وتألف الأسطول الإسلامي من مائة وعشرين مركبًا بقيادة عبد الله بن قيس٣، وخرج معه جمع من الصحابة منهم أبو ذر الغفاري، وعبادة بن الصامت، وزوجته أم حرام، والمقداد بن الأسود وغيرهم٤.
وصادف الأسطول الإسلامي، وهو في طريقه إلى قبرص، بعض المراكب البيزنطية المحملة بالهدايا، وقد بعث بها ملك قبرص إلى الإمبراطور قنسطانز الثاني، فاستولى المسلمون عليها، وعندما وصل الأسطول الإسلامي إلى قبرص رسا على ساحلها، وأغار الجنود المسلمون على نواحيها، وغنموا الكثير من أهلها، واضطر ملك قبرص في ظل عجزه عن المقاومة إلى طلب الصلح، فصالحه معاوية على أن:
- يؤدي أهل الجزيرة جزية سنوية مقدارها سبعة آلاف دينار، كما يؤدون للبيزنطيين مثلها، وليس للمسلمين أن يحولوا بينهم، وبين ذلك.
- يمتنع المسلمون عن غزو الجزيرة، ولا يقاتلون عن أهلها من أرادهم من ورائهم.
- يعلم أهل الجزويرة المسلمين بتحركات البيزنطيين المعادية لهم.
- يعين المسلمون على أهل الجزيرة بطريقًا منهم٥.
الواقع أن هذه الشروط التي فرضها معاوية على مالك قبرص، متواضعة، ويبدو أنه رأى أن الظروف الضرورية للاستقرار في الجزيرة لم تتوفر بعد، وأن الحملة لم تكن أكثر من حملة استكشافية، واختبار قوة البحرية الإسلامية، لكن الدواعي العسكرية دفعته إلى تغيير تفكيره، وذلك في عام "٣٢هـ/ ٦٥٣م"، حين ساعد أهل الجزيرة البيزنطيين، في حربهم ضد المسلمين، وأعطوهم بعض المراكب من أجل ذلك، فنقضوا الصلح المبرم بينهم وبين المسلمين، مما حمل معاوية على غزو الجزيرة
_________________
(١) ١ البلاذري: ص١٥٧، ١٥٨. ٢ الطبري: ج٤ ص٢٥٨. ٣ المصدر نفسه: ص٢٦٠. ٤ المصدر نفسه: ص٢٥٨. ٥ المصدر نفسه: ص٢٦٢، البلاذري: ص١٥٨، ١٥٩، اليعقوبي: ج٢ ص١٦٦.
[ ٣٨٠ ]
للمرة الثانية في عام "٣٣هـ/ ٦٥٤م" ففتحها عنوة، وأخذ السبي منها وأقر أهلها على صلحهم، وعمد إلى تمصيرها، واستقرار المسلمين فيها، فبعث إليها اثني عشر ألفًا من أهل الديوان المكتتبين، فبنوا بها المساجد، كما نقل إليها جماعة من أهل بعلبك، وبنى بها مدينة، وأقاموا يعطون الأعطيات إلى أن توفي١.
غزو الجزر البحرية:
تتابعت الغارات الإسلامية على جزر البحر المتوسط، مثل أرواد وكوس ورودس، وهي التي تتحكم في المضائق البحرية، وبدأ المسلمون بجزيرة أرواد قرب ساحل بلاد الشام بين طرابلس وجبلة، أمام مدينة أنطرطوس، وقد هاجمتها الحملة الأولى العائدة من قبرص، ونزل الجنود المسلمون على أرض الجزيرة، لكن أهلها اعتصموا بالقلعة، فلم تفتح إلا في عام "٢٩هـ/ ٦٥٠م" في الوقت نفسه التي فتحت فيه جزيرة كوس٢، غير أن البلاذري يذكر أن جزيرة أرواد فتحت في عام "٥٤هـ/ ٦٧٤م" على على يد جنادة بن أبي أمية، وأسكنها معاوية المسلمين٣، والواقع أن الحملات البحرية كانت تتوالى على هذه الجزر، ولم يتسن للمسلمين إخضاعها في حملة واحدة، أو عام واحد.
غزوة إفريقية:
كان عمرو بن العاص قد أمن حدود مصر الغربية بفتح برقة صلحًا في عام "٢٢هـ/ ٦٤٣م"، وفتح طرابلس الغرب عنوة في العام التالي، وفي عام "٢٧هـ/ ٦٤٨م"، ولي مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فاستأنف عمليات الفتوح، وكان البيزنطيون يسيطرون على إفريقية، فأرسل سراياه إلى أطراف هذه البلاد، ثم استأذن عثمان بغزوها، فأذن له، وأرسل إليه مددًا بقيادة الحارث بن الحكم٤، وخرج عبد الله بن سعد بن أبي سرح على رأس جيش كثيف قاصدًا قرطاجنة٥، وهي مركز تجمعات الجيوش البيزنطية بقيادة جرجيوس، فلما علم القائد البيزنطي بزحف المسلمين حشد جيشًا مؤلفًا من مائة وعشرين ألف مقاتل٦، واصطدم بهم في مكان يبعد عن سبيطلة٧ يومًا وليلة، وتبادل الطرفان النصر والهزيمة، ولم يحقق أي منهما انتصارًا واضحًا، ولم يتغير الموقف العسكري لصالح المسلمين إلا عندما أرسل الخليفة عثمان مددًا بقيادة عبد الله بن الزبير، وقتل القائد البيزنطي في المعركة، وفر من نجا من
_________________
(١) ١ البلاذري: ص١٥٨. ٢ ابن أعثم: ج٢ ص١٤٥، ١٤٦. ٣ فتوح البلدان: ص٢٣٧. ٤ الطبري: ج٤ ص٢٥٣، ٢٥٤. ٥ قرطاجنة: تقع بالقرب من تونس الحالية. ٦ ابن كثير: ج٧ ص١٥٢. ٧ سبيطلة: مدينة من مدن إفريقية، بينها وبين القيروان سبعون ميلًا، الحموي: ج٣ ص١٨٧.
[ ٣٨١ ]
جنوده في كل اتجاه، ودخل عبد الله بن سعد بن أبي سرح مدينة سبيطلة، وبث جنوده في البلاد، وبلغ قفصة١، وفتح حصن الأجم جنوبي القيروان، ويبدو أنه اكتفى بهذه الفتوح القليلة، فعقد صلحًا مع زعماء البلاد من البربر، وعاد إلى مصر دون أن يترك أثرًا يذكر، إلا أن غزواته التي تمت على هذا النحو كانت تجربة مفيدة للمسلمين إذ أوقفتهم على حال هذه البلاد، وعلى مدى أهميتها إليهم.
غزو بلاد النوبة:
بعد عودة عبد الله بن سعد بن أبي سرح من إفريقية قام بغزو بلاد النوبة، فبلغ عاصمتها دنقلة، وذلك في عام "٣١هـ/ ٦٥٢م"، واصطدم بأهلها في قتال شديد إلا أنه لم يتمكن من فتحها، فهادنهم وعقد صلحًا معهم، وهو أشبه بمعاهدة اقتصادية بين مصر وبلاد النوبة، فتمد مصر هذه البلاد بالحبوب والعدس، ويرسل النوبيون الدقيق إلى مصر٢.
معركة ذات الصواري ٣:
نتيجة لانتصارات المسلمين في البحر المتوسط خشي الإمبراطور البيزنطي من تعاظم القوة البحرية الإسلامية، والتي سوف تشكل خطرًا مباشرًا على الوجود البيزنطي في الحوض الشرقي لهذا البحر، بالإضافة إلى تهديد القسطنطينية، كما ترامت إلى مسامعه أخبار الاستعدادات الضخمة، البرية والبحرية، التي يقوم بها معاوية لغزو القسطنطينية، لذلك كان لا بد من مواجهة الموقف بتحطيم هذه القوة الإسلامية النامية في مهدها، وعندما علم عثمان بنوايا البيزنطيين المعادية، أمر معاوية بن أبي سفيان بإعداد أسطول ضخم من السفن، ويحشد الجنود، والعتاد إلى جانب حشد بري ضخم، تمهيدًا لتسيير حملة برية -بحرية، لمهاجمتهم، وتشير روايات المصادر إلى أن معاوية خرج من دمشق مع أهل الشام في عام "٣٤هـ/ ٦٥٤م" على رأس الحملة البرية، وأبحرت في الوقت نفسه السفن من ميناء طرابلس بقيادة بسر بن أبي أرطأة، وانضمت إلى الأسطول القادم من مصر بقيادة عبد الله بن سعد بن أبي سرح، واجتمع الأسطولان بساحل مدينة عكا، وانطلقا باتجاه الشمال، وبلغ تعداد الأسطول الإسلامي مائتي سفينة ونيف٤.
_________________
(١) ١ قفصة: بلدة صغيرة في طرف إفريقية من ناحية المغرب من عمل الزاب الكبير، بينها وبين القيروان ثلاثة أيام، المصدر نفسه: ج٤ ص٣٨٢. ٢ البلاذري: ص٢٣٩، حسن، إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام ج١ ص٢٦٢. ٣ الصواري: جمع صارية، وهي الخشبة المعترضة وسط السفينة. ٤ ابن عبد الحكم: ص٣٢١. الطبري: ج٤ ص٢٩٠.
[ ٣٨٢ ]
وصل معاوية بقواته إلى قيصرية في كبادوكيا بآسيا الصغرى، في حين كانت السفن الإسلامية تقترب من مياه الدولة البيزنطية، عند الساحل الجنوبي لآسيا الصغرى، ومن جهته خرج الإمبراطور البيزنطي من عاصمته على رأس أسطوله الذي تراوح عدد سفنه بين خمسمائة وألف، بحيث "لم يجتمع للروم مثله قط منذ كان الإسلام"١.
والتقى الأسطولان قرب شاطئ ليكيا عند ميناء فوينكس في "شهر محرم عام ٣٤هـ/ شهر تموز عام ٦٥٤م"، وخشي المسلمون من أن تكون الغلبة لعدوهم، إذا هالهم الأسطول البيزنطي، ولم يكن قد سبق لهم أن خاضوا معركة بحرية ضد أسطول ضخم كهذا، وقد عبر أحد المقاتلين المسلمين، وهو مالك بن أوس بن الحدثان، عندما شاهد ضخامة الأسطول البيزنطي بقوله: "فالتقينا في البحر، فنظرنا إلى مراكب ما رأينا مثلها قط"٢.
أجرى المسلمون اتصالًا مع البيزنطيين قبل بدء القتال، وعرضوا عليهم أن يكون القتال على الساحل، وإن شاءوا فالبحر، ففضلوا القتال في الماء لثقتهم بقدرتهم القتالية في البحر من جهة، ونظرتهم إلى المسلمين على أنهم بدو يجيدون ركوب الجمال، والقتال في البر، من جهة أخرى٣.
ونفذ الإمبراطور البيزنطي الذي قاد المعركة بنفسه خطة ذكية، لإنهاك المسملين بأن دفعهم لرمي البيزنطيين بالسهام، والقسي حتى نفدت ذخيرتهم، ولم يحاول الاقتراب بسفنه من السفن الإسلامية، فاضطر المسلمون بقذفهم بالرماح والحجارة، عند هذه المرحلة من أحداث المعركة اطمأن الإمبراطور البيزنطي على سلامة وضعه العسكري، وظن أن الانتصار بات من نصيبه، وأن البيزنطيين لن يحتاجوا إلا إلى هجمة واحدة حتى يحطموا الأسطول الإسلامي، وردد قوله: "غلبت الروم"، لكن المسلمين غيروا خطة القتال عندما نفدت ذخيرتهم، فربطوا سفنهم إلى بعضها، واصطفوا على ظهورها متسلحين بالسيوف والخناجر، وقذفوا السفن البيزنطية بالخطاطيف، والكلاليب وجذبوها إليهم، وبذلك تحولت ظهور السفن إلى ميدان قتال، فحولوا بذلك المعركة البحرية إلى معركة أقرب ما تكون إلى المعارك البرية، وأمام هذا التغيير السريع والمفاجئ في سير المعركة، ارتبكت القيادة البيزنطية، وفقدت السيطرة على عوامل الانتصار، بل أيقن الإمبراطور حينئذ
_________________
(١) ١ الطبري: المصدر نفسه. ٢ المصدر نفسه: ص٢٩١. ٣ المصدر نفسه: ص٢٩٠.
[ ٣٨٣ ]
بأن الهزيمة ستحل بقواته من واقع أن المسلمين أكثر ثباتًا في قتال من هذا النوع، استغل المسلمون تضعضع القوة الميدانية للبحرية البيزنطية، والفوضى التي بدت في صفوف البيزنطيين حيث كانوا "يقاتلون على غير صفوف"، فوثبوا إلى السفن البيزنطية، وقاتلوا البيزنطيين قتالًا شديدًا، وانتصروا عليهم، وأصيب الإمبراطور بجراح، وفر من مكان المعركة١.
أما تسمية المعركة بذات الصواري، فتعود على الأرجح إلى كثرة عدد صواري السفن التي اشتركت في المعركة، على الرغم مما يستدل من رواية الطبري بأن ذات الصواري اسم للمكان الذي جرت فيه المعركة٢.
نتائج معركة ذات الصواري:
- أكد هذا الانتصار قوة المسلمين البحرية النامية، وقارن المؤرخون بينها وبين معركة اليرموك البرية.
- تعد هذه المعركة من المعارك الحاسمة في التاريخ الوسيط؛ لأنها حولت العلاقات الإسلامية -البيزنطية نحو اتجاه جديد في الحوض الشرقي للبحر المتوسط، إذ إنها عدت المدخل الذي أطل منه المسلمون على العالم الوسيط كقوة بحرية منافسة في المنطقة.
- تخلي الإمبراطور البيزنطي قنسطانز، ومن جاء بعده من الأباطرة، عن فكرة طرد المسلمين من الأراضي التي فتحوها في شرقي البحر المتوسط، والاكتفاء بتأمين الدفاع عن الأراضي البيزنطية في الجبهة الجنوبية من آسيا الصغرى.
- أفاد هذا التغيير في الخطط العسكرية البيزنطية الدولة الإسلامية في وقت دخلت فيه في دور من القلق، والنزاع الداخلي بسبب مقتل عثمان، والحرب الأهلية بين علي ومعاوية، حيث ساد الهدوء العلاقات العسكرية بين الجانبين.
- أضاعت هذه المعركة آخر فرص البيزنطيين لاستعادة مواقعهم في بلاد الشام، ومصر حيث كان اعتمادهم على التفوق البحري.
_________________
(١) ١ الطبري: ج٤ ص٢٩١، ٢٩٢. ٢ تدمري: تاريخ لبنان ص٦٩.
[ ٣٨٤ ]
الفصل الثاني عشر: الفتنة الكبرى ومقتل عثمان
تمهيد:
أدى استقرار الموجة الأولى من الفاتحين المسلمين في الأقطار المفتوحة، إلى نشوء بيئة اجتماعية جديدة تعيش فيها مختلف شرائح المجتمع الفاتح، وجسد تخطيط المدن الإسلامية، وبخاصة الكوفة والبصرة، استقرار القبائل التي حملت عبء الفتوح، في الأراضي المفتوحة، وترسيخ سيطرتها بشكل مثير للانتباه، وساهم تدفق الأموال، وتكديس الثروات في المدينة، والأمصار نتيجة الفتوح؛ في خلق طبقة اجتماعية جديدة أخذت في النمو بحيث أضحى من الضروري إعادة تنظيم هيكل الحياة الاجتماعية، فهناك الأمصار بما تحويه من المقاتلين المتفرغين للجهاد، وهناك أيضًا السلطة المركزية في المدينة مع بيت مالها، وولاتها وعمالها، تتابع دورها الرئيس كمشرفة على نشاط المقاتلين، وعلاقتهم بالأرض التي يفتحونها، والشعوب التي ينتصرون عليها.
والواقع أن تدفق الأموال على بيت المال، وتكديس الثروات في أيدي الطبقات الاجتماعية، ترك آثارًا على مختلف نواحي الحياة، فقد تدفقت الأموال على المدينة، وتركزت فيها حيث كانت تنقل إلى هناك في ظل قلة النفقات، فالعطاء لا يطال سوى بضع مئات، أو آلاف من الناس لا يمكن مقارنتهم مع التجمعات الضخمة في العراق وبلاد الشام، كما أن المدينة لم تكن تشارك في النفقات الإدارية، والعسكرية التي كانت تجبى محليًا في الأمصار، كما وجدت الثروات طرائقها إلى المقاتلين، والقادة والتجار وحتى المواطنين العاديين، فتركزت القوة المالية والعسكرية في الأمصار، فأغرت أصحابها بالاستمتاع بها، ودفعت بعضهم إلى حياة البذخ والترف.
كان من الطبيعي أن تفرز هذه الحياة الجديدة علاقات أخرى أكثر ملاءمة بين الحكم في المدينة، وجمهور القبائل تتناسب مع التوجهات المفرزة، وتفتح آفاقًا جديدة للتطور الاجتماعي والسياسي، كان لا بد أن يصطدم مع سيادة المدينة
[ ٣٨٥ ]
وهيمنتها على القرار السياسي من واقع إعادة هيكلية، وتحديد وظيفة الخلافة وصلاحيات الخليفة على حساب دور القبائل ومنزلتها.
ويبدو أن أول ما وقع الاختلاف بين المعارضة، وعثمان حين خطأ بعضهم بعضًا في أشياء نقموها عليه، وكان المسلمون بعامة، قبل ذلك يختلفون في الفقه ولا يخطئ بعضهم بعضًا١.
والواضح أن هذه الظاهرة تعكس النوعية السياسية الجديدة التي حاول عثمان إحداثها في تاريخ الأمة الإسلامية، إذ إن الخلافات والمناقشات قبل أن يتسلم الخلافة، كانت تحدث في إطار واحد مشترك، وضمن هيكل اجتماعي متفق عليه من قبل جميع الأطراف، تمثل في الفقه فقط، أي في القضايا التنفيذية الإجرائية٢.
أما سياسة عثمان الإدارية والمالية، فعلى الرغم من أنها حافظت على النبي الاجتماعية التوزيعية، والتراتبية المنبثقة عن الفتوح٣، إلا أنها مست أمورًا رئيسية في النظام السياسي، وإن حافظت على القضايا الجوهرية مثل الفتوح، والموقف من المشروع الأساسي للمجتمع الإسلامي، وطرحت قضايا جديدة كانت موضوعًا للمناقشة، وخالفت سياسة عمر بن الخطاب في طريقة ترتيب الأمور، كما تبلورت في سياق استقرار الموجة الأولى للفتوح فارضة قضايا جوهرية، مثل الموقف من بيت المال، وتعيين الولاة واختيار قادة الأمة وغيرها، الأمر الذي أثار نفاشًا حادًا، وعلنيًا بين كبار الصحابة.
كانت النتيجة الحتمية لهذا التطور نشوء معارضة سياسية ضد الخليفة في ظاهرة لم تشهدها الأمة الإسلامية من قبل، وانزلق المسلمون في متاهة الفتنة، التي أدت إلى مقتل الخليفة.
والواقع أن قسمًا من الانتقادات التي ستوجه إلى عثمان، والتي سيجري التذكير بها لتعبئة الرأي العام، رد فعل لهيمنة الأمويين على مقدرات الخلافة، واستثارهم بالنفوذ، والسلطان مع تباطؤ الخليفة في العمل على الحد من اندفاعهم، أو محاسبتهم، وقد ظهرت الانتقادات في وسط الصحابة مبدئيًا، وهم الذين شعروا بأنهم المعنيون سياسيًا، ودينيًا أكثر من غيرهم بمصير الأمة الإسلامية، إلا أنهم تكتموا في البداية تجاه تجاوزات الأسرة الأموية، وسكوت الخليفة عنها، أما الذين
_________________
(١) ١ السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن: تاريخ الخلفاء ص١٢٧. ٢ إبراهيم: ص٢٣٨. ٣ جعيط: ص٦٠.
[ ٣٨٦ ]
إله إلا الله"١، كما أن هذا القرار يعد خطوة خطيرة، وتجاوزًا لمبادئ الإسلام، وتشجيعًا للقاتل على جريمته، ومخالفة لرغبة عمر بمعاقبة ابنه، مع الإشارة إلى أن اليعقوبي انفرد بقوله: "إن عمر أوصى أن يقاد عبيد الله بالهرمزان"٢ إلا أن هؤلاء لم يتسرعوا في الحكم على عثمان بسبب هذه القضية نظرا لانقسامهم تجاهها، ثم لمكانة عمر بن الخطاب في نفوسهم، ولما كانوا يرونه من رعاية حقه في أهل بيته، إلا أن ذلك أعطى جمهور الصحابة، وعامة المسلمين مؤشرًا واضحًا على أنهم أمام سياسة جديدة لخليفة جديد، على الرغم من تأكيداته المتكررة بأنه يسير على النهج نفسه الذي سار عليه من سبقه من الخلفاء٣.
والواقع أن حجج المعارضين واهية لا تثبت أمام النقد البناء، إذ إن حقيقة إسلام الهرمزان مشكوك فيها "لما عضه السيف قال: لا إله إلا الله"، الأمر الذي يعني دفاعًا غير مباشر عن عبيد الله بن عمر الذي قتل رجلًا أسلم بعد أن طعنه وليس قبل ذلك، والفارق بين الأمرين كبيرًا جدًا٤، ثم إن قرار الخليفة بدفع دية القتلى من ماله الخاص، بوصفه ولي القتلى، ثم بعد مشاورة الصحابة، وجمهور المسلمين الذين رفضوا قتل عبيد الله بن عمر٥.
السماح للقرشيين الانسياح في الأمصار:
الواضح أن الظروف السياسية، والاجتماعية التي ترك عليها عمر بن الخطاب المسلمين بعامة وقريشًا بخاصة، من واقع شدته وقسوته، فرضت اتجاهًا قرشيًا يطالب باستبدال هذه القسوة باللين، وبفك القيود والحصار عنها، وإنهاء التقليد الذي فرضه، وذلك لحرص القرشيين على جمع الأموال، والوصول إلى السلطة، وهو ما أثبتته التطورات اللاحقة.
ويبدو أن هذه العلاقة الحذرة بين عمر، وقريش ليست جديدة، بل كانت موجودة من قبل، فقد خشي أهل الشام، وأعني وجوه الناس من قريش الذين استقروا في هذا البلد، حين سمعوا بمرض أبي بكر، أن يستخلف عمر؛ لأن عمر ليس لهم بصاحب وهو يرون خلعه، فأرسلوا رسولًا لاستطلاع الأمر٦.
والواقع أن عمر كان له رأي خاص في انتشار قريش في الأمصار، وتكديس
_________________
(١) ١ البلاذري: ج١٠ ص٤٣٢. ٢ تاريخ اليعقوبي: ج٢ ص٥٤. ٣ ملحم: ص١٠٨. ٤ المرجع نفسه. ٥ البلاذري: ج١٠ ص٤٣٣. ٦ ابن قتيبة: ج١ ص٢٣.
[ ٣٨٨ ]
القرشيين للأموال، وذلك من خلال أن هذا التطور سوف يبعد هؤلاء عن الأجواء الأولى لظهور الإسلام١، لذلك ضيق على المهاجرين بخاصة، وعلى قريش بعامة وحصرهم في المدينة، ومنعهم من التنعم بثمار الفتوح، مما دفع القرشيين إلى بذل جهود حثيثة بعد وفاته كي يصل إلى منصب الخلافة شخص مغاير لتفكير عمر، وقد نجحوا في ذلك، فكان اختيار عثمان الذي انتهج سياسة حياتية، واجتماعية استهدفت النزوع نحو الانفراج من واقع البيئة الجديدة التي أفرزتها الفتوح، ولهذا كان نهجه المرن، والمتحرر متوافقًا مع تطلعات القرشيين، ومقرونًا بها٢.
إذن لم تكن القضية تعديلًا جزئيًا ناتجًا عن اجتهاد عثمان، بل كانت قضية نموذج سياسي وقيادي، قدمه الخليفة لإعادة صياغة وظيفة الخلافة، ومحاولة فك ارتهانها بسلوك القبائل، وذلك بالارتباط الوثيق مع اتجاهات التطور الاجتماعي داخل الأمة الإسلامية التي أوصلته عمليًا للخلافة٣.
فلما ولي عثمان أذن لكبار الصحابة بالخروج إلى أي مكان يريدون، فانتشروا في الأمصار، واتصلوا بالقوى العسكرية، وبأهل البلاد الوطنيين، وجمعوا الثروات، وكدسوا الأموال من خلال امتلاكهم الضياع، وأشادوا القصور، وشكلوا طبقة غنية مترفهة، والتف المسلمون حولهم بوصفهم زعامات دينية ساعدت النبي ونصرته، وأنشأوا لأنفسهم عصابات بما كانوا يضفونه على أتباعهم من هبات وأعطيات، فعظمت مراكزهم، وكثر أتباعهم والموالون لهم حتى أضحى كل فريق منهم يتمنى أن تصير الخلافة في يد صاحبه لتكون لهم الحظوة عنده٤.
واتخذ عثمان قرارًا في عام "٣٠هـ/ ٦٥٠م" يتوافق مع توجهاته سمح بموجبه بحرية تبادل، وبيع الأراضي بصورة شخصية٥، والواضح أنه رأى أن أهل المدينة الذين شاركوا في المعارك الكبرى كالقادسية كان لهم الحق بنصيب من تلك الأراضي المفتوحة، وبما أنهم كانوا يقيمون في الحجاز، فقد أجاز لهؤلاء ممن كانت لهم أرض في الجزيرة العربية، أي في الحجاز، واليمن وحضرموت، بمقايضتها بنصيب أهل المدينة من أراضي الفيء في العراق كما أجاز بيع الأسهم من الفتوح.
وهكذا سيكون لهؤلاء مقابل اشتراكهم في حروب الفتوح أراض تقع في الجزيرة العربية، وبالمقابل سيحصل آخرون على أرض في سواد العراق بدلًا من ممتلكاتهم
_________________
(١) ١ إبراهيم: ص٢٣٢. ٢ المرجع نفسه: ص٢٣٣. ٣ المرجع نفسه: ص٢٣٣، ٢٣٤. ٤ الطبري: ج٤ ص٣٩٨. ٥ المصدر نفسه: ص٢٨٠، ٢٨١.
[ ٣٨٩ ]
في الجزيرة العربية التي يريدون مقايضتها، مع فارق قيمة الأرض الزراعية بين المنطقتين.
وقد هدف عثمان إلى تعزيز مواقع المهاجرين، والأنصار في الأمصار حيث كانت الكلمة العليا للقبائل أي للمتأخرين في الإسلام، وطمح في تثبيت أملاك، وتحسين أوضاع أهل الفضل، والقدم والسابقة في الفتوح.
وهكذا جرت حركة واسعة من البيع، والتبادل أدت عمليًا إلى تركيز أراضٍ واسعة في الأمصار في أيدي الأغنياء من القرشيين، وبعض زعماء القبائل الذين كانوا يملكون شيئًا في الجزيرة العربية، أو حتى أولئك الذين كانوا يملكون المال، وتمت هذه الاستفادة على حساب الكثير من العامة من الجمهور القبلي الذي حمل عبء الفتوح بسيوفه١.
والواقع أن قرار عثمان لاقى قبل تنفيذه تأييد الصحابة، وموافقتهم؛ لأنه خفف أعباء إدارة أملاكهم، كما شجع الناس على الإقامة في أمصارهم، وحال دون انتقالهم منها، لذلك فإن أي نتائج سلبية نتيجة تطبيق هذا القرار يجب أن لا توجه إلى الخليفة وحده، ومن جانب آخر إن حجم ممتلكات الصحابة الكبير نما باطراد خلال الأعوام التي سبقت عهد عثمان، ومع ذلك، فإن ما قام به الخليفة أثار نتائج خطيرة، أبرزها أنه خلق فجوات اقتصادية كبيرة في الأمصار بخاصة، وتحديدًا في الكوفة بين المهاجرين القدامى من أله الأيام والقادسية، وبين المهاجرين الجدد "الروادف" مما أدى إلى تنكر القبائل لاحقًا لهذا القرار مشيرة إلى دوافعه وعواقبه، وقد خلق تمييزًا بين وضعية أراضي الخراج، وأراضي الصوافي من الفيء، كما كرهه المستفيدون منه؛ لأنه يخرج الأمور من التباس تمكن الإفادة منه، وكرهه أهل الأيام أيضًا الذين رأوا أن تبادل الأراضي أدى إلى تقلص أراضي الصوافي، واتهموا القرشيين برغبة الاستيلاء على أراضيهم، وكان أحد أسباب تمرد أهل الكوفة على ولاتهم في عام "٣٣هـ/ ٦٥٣- ٦٥٤م"٢.
نذكر من بين الشخصيات التي أثرت، واغتنت نتيجة تطبيق هذا القرار، الزبير بن العوام الذي بنى دارًا له في كل من البصرة، والكوفة والإسكندرية، كما امتلك الدور والضياع٣، والواضح أن هذا الصحابي لم يكن حالة فردية، بل مثل القسم الأكبر
_________________
(١) ١ إبراهيم: ص٢٤٨. ٢ جعيط: ص٦٥. ٣ المسعودي: ج٤ ص٢٥٣.
[ ٣٩٠ ]
من نخبة قريش الذين أخذوا يجمعون الثروات بشكل ملفت، بالاستناد إلى مراكزهم، ومواقعهم المميزة في المجتمع من خلال تدبر شئون الأمة الإسلامية، وتنظيم حياتها في الأمصار المفتوحة، وكان كل من طلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف وسعيد بن العاص، وزيد بن ثابت على هذا النمط.
دعم عثمان سياسته هذا بإقطاع الصوافي، وهو أول من تصرف بها، وأقطع الأراضي في الإسلام، ويشير البلاذري إلى هذا التوجه بقوله: "أول من أقطع العراق عثمان بن عفان، أقطع القطائع من صوافي كسرى، وما كان من أرض الجالية"، وسمى الذين أقطعهم١.
والمعروف أن سواد العراق اشتهر بخصوبته، وهو ينقسم إلى قسمين: أراضي الخراج التي كانت تضم القسم الأكبر، وتستخدم في تمويل العطاء العراقي، وربما عطاء المدينة، وأراضي الصوافي أو الفيء العائدة لمقاتلة القادسية وجلولاء، والتي كان يديرها ممثلوهم من أهل الأيام، ويزودونهم بالمكاسب والأرباح الإضافية٢، وتعد هذه أراضٍ يمكن التصرف بها.
جاءت خطوة عثمان هذه كنتيجة لتقديره الصائب لتطورات أوضاع المسلمين في الأمصار، لقد أدت الفتوح إلى نزوح أعداد سكانية هائلة من الجزيرة العربية إلى الأمصار المفتوحة، وبالتحديد إلى الكوفة والبصرة، وطغت على نواة الأمة الإسلامية من المهاجرين والأنصار، وأهل الفضل والسابقة التي أضحت تشكل أقلية عددية، وقد أدرك عثمان ذلك، وكان يرفض أن يميل ميزان القوى السياسي لصالح القبائل على حساب هؤلاء، لذلك أراد دعمهم، وتقوية سيطرتهم على المراكز القيادية بنقل الفيء إلى أيديهم مباشرة حتى تترسخ أموالهم وأملاكهم، من هنا جاءت دوافع الأقطاع العثماني، والتصرف بأراضي الصوافي، ونقل ملكيتها إلى قدماء المسلمين، كان فحوى هذا النظام، التكريس المالي، والأخلاقي لرئاسة قريش على القبائل، ومن الواضح أن سياسة كهذه ما كان لها أن تمر دون معارضة جدية من قبل القبائل في مواقعها الأساسية في الكوفة، والبصرة، ومصر٣.
والواضح أن توقف الفتوحن، وزوال وأردت الغنائم دفع أهل الأمصار إلى الاعتراض على إعطاء أهل المدينة من فيئهم، ودعوا إلى توزيع وارد كل مصر على
_________________
(١) ١ فتوح البلدان: ص٢٧٣. ٢ جعيط: ص٦٤، وانظر هامش رقم "١". ٣ إبراهيم: ص٢٤٩.
[ ٣٩١ ]
من فيه من المقاتلة بوصفه مال المسلمين، في حين الخليفة يعده مال الله، أي مال الدولة، فضجوا بالشكوى من عثمان وعماله١، ولعل في مطالبة وفود مصر التي استقرت في المدينة دليلًا واضحًا على ذلك "نريد ألا يأخذ أهل المدينة عطاء، فإنما هذا المال لمن قاتل عليه، ولهؤلاء الشيوخ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم٢".
موقف عثمان من بيت المال:
تتباين روايات المصادر حول تصرف عثمان في أموال بيت مال المسلمين، وذلك من خلال ميول أصحابها المذهبية والسياسية، وتقييمهم لنهج عثمان على ضوء ذلك، فقد انتقد اليعقوبي أعمال عثمان ونهجه، في حين أبرز البلاذري الانتقادات التي وجهت إلى عثمان، ونحا الطبري منحى آخر دافع فيه أحيانًا عن أعمال عثمان.
والراجح أن عثمان بوصفه خليفة للمسلمين، وإمامًا لهم، كانت له وجهة نظر خاصة، من واقع وظيفته القيادية، تعطيه الحق في حرية التصرف في بيت المال ضمن حدود المصلحة العامة.
يروي البلاذري أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح، أخا عثمان في الرضاعة وعامله على المغرب، غزا إفريقية في عام "٢٧هـ/ ٦٤٨م"، ففتحها وأصاب فيها غنائم كثيرة، وكان معه مروان بن الحكم، فكتب إليه يأمره بتقديم خمس غنائم إفريقية إلى مروان، وكانت قيمتها مائة إلى مائتي ألف دينار، فوهبها له فأنكر الناس ذلك على عثمان٣.
ويستنتج من رواية الطبري لهذا الحدث أن والي مصر عمرو بن العاص هو الذي منح أمير جيشه عبد الله بن سعد بن أبي سرح خمس خمس غنائم إفريقية تنفيذًا لوعد قطعه، الأمر الذي أثار سخط المسلمين، فأرسلوا إلى عمرو بن العاص وفدًا طالبه بعزل أميرهم، واسترجاع ما استولى عليه من أموال، فوافق على ذلك٤.
وأثار الطبري الشك في صحة رواية الواقدي التي تحدثت عن تقديم عثمان إلى مروان بن الحكم ثلاثمائة قنطار ذهب، كان قد صالح عليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح زعماء إفريقية، "فأمر بها عثمان لآل الحكم، قلت: أو لمروان؟ قال: لا أدري"٥.
_________________
(١) ١ الدوري: ص٥٥. ٢ الطبري: ج٤ ص٣٥٥، ابن قتيبة: ج١ ص٣٤. ٣ أنساب الأشراف: ج٦ ص١٣٣، لقد صالح حاكم إفريقية عبد الله بن سعد بن أبي سرح على ألفي ألف دينار، وخمسمائة ألف دينار وعشرين ألف دينار. الطبري: ج٤ ص٢٥٦. ٤ تاريخ الرسل والملوك: المصدر نفسه: ص٢٥٣، ٢٥٤. ٥ المصدر نفسه: ص٢٥٦.
[ ٣٩٢ ]
وتحدث الطبري عن إعادة عثمان إلى بيت مال المسلمين مبلغ خمسة عشر ألف دينار كان قد وهبها إلى مروان بن الحكم، تلبية لمطالب الصحابة له باستعادتها١.
وفي عام "٣٠هـ/ ٦٥١م" زوج عثمان ابنته من عبد الله بن خالد بن أسيد، وأمر له بستمائة ألف درهم، وكتب إلى عبد الله بن عامر أن يدفعهما إليه من بيت مال البصرة٢، ويشير الطبري إلى أنه أعادها إلى بيت المال٣، والحقيقة أن عثمان الذي اشتهر بالثراء، قسم ماله وأرضه في بني أمية٤، وكان يمنح أقاربه هبات مالية إضافية من بيت مال المسلمين لقضاء حاجة طارئة، أو ضرورية، ثم يستردها، على الرغم من أن بعض رواة المصادر يسكتون عن عملية الاسترداد لإثارة الرأي العام ضده.
لم يركن عثمان إلى السكوت، بل دافع عن نفسه في وجه الانتقادات المالية التي وجهت إليه، واعترض صراحة بأن ما يمنحه لأقاربه من هبات هي من ماله الخاص، فقال: "إني أحب أهل بيتي وأعطيهم، فأما حبي فإنه لم يمل معهم على جور، بل أحمل الحقوق علهيم، وأما إعطاؤهم فإن ما أعطيهم من مالي، ولا أستحل أموال المسلمين لنفسي، ولا لأحد من الناس"٥.
ومهما يكن من أمر، فإنه لا بد من تقدير هذه الأحداث المتعلقة بخاصية التطورات التاريخية التي عاشتها الأمة الإسلامية في عهد عثمان، وتكمن أهميتها في أنها غيرت قاعدة السلوك المتبعة منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب، ففي حين كان ديوان الخليفة الثاني يقوم على مبدأ ثابت، وهو أن الفيء مال المسلمين لا يحق لأحد أن يتصرف به، نشأت في عهد عثمان مصطلحات فقهية جديدة من واقع رؤية هذه الخليفة لماهية، ووظيفة الخلافة، وربط بشكل طبيعي بين تحمل المسئولية السياسية، والقيادية للمسلمين، وبين حرية التصرف في بيت مال المسلمين، إنما ضمن حدود المصلحة العامة لتسيير شئون الحكم، وعلى أن لا ينفق مال المسملين في مصاريف خاصة، وقد أثارت هذه القضية مناقشات علنية بين الصحابة، من واقع تباطؤ بعض المدينين بإعادة الدين إلى بيت مال المسلمين، أو تعمدهم بعدم تسديد ما استلفوه.
ولعل لأبي ذر دورًا محوريًا في تلك المناقشات من خلال رؤيته لماهية المال العام. إذ عندما اجتمع بمعاوية في دمشق سأله: "ما يدعوك أن تسمي مال المسلمين
_________________
(١) ١ تاريخ الرسل والملوك: ج٤ ص٣٤٥. ٢ اليعقوبي: ج٢ ص٦٤. ٣ تاريخ الرسل والملوك: ج٤ ص٣٤٥. ٤ المصدر نفسه: ص٣٤٨. ٥ المصدر نفسه: ص٣٤٧، ٣٤٨.
[ ٣٩٣ ]
مال الله؟ قال: يرحمك الله أبا ذر، ألسنا عباد الله والمال ماله، والخلق خلقه، والأمر أمره؟ قال: فلا تقله، قال: فإني لا أقول: إنه ليس مال الله، ولكن سأقول: مال المسلمين"١.
وحين أعاد معاوية أبا ذر إلى عثمان قال له: "يا أبا ذر ما لأهل الشام يشكون ذربك؟! فأخبره أنه لا ينبغي أن يقال: مال الله، ولا ينبغي للأغنياء أن يقتنوا مالًا، فقال: يا أباذر؛ علي أن أقضي ما علي، وآخذ ما على الرعية، ولا أجبرهم على الزهد، وأن أدعوهم إلى الاجتهاد والاقتصاد"٢.
لقد كان لأبي ذر مفهومه الخاص في ماهية المال العام من واقع تغيير المصطلحات المتداولة في عهد عمر، فقد أجاز هذا الخليفة تلقيبه بـ"خليفة الله"، وأكد أنه خليفة المسلمين، كما أكد أن المال مال المسلمين، الأمر الذي لم يكن له إلا تفسير اجتماعي واحد، وهو أنه مال القبائل التي قامت الفتوح الأولى على أكتافها.
والواضح أنه تتباين تفسيرات هذين المصلحين من حيث الممارسة بين ما كان مفهومًا، ومطبقًا في عهد عمر، وبين المفهوم الجديد، والتطبيق العملي في عهد عثمان، وما كان يمارسه هو وعماله، وهو الذي أدى إلى الخلط، فإذا كان المال مال الله، فسيكون للخليفة حق حرية التصرف به، ولا علاقة مباشرة للمسلمين في هذا الأمر؛ لأن الخليفة هو إمام المسلمين أمام الله، وهذه كانت عمليًا الفلسفة السياسية الكامنة وراء تصرفات عثمان، وقراراته بهذا الشأن٣، لتسيير شئون الحكم.
والمعروف أن تصرفات عثمان في بيت مال المسلمين لم تكن على حساب عطاءات المقاتلة وأرزاق القبائل، إذ إن الظروف السياسية والاقتصادية، والعسكرية التي رافقت تسلم عثمان لمنصب الخلافة أدت إلى تكديس الثروات، وجرى تداولها، وإنفاقها وتخزينها على مختلف المستويات،
فكان لا يأتي يوم على الناس إلا وهم ينالون خيرًا، والواقع أنه كان يسود عهد عثمان بحبوحة مالية بحيث أن كل مسلم كان يأخذ حقه وفق نظام الديوان دونما حاجة إلى المس ببيت المال٤.
تغيير العمال:
ينسجم هذا النهج مع السلوك السياسي للخليفة الخاص بيت المال، لكن الإثارة
_________________
(١) ١ الطبري: ج٤ ص٢٨٣. ٢ المصدر نفسه: ص٢٨٤. ٣ إبراهيم: ص٢٣٦، ٢٣٧. ٤ انظر وصف الحسن البصري لأوضاع المسلمين المادية في عهد عثمان في: ابن قتيبة ج٢ ص٢٨.
[ ٣٩٤ ]
التي أحدثتها القرارات التي أصدرها عثمان بشأن تغيير العمال، بين الصحابة، فيها شيء من المبالغة، والحقيقة أن الخليفة انتهج سياسة منسقة، وبشكل تدريجي في تولية أقربائه متجاوزًا شخصيات صحابية كبرى، مثل علي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام وغيرهم من أهل الفضل، والسابقة من المهاجرين والأنصار، متخليًا بذلك عن أسس مجلس الشورى، ونظامه على عهد عمر بن الخطاب الذي كان يفاضل بين المسلمين، وفقًا لمعيار القدم والسابقة، وكان بعضهم حديثي السن، ليس لهم تجربة في الأمور، وليس لهم صحبة برسول الله، وقد تسببت هذه السياسة في انقسام المجتمع الإسلامي في الأمصار، وألبت المصاعب على عثمان، وذلك من واقع سيرة هؤلاء.
ويبدو أن عثمان، بحكم رؤيته الجديدة لصلاحيات الخليفة، وممارسة السيادة، وجد نفسه أنه لا يستطيع التعاون مع الشخصيات القيادية التي أدارت نظام عمر، وساهمت في بنائه، فكان استبدال الأشخاص نقلة نوعية طبيعية لاستبدال المواقف، وارتكب بعض هؤلاء مخالفات مسلكية، وأحيانًا شرعية نفر منها المسلمون، وظنوا أنهم فوق المساءلة، والمحاسبة لقرابتهم من الخليفة.
لقد ثبت عثمان في بداية حياته السياسية عمال عمر سنة أخرى تلبية لطلبه١، إلا أنه عزل المغيرة بن شعبة عن الكوفة في عام "٢٤هـ/ ٦٤٥م"، وعين سعدًا بن أبي وقاص بدلًا منه، تلبية لوصية عمر لمن يلي بعده بأن يستعمله خشية أن يلحق به أذى من جراء قرار سابق بعزله عن الكوفة٢، إلا أن عثمان أصدر قرارًا بعزله بعد عام من تعيينه بسبب خلافات نشبت بينه، وبين عبد الله بن مسعود، عامل بيت مال المسلمين في الكوفة لإبطاء سعد في رد أموال اقترضها من بيت المال، فارتفع الكلام بينهما، وأدى ذلك إلى انقسام أهل الكوفة، فقد استعان عبد الله بأناس على استخراج المال، واستعان سعد بأناس على استنظاره، فافترقوا وبعضهم يلوم بعض٣، الأمر الذي أثار الخليفة عليهما، فعزل سعدًا من منصبه، وعين الوليد بن عقبة بن أبي معيط على الكوفة بدلًا منه، وهو شقيقه لأمه٤، والمعروف أن الوليد هذا كان مؤمنًا متأخرًا، وأحد الطلقاء، ويشير البلاذري، من خلال نقده لسياسة عثمان، إلى أن الوليد هو أحد الطلقاء الذين غلبوا، وعفي عنهم بعد فتح مكة، وقد وصفه القرآن شخصيًا بصفة.
_________________
(١) ١ الطبري: ج٤ ص٢٤٤. ٢ المصدر نفسه. ٣ المصدر نفسه: ص٢٥١. ٤ البلاذري: ج٦ ص١٣٨.
[ ٣٩٥ ]
الفاسق أي الرجل الذي لا يوثق بكلامه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] إذ كان النبي قد وجهه على صدقات بني المصطلق، فعاد إليه قائلًا: "إنهم منعوا الصدقة"، ويضيف البلاذري بأن هذا التعيين كان له وقع سيئ١، وهذا التأكيد يضعف إيمان الوليد، وهو في حقيقة الأمر إدانة للدور الأموي، وموقف الأمويين بعامة من الدين الجديد أكثر من وصفه انتقادًا لعثمان لاستعماله له٢، وذلك بسبب ما أورده البلاذري نفسه، والطبري، من أن عمر بن الخطاب استعمله على صدقات بني تغلب في الجزيرة الفراتية٣.
ظل الوليد عاملًا على الكوفة حتى عام "٣٠هـ/ ٦٥٠-٦٥١م"، حينما عزله عثمان وولى مكانه سعيدًا بن العاص٤، ويبدو أن حدثًا جرميًا كان وراء هذا العزل، فقد حصلت عملية سرقة، تلاها قتل، واعتقل القتلة وحاكمهم الوالي وأعدمهم، لكن ذويهم لم يتقبلوا الأمر، ويبدو لنا تفسير ذلك كأنه مؤشر للصعوبة القصوى التي يواجهها العرب المستحضرون ذووو الأصل البدوي في التسليم، والقبول بتدخل السلطة العامة في شئون الدم، وبدور الدولة العدلي٥، والمعروف أن المقتولين كانوا من بني الأزد وأسد، وأضحى آباء الذين قتلوا أعداء شخصين للوليد، فترصدوه واقتفوا أثره وكانوا رجالًا معروفين من أهل الأيام، ثم ركزوا على نقاط ضعفه، وأوقعوا به أمام الخليفة الذي اضطر إلى عزله٦.
والواضح أن العداوة الشخصية التي ينسبها الطبري في رواية سيف لا تكفي، إذا صح وجودها للإحاطة بكل القضية، فمن المرجح أن أعداء الوليد كانوا ينتمون إلى تلك الفئة الإسلامية، وليس القبلية التي تكن العداوة للدولة بسبب آرائه التحررية والانفتاحية، فقد ذكر الطبري أن الوليد "كان أحب الناس في وأرفقهم بهم، فكان كذلك خمس سنين، وليس على داره باب"٧، ويبدو أن الاستنكار الذي أحاط به دينيًا بسبب أخلاقه، وماضيه، واجتماعيا بسبب سياسة التقرب من الفئات الشعبية المنضوية تحت المهاجرين الجدد؛ قامت به فئة اجتماعية نخبوية شعرت
_________________
(١) ١ أنساب الأشراف: ج٦ ص١٣٨، ١٣٩، وانظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ج٤ ص٢٠٨، ٢٠٩. ٢ ملحم: ص١١١. ٣ أنساب الأشراف: ج٦ ص١٤٠. تاريخ الرسل والملوك: ج٤ ص٢٥٢. ٤ الطبري: المصدر نفسه: ص٢٧١ وما بعدها. ٥ المصدر نفسه: جعيط: ص٨٠، ٨١. ٦ المصدر نفسه: ص٢٧١-٢٧٧. ٧ المصدر نفسه: ص٢٧١.
[ ٣٩٦ ]
بأنها متضررة من جراء سياسة كهذه على الصعيد المعنوي، نظرًا؛ لأن الوليد أدخل هؤلاء المهاجرين الجدد، والعبيد والفقراء إلى لائحة المستحقين من العطاء، على الرغم من أنه لم ينقص عطاءات الأسياد والزعماء، وقد شعرت هذه الطبقة بأنها لا تحظى بالمكانة التي كانت لها لدى الوالي في جهاز الدولة١.
ويشار إلى أن هناك أسبابًا اجتماعية أخرى كانت وراء عدم رضا الخاصة عن الوليد بن عقبة، وهي أن أشراف الكوفة كانوا يتنافسون في الضيافة، فجاء الوليد، واتخذ منزلًا ينزلون فيه٢، وقد شكلت هذه الخطوة تحديًا للكوفيين، وخسارة اقتصادية كبرى، حيث ترتبط الضيافة بالميار، وهم الذين يأتون الكوفة ليشتروا الطعام -الميرة- ويبيعون ويربحون، مما يعني أن موضوع الضيافة كان يحمل في ضياته كسبًا ماديًا لمن يستقبلهم٣.
وصل سعيد بن العاص إلى الكوفة المضطربة، وبعد دراسة الوضع الميداني، أرسل تقريرًا إلى الإدارة المركزية في المدينة يصف الجو السياسي، والاجتماعي العام وموقف الفئات الاجتماعية فيها: "إن أهل الكوفة قد اضطرب أمرهم، وغلب أهل الشرف منهم، والبيوتات والسابقة والقدمة، والغالب على تلك البلاد، روادف ردفت، وأعراب لحقت؛ حتى ما ينظر إلى ذي شرف، ولا بلاء من نازلتها ولا نابتتها"٤.
الواضح أن المجتمع الكوفي كان يعيش، حين غادر الوليد مركز عمله، حالة مضطربة، ويخضع لضغط المهاجرين الجدد من الإعراب غير المندمجين في منظومة العطاء الذين سيطروا على مقدرات الأمور، وربما كانت سياسة الوليد وراء ذلك، وتراجع نفوذ الأشراف القبليين وأهل السابقة في القتال، وشكلوا أقلية عددية بالمقارنة مع الأعراب الوافدين.
كانت الكوفة تشكو من كثرة المهاجرين دون مراعاة وضعها الاجتماعي، بمعنى الهجرة غير المنضبطة، وحدت رد فعل من جانب أهل الأيام، والقادسية للعودة إلى سياسة عمر بن الخطاب، وتأكيد الهرمية وإعادة بناء الحجم الاجتماعي، وإبراز قيمة امتياز المبدأ الإسلامي بدلًا من الشرف القبلي، وأحاط القراء٥ بالوالي، فقد جعل
_________________
(١) ١ جعيط: ص٨٠، ٨١. ٢ الطبري: ج٤ ص٢٧٣. ٣ ملحم: ص١٣٣. ٤ الطبري: ج٤، ص٢٧٩. ٥ القراء: هم حملة القرآن وحفظته، إنهم قارئوه ومعلموه، وكانوا يشكلون في مجموعهم جزءًا من المقاتلة الذين كانوا يتلقون العطاء، دون أن يبرزوا كطبقة متخصصة في التلاوة، راجع: جعيط: ص٩٧.
[ ٣٩٧ ]
سعيد بطانته من المهاجرين الأوائل في الكوفة، ووجوه أهل الأيام، والقادسية قراء أهل الكوفة والمتسمتين١، وكان الحل بالنسبة للخليفة هو المحافظة على التراتبية الاجتماعية.
وهكذا أضحت السياسة الجديدة في الكوفة تقوم على إعادة بناء الهيكل الاجتماعي، وإبراز قيمة الامتياز الإسلامي بدلًا من الشرف القبلي، واتفق الخليفة مع عامله على تفضيل أهل الأيام، والقادسية والسابقة على سواهم، وكانوا يمثلون النخبة الإسلامية، بحث أضحى سعيد بن العاص لا يجالس إلا نازلة أهل الكوفة، ووجوه أهل الأيام والقادسية والقراء، مما يعني أن هناك انقلابًا إداريًا قد حصل في الكوفة٢.
واعتقد عثمان وواليه سعيد أن هذه السياسة هي الحل الأفضل لوضع حد للفوضى؛ لأن تلك الجماعات كانت الأشد نفوذًا والأكثر نشاطًا، وانتسب إليها الأشخاص الذين اتهموا الوليد، ونجحوا في عزله من منصبه، ثم جرى إدخال عدد معين من المهاجرين الجدد في عداد أهل العطاء، أو في عداد تلك النخبة، وطلب منهم أن يكونوا وسطاء بينه، وبين الناس: "أنتم وجوه من ورائكم، والوجه ينبئ عن الجسد، فأبلغونا حاجة ذي الحاجة، وخلة ذي الخلة"٣، وذلك لتهدئة الخواطر، وترك الباقي على حاله، الأمر الذي أثار الاستياء، والشائعات بشأن المطاعن على عثمان.
لقد ساعدت هذه الإجراءات على تهدئة الوضع في الكوفة لبعض الوقت، لكنها لم تستطع أن تواجه ضغط التطورات الاقتصادية، والاجتماعية المتلاحقة فيها بعدما أدت سياسة الخليفة تجاه أرضي الصوافي، إلى تعميق الهوة بين أهل الكوفة وبين مركز الخلافة، حيث لم يقبل المهاجرون الجدد بالتفضيل، إذا إن الأوائل المتنفذين من أهل الأيام امتلكوا، أما اللاحقون فشعروا بجفوة، كما أحدثت هذه السياسة فجوة اقتصادية بين السابقين واللاحقين، إضافة إلى الفوارق الكبيرة في الخطوة، وهي مجال العطاء والمنزلة، ويبدو ذلك واضحًا في رواية سيف بن عمر "إن الذين لا سابقة لهم، ولا قدمة لا يبلغون مبلغ أهل السابقة والقدمة في المجالس، والرياسة والحظوة، ثم كانوا يعيبون التفضيل ويجعلونه جفوة"، مما زاد في النقمة، وغلب الشر٤.
والواقع أنها كانت نقدًا عامًا للسلطة ضد فكرة التراتبية، وقد أضحى هؤلاء
_________________
(١) ١ الطبري: ج٤ ص٣١٧. ٢ جعيط: ص٨٢، ٨٣. ٣ الطبري: ج٤ ص٢٧٩. ٤ المصدر نفسه: ص٢٨١، ملحم: ص١٣٧.
[ ٣٩٨ ]
الروادف غير المندمجين كما ينبغي، كتلة تآمرية يمكن استعمالها بسهولة، ولكن آنيًا لم يكن لهم قادة، ومطالبتهم بالمساواة لم تحظ إلا بعد قليل، وبالتالي لم يكن لهم تأثير فاعل على الساحة السياسية١.
وفي عام "٣١هـ/ ٦٥١-٦٥٢م" عزل عثمان أبا موسى الأشعري عن ولاية البصرة، وولى مكانة عبد الله بن عامر وعمره خمس وعشرين سنة، وقد أثار تعيينه جدلًا بين الصحابة، وعامة المسلمين بسبب:
- قرابته من الخليفة.
- صغر سنه.
- افتقاده إلى الخبرة والتجربة في ظل عظم، ومكانه وتجربة سلفه.
دافع عثمان عن وجهة نظره، وبرز تعاونه مع ولاة أحداث بقوله: "إني لم أستعمل إلا مجتمعًا محتملًا مرضيًا، وهؤلاء أهل عملهم، فسلوهم عنه، وهؤلاء أهل بلده، ولقد ولى من قبلي أحدث منهم، وقيل في ذلك لرسول الله ﷺ أشد مما قيل لي في استعمال أسامة"٢.
وكان على مصر عمرو بن العاص، فأقره عثمان على عمله حتى عام "٢٧هـ/ ٦٤٨م"، حينما عزل وعين بدلًا منه شقيقه بالرضاعة عبد الله بن سعد بن أبي سرح٣، وقد ذكر البلاذري أنه كان يكتب بين يدي رسول الله، فيملي عليه "الكافرين"، فيجعلها "الظالمين"، ويملي عليه أيضًا "عزيز حكيم"، فيجعلها "عليم حكيم"، وادعى القدرة على الإتيان بآيات محكمات كآيات القرآن، "أنا أقول كما يقول محمد، وآتي بمثل ما يأتي به"، فأنزل الله فيه، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣]، وهرب إلى مكة مرتدًا فأمر الرسول بقتله، ثم كف عنه بعد توسط عثمان لديه٤.
لقد انفرد هذا المؤرخ بذكر هذه الرواية بهدف انتقاد قرارات الخليفة المتعلقة بتعيينه لأقاربه في مراكز السلطة، وذلك بتوضيحه الأدوار السلبية التي قام بها المعنيون مع الإشارة إلى أن الآية التي استشهد بها البلاذري نزلت في مسيلمة الكذاب٥، وأشار الطبري إلى انتقادات محمد بن أبي حذيفة، ومحمد بن أبي بكر
_________________
(١) ١ جعيط: ص٨٢، ٨٣. ٢ الطبري: ج٤ ص٣٤٧. ٣ المصدر نفسه: ص٢٥٣، ابن قتيبة: ج١ ص٣٥. ٤ أنساب: ج١ ص٤٥٤. ٥ انظر تفسير ابن كثير: ج٢ ص١٥٧.
[ ٣٩٩ ]
لعثمان بعد استقرارهما في مصر " استعمل عبد الله بن سعد؛ رجلًا كان رسول الله ﷺ أباح دمه، ونزل القرآن بكفره"١.
الواضح أنهما تأثرا بما كان يسود المجتمع المصري من تذمر بسبب سياسة الوالي الجديد الذي ارتكب أخطاء، وأساء السيرة في أهل مصر، بمعاملته الجافة لهم وزيادة الخراج عليهم، والواقع أنه يتحمل شخصيًا وزر أعماله، لكن يبدو أن سياسته الاقتصادية قد حازت على رضا الخليفة الذي رفض أن يعزله عندما طلب أهل مصر منه ذلك، كما برر عزل سلفه، وهو عمرو بن العاص الذي أبدى امتعاضه، فقال له: "هل تعلم أن تلك اللقاح درت بعدك"٢، يقصد بذلك خراج مصر قد زاد في عهد عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فأجابه عمرو بقوله: "إن فصالها هلكت"٣، أي أن هذه الزيادة ستكون على حساب أهل مصر وإرهاقهم، وعدم الالتزام بالحدود المعقولة التي رضي بها عمر بن الخطاب من قبل، وقنع بما دخل بيت المال من خراج معقول في سبيل المحافظة على أصحاب الأرض.
وانتقد الصحابة مكانة مروان بن الحكم الخاصة عند عثمان، فقد علق علي بن أبي طالب على هذا الوضع بقوله: "ما يريد عثمان أن ينصحه أحد، اتخذ بطانة أهل غش، ليس منهم أحد إلا قد تسبب بطائفة من الأرض يأكل خراجها، ويستذل أهلها"٤، وأضاف معاتبًا الخليفة: "أما رضيت من مروان، ولا رضي منك إلا بتحرفك عن دينك، وعن عقلك والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه أذهبت شرفك، وغلبت على أمرك"٥.
أدت سياسة عثمان في تعيين الأقارب إلى حمل بني أبي معيط على رقاب الناس، وهو ما أشار إليه عمر بن الخطاب أثناء تعيين أعضاء مجلس الشورى، وهو انحياز شديد منه إلى جانب الأمويين الذين استغلوا هذه الفرصة، بالإضافة إلى تراخي الخليفة، وراحوا يعملون على استعادة مكانتهم السياسية التي فقدوها بظهور الإسلام، وقد رأى الطبري أن الأمر لا يعدو كونه ضغطًا قبليًا منظمًا من قبل الأمويين على عثمان لتحقيق أمانيهم، ويبدو ذلك متوافقًا مع ما عبر عنه مروان بن الحكم نفسه أمام وفود أهل الكوفة، والبصرة ومصر، الذين قدموا إلى المدينة في عام
_________________
(١) ١ تاريخ الرسل والملوك: ج٤ ص٢٩٢. ٢ المصدر نفسه: ص٢٥٧. ٣ المصدر نفسه. ٤ المصدر نفسه: ص٤٠٦. ٥ المصدر نفسه: ص٣٦٢.
[ ٤٠٠ ]
"٣٥هـ/ ٦٥٥-٦٥٦م" حيث قال لهم: "جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا، اخرجوا عنا، أما والله لئن رمتمونا ليمرن عليكم من أمر لا يسركم، ولا تحمدوا غب رأيكم، ارجعوا إلى منازلكم، فإنا والله ما نحن مغلوبين على ما في أيدينا"١.
هذا وقد لام بنو أمية عليًا على انتقاداته لعثمان، فقالوا: "يا علي أهلكتنا وصنعت هذا الصنيع بأمير المؤمنين، أما والله لئن بلغت الذي تريد لتمرن عليك الدنيا، فقام علي مغضبًا"٢.
ودافع عثمان عن سياسته في تولية الأقارب وإيثارهم، فأكد أن أمر التعيين لم يكن مقصورًا عليه حيث أناط النبي، وأبو بكر وعمر بأقاربهم في أعمالهم٣، والجدير بالذكر أن عثمان وضع بلاد الشام، والأردن وفلسطين تحت يد معاوية، وذلك في عام "٣١هـ/ ٦٥١-٦٥٢م"٤.
جمع القرآن:
لعل قرار عثمان بجمع القرآن، وتثبيت قراءة واحدة له، من أكثر الخطوات جرأة، وهي خطوة إيجابية في الحفاظ على القرآن، والمعروف أن القرآن كان مفرقًا في العسب واللخاف، والرقاع والأكتاف، والألواح والأقصاب، علاوة على حفظه في الصدور، ولم يجمع في عهد النبي، وقام أبو بكر بمحاولة جمعه في خطوة أولى بتشجيع من عمر بن الخطاب، وذلك إثر معركة اليمامة التي قتل فيها عدد كبير من القراء، وحفظة القرآن، الأمر الذي خشي أن يستمر فقدان هؤلاء، فيذهب كثير من القرآن، وقد اختار أبو بكر زيدًا بن ثابت، وأمره بجمع القرآن، فجمعه في صحف وضعت عند أبي بكر، ولم يهتم هذا الخليفة بنشرها وتعميمها، ثم نقلت بعد وفاته إلى عمر، ولما توفي تم حفظها عند ابنته حفصة٥، ويبدو أن كلا من الخليفتين الأولين رأى أن القرآن كان لا يزال حيًا وحاضرًا في ذاكرة كثير من المسملين، ولم يكن من الضروري نشر قراءته، ومعرفته بقرار خاص من جانب الخلافة.
ورأى عثمان، بعد أن تولى الخلافة، اختلاف الناس في قراءة القرآن إلى درجة أن كفر بعضهم بعضًا حتى أوشكت الفتنة أن تنشب بينهم٦، والواقع أن القرآن حل محل الشعر في ذلك الوقت، وقام مقام ثقافة العرب المتحدرة من الجاهلية، يضاف
_________________
(١) ١ الطبري: ج٤ ص٣٦٢. ٢ المصدر نفسه: ص٣٦٥. ٣ المصدر نفسه: ص٣٣٧، ٣٣٨. ٤ المصدر نفسه: ص٢٨٢-٢٨٥. ٥ اليعقوبي: ج٢ ص٦٦، العسقلاني: فتح الباري بشرح صحيح البخاري: ج١٠ ص٣٨٤-٣٨٩. ٦ العسقلاني: المصدر نفسه ص٣٩٢.
[ ٤٠١ ]
إلى ذلك أن حذيفة بن اليمان رأى أثناء الحملة على جرجان، وطبرستان أن المسلمين يتجادلون بحماس شديد حول طرق القراءة المختلفة، فكان يصل بهم الأمر إلى حد لعن بعضهم بعضًا، واتهام بعضهم بالكفر١، وربما أشار حذيفة على عثمان بوضع نسخة واحدة من القرآن خوفًا من نشوب فتنة، ولتعميق الشعور الإسلامي، واجتناب العودة إلى الشعر٢، ويدل ذلك على جدية الاهتمام الإسلامي العام بالقرآن، والحماس الذي أبداه المسلمون تجاه، لذلك قرر جمع القرآن، وتثبيته على قراءة واحدة من القراءات السبع التي نزل بها، وهي حرف قريش، وذلك حرصًا منه على توحيد النص، والحفاظ عليه وجمع المسلمين على مصحف واحد وقراءة واحدة، وكلف زيدًا بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيدًا بن العاص، وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام؛ القيام بهذه الخطوة٣.
الواضح أن هذه القضية على أهيمتها لم تأخذ حيزًا واسعًا في روايات المصادر، إذ لم تتعد الإشارة إليها ببضعة أسطر، وربما يعود ذلك إلى أن هذه الروايات انتقدت الأسلوب الذي اتبعه عثمان للوصول إلى هدفه، وهي تحمل مواقف مسبقة ضد الخليفة تمشيًا مع النزعة الإقليمية للأمصار، والتي تمثلت باستقلالية كل مصر وانحيازه لقارئه، وأبرزت انتقادات بعض الصحابة لهذه الخطوة، وفي مقدمتهم عبدا لله بن مسعود الذي رفض تسليم مصحفه إلى عبد الله بن عامر، عامل عثمان على البصرة٤، وعد هذه الخطوة بدعة، وخروجًا على سنة النبي وخليفتيه الأولين، ومحاولة لمحو الكتاب، ويبدو أنه لم يدرك، أو أنه لم يشأ أن يدرك هدف عثمان، فجرى تشويهه٥، كما رأى أن زيدًا بن ثابت لم يكن بالشخص الكفؤ للمشاركة في ذلك، وأعرب عن اعتزازه بقراءته ومصحفه.
وكان أبو موسى الأشعري على هذا الضرب من الرأي، إذ عندما أعطى مصحفه إلى حذيفة بن اليمان، قال: "ما وجدتم في مصحفي هذا من زيادة، فلا تنقصوها، وما وجدتم من نقصان، فاكتبوه فيه"٦.
ويبدو أن معارضة هذين الصحابيين سببها تثبيت القراءة على حرف واحد هو
_________________
(١) ١ الطبري: ج٤ ص٢٦٩، السجستاني: عبد الله بن سليمان الأشعث بن إسحاق: المصاحف ص٣٠. ٢ السجستاني: المصدر نفسه: ص١٣، جعيط: ص١٠٤. ٣ العسقلاني: ج١٠ ص٣٩٣، ٣٩٤. ٤ اليعقوبي: ج٢ ص٦٦. ٥ السجستاني: ص١٥. ٦ ابن شبة، أبو زيد عمر: تاريخ المدينة المنورة ج٣ ص٩٩٨، ٩٩٩.
[ ٤٠٢ ]
حرف قريش، كما أن هذه الخطوة تحد من نفوذ القراء بالاتجاه نحو المركزية، إذ لم يتهم أحد الخليفة بالتحريف، وأن الخلاف الذي نشأ حول هذه القضية هو أبرز مثال للصدام بين الاتجاه القبلي، والاتجاه الإسلامي في سياسة هذا الخليفة١.
والحقيقة أن هذه الخطوة تعد ظاهرة كبرى في تاريخ الإسلام الديني، والثقافي والسياسي، ترتبط ارتباطًا شديدًا ببروز الظاهرة القرآنية٢، وهكذا أرسلت ست نسخ إلى مكة، والشام واليمن، والبحرين، والبصرة والكوفة، وبقيت نسخة في المدينة، وأمر الناس باعتمادها في القراءة، وإلغاء النسخ الأخرى. وبذلك حفظ كتاب الله من أن تحرفه لهجات الأعراب، واختلاف القارئين، كما تلافى اختلاف المسلمين في قراءتهم، وقضى على هذا الاختلاف.
توسيع الحمى ٣:
انتقد بعض الصحابة وأهل المدينة، والأمصار عثمان على توسيعه الحمى، واستعرضت روايات المصادر هذه الخطوة من خلال معلومات عامة، وغير مباشرة٤، والمعروف أن الأرض تحمى في وجهين:
الأول: في سبيل الله، فقد حمى النبي النقيع لخيل المسلمين وركابهم، وهو أول إحماء بالقرب من المدينة، إذ يبعد عنها نحو عشرين فرسخًا٥، وحمى عمر نقيع الخضمات٦، وخصصه لخيل المسلمين المعدة في سبيل الله.
الثاني: أن تحمى الأرض لنعم الصدقة إلى أن توسع مواضعها، وتفرق في أهلها٧، فقد حمى أبو بكر الربذة لإبل الصدقة٨، وحمى عمر الشرف٩.
ونهج عثمان نهج النبي وخليفتيه، فأبقى حمى النقيع خاصًا لخيل المسلمين، وكان يحمل عليها في كل سنة خمسمائة فرس وألف بعير، كما كانت الإبل ترعى بناحية الربذة في حمى لها١٠، إلا أنه سرعان ما زاد في إبل الصدقة بسبب زيادتها، إذا بلغت في عهده نحو أربعين ألفًا، ومنح بعض عماله، وعددًا من الصحابة إذنًا بالإفادة منه، مثل مروان بن الحكم، وعبد الله بن مطيع، وعبد الرحمن بن عوف، وعد
_________________
(١) ١ الدوري: ص٥٤. ٢ جعيط: ص١٠٤. ٣ الحمى هو الموضع فيه كلأ يحمى من الناس أن يرعوه، أي يمنعوه، الحموي: ج٢ ص٢٤٣، ٢٤٤. ٤ ملحم: ص١١٧. ٥ الماوردي: ص١٨٥، الحموي ج٥ ص٣٠١. ٦ الحموي: المصدر نفسه. ٧ ابن سلام: الأموال ص٤١٧. ٨ الماوردي: ص١٨٥. ٩ طبقات ابن سعد: ج٣ ص٣٠٥. ١٠ البلاذري: ج٦ ص١٤٩.
[ ٤٠٣ ]
بعض المؤرخين، ممن يحملون مواقف مسبقة من الخليفة، هذه الخطوة خروجًا على سنة النبي، وسياسة خليفتيه١.
والواقع أن عثمان دافع عن خطوته هذه وبرر عمله، فقال: "وإني والله ما حميت، حمي قبلي، والله ما حموا شيئًا لأحد ما حموا إلا غلب عليه أهل المدينة، ثم لم يمنعوا من رعيه أحدًا، واقتصروا لصدقات المسلمين يحمونها؛ لئلا يكون بين من يليها وبين أحد تنازع، ثم ما منعوا، ولا نحوا منها أحدًا إلا من ساق درهمًا، ومالي من بعير غير راحلتين، ومالي ثاغية ولا راغية، وإني قد وليت، وإني أكثر العرب بعيرًا وشاءً، فمالي اليوم شاة، ولا بعير غير بعيرين لحجي،"٢.
وهناك إشارة إلى دفاع عثمان، وندم من اتهمه في هذه القضية، وردت في سياق المحاورة بينه، وبين الوفد المصري الذي قدم إلى المدينة في عام "٣٥هـ/ ٦٥٥-٦٥٦م": "فقالوا له: ادع بالمصحف، قال: فدعا بالمصحف، قال: فقالوا له: افتح التاسعة -قال: "وكانوا يسمون سورة يونس التاسعة- قال: فقرأها حتى أتى على هذه الآية: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]، قال: قالوا له: قف، فقالوا له: أرأيت ما حميت من الحمى؟ الله أذن لكل أم على الله تفتري! قال: فقال: امضه، نزلت في كذا وكذا، قال: وأما الحمى فإن عمر حمى الحمى قبلي لإبل الصدقة، فلما وليت زادت إبل الصدقة، فزدت في الحمى لما زاد في إبل الصدقة "٣.
الصلاة في منى أربع ركعات:
أثارت صلاة عثمان في منى عام "٢٩هـ/ ٦٥٠م" الانتقادات الحادة ضده من قبل بعض الصحابة، وقد روت المصادر حيثيات هذه القضية حين صلى بالناس أربع ركعات: خلافًا لما سنه النبي وسار عليها الخليفتان من بعده الذين صلوا ركعتين اثنتين، بسبب أن صلاتهم في منى صلاة مسافر، وليست صلاة مقيم، وكان عثمان نفسه قد صلى صدرًا من خلافته ركعتين٤.
وقد برر عثمان إقدامه على ذلك بقوله: "إني أخبرت أن بعض من حج من أهل اليمن وجفاة الناس، قد قالوا في عامنا الماضي: إن الصلاة للمقيم ركعتان، هذا إمامكم يصلي ركعتين، وقد اتخذت بمكة أهلًا، فرأيت أن أصلي أربعًا لخوف ما
_________________
(١) ١ اليعقوبي: ج٢ ص٧٠، البلاذري: ص١٤٩. ٢ الطبري: ج٤ ص٣٤٧. ٣ المصدر نفسه: ص٣٥٤، ابن سلام: ص٤١٨. ٤ الطبري: المصدر نفسه: ص٢٦٧، ٢٦٨.
[ ٤٠٤ ]
أخاف على الناس، وأخرى قد اتخذت بها زوجة، ولي بالطائف مال، فربما أطلعته، فأقمت فيه بعض الصدر"١.
وقد رد عبد الرحمن بن عوف على مبررات الخليفة بقوله: "أما قولك: اتخذت أهلًا، فزوجتك بالمدينة تخرج بها إذا شئت، وتقدم بها إذا شئت، إنما تسكن بسكناك، وأما قولك: ولي مال بالطائف، فإن بينك وبين الطائف مسيرة ثلاث ليال، وأنت لست من أهل الطائف، وأما قولك: يرجع من حج من أهل اليمن وغيرهم، فيقولون: هذا إمامكم عثمان يصلي ركعتين وهو مقيم، فقد كان رسول الله ﷺ ينزل عليه الوحي، والناس يومئذ الإسلام فيهم قليل، ثم أبو بكر مثل ذلك، ثم عمر، فضرب الإسلام بجرانه، فصلى بهم عمر حتى مات ركعتين"٢.
والواقع أن احتجاجات المنتقدين تعبر عن وجهات نظر خاصة، وقد انفرد الطبري بالإشارة إلى ذلك٣، وهي لا تحمل في طياتها مظاهر خلاف، أو تمرد ضده، الأمر الذي يفسر قيام عبد الله بن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف بالصلاة أربع ركعات في منى اقتداء به على الرغم من معارضتهما لهذه الخطوة، وقد هدف الطبري إلى إبراز حرص الصحابة على وحدة المسلمين٤، أما البلاذري، فقد أغفل الإشارة إلى ذلك في محاولة منه لإبراز مدى الاحتجاج الذي لاقته سياسة عثمان بين الناس٥.
السماح للحكم بن أبي العاص الإقامة في المدينة:
أثار قرار الخليفة السماح لقريبه الحكم بن أبي العاص بن أمية بالإقامة في المدينة، حفيظة عدد من الصحابة، وسخطًا واسعًا في المجتمع الإسلامي، وقد رأوا فيه تجاوزًا لإرادة النبي، والمعروف أن النبي كان قد طرده منها مع ولده إلى الطائف، وحرم عليه الإقامة فيها بفعل إيذائه له، ويبدو أن هذا القرار يعد محاولة من عثمان لإرضاء البعد العصبي؛ لأن إعادة الحكم بن أبي العاص إلى المدينة يعد دعمًا واضحًا لشخصية أموية بارزة، وانتصارًا لبني أمية بعامة، الذين حاولوا خلال عهد أبي بكر، وعمر إعادة الحكم إلى المدينة، وفشلوا في ذلك٦. لكن عثمان برر قراره بأنه كلم النبي بشأنهما، ووعده بأن يأذن لهما إلا أن الموت حال دون تنفيذ وعده٧، ورد على مننتقديه قائلًا: "رسول الله ﷺ سيره بذنبه، ورسول الله ﷺ رده بعفوه"٨.
_________________
(١) ١ الطبري: ج٤: ص٢٦٨، ٢٦٩، ٣٤٧. ٢ المصدر نفسه: ص٢٦٨. ٣ المصدر نفسه. ٤ المصدر نفسه: ملحم: ص١٢٠. ٥ أنساب الأشراف: ج٦ ص١٥٠. ٦ الطبري: ج٤ ص٣٩٨، ٣٩٩. ٧ المصدر نفسه. ٨ المصدر نفسه.
[ ٤٠٥ ]
انتقادات متفرقة:
لم ينج تاريخ عثمان الشخصي من النقد، فقد عابوا عليه عدم شهوده بدرًا، وبيعة الرضوان وفراره من معركة أحد، فرد مدافعًا عن نفسه أنه لم يحضر بدرًا بسبب تخلفه على تمريض زوجته بنت النبي، فضرب له رسول الله سهمه وأجره، أما بيعة الرضوان فإنه لم يشهدها؛ لأن النبي أرسله إلى مكة، وقد صفق له النبي بيمينه على شماله، أما فراره من معركة أحد، فقد غفر الله له ذلك١.
وهناك انتقادات أخرى لما وصف بتجاوزت عثمان انفرد اليعقوبي بروايتها، وتظهره بمظهر الحريص على الخروج عن سنة النبي، وسيرة خليفتيه٢، وهي إشارات لا يمكن الأخذ بها لكونها وضعت بهدف المس بشخصية عثمان، والتقليل من هيبته ومكانته، ودوره في الإسلام، لصالح إبراز مكانة علي بن أبي طالب ودوره٣.
مقدمات الفتنة - انتفاضة الكوفة:
يمكن التأكيد أن ميل عثمان إلى أسرته، وانقسام الصحابة حول سياسته العامة، هزت أسس الشرعية التاريخية للخلافة٤، وفي ظل الأوضاع المضطربة في الكوفة تأكدت الريبة تجاه القيادة في المدينة.
والواقع أن الكوفة احتضنت فاتحي العراق وفارس، واستوطن فيها أهل الأيام وأهل القادسية، وتعايش فيها، بشكل متناقض، المحاربون العرب الأوائل، وعناصر متعددة من مرتدين سابقين تابوا، واشتركوا في معركة القادسية، ويمثلون كبرى القبائل البدوية من اليمن، ومضر ومذحج، وكندة وتميم وأسد٥، وقد أنيط بهم مراقبة المناطق المفتوحة في غرب إيران وشمالها، كما استقر بعضهم في الري وأذربيجان، وكانوا يستبدلون مرة كل أربع سنوات٦.
وحاول عثمان أن يوجه طموح القبائل إلى الفتوح، مع تزايد الهجرة وتجمع أعداد كبيرة من المقاتلة في الأمصار، وشهدت السنوات الأولى من حكمه، حركة واسعة في الفتوح رافقها وفرة في الغنائم، وتم استقرار المسلمين في الأماكن المفتوحة، وامتلكوا الأراضي فيها، وعلى الرغم من ذلك، فقد ظلت فتوح أهل الكوفة محدودة
_________________
(١) ١ اليعقوبي: ج٢ ص٦٥، ابن شبة ج٣ ص٩٥٥، ٩٥٦. ٢ اليعقوبي: المصدر نفسه ص٦٧-٧١. ٣ ملحم: ص١٢١. ٤ جعيط: ص٩٢، ٩٣. ٥ المرجع نفسه: ص٧٨، ٧٩. ٦ الطبري: ج٤ ص٢٤٦.
[ ٤٠٦ ]
بالمقارنة مع فتوح أهل البصرة التي شملت أقاليم فارس، وكرمان، وسجستان وخراسان١، مما أدى إلى زيادة أعداد أهل العطاء فيها، وتحسين أوضاعهم المادية، الأمر الذي نتج عنه هدوء نسبي فيها٢، على عكس الكوفة التي ظلت مشكلاتها المالية قائمة؛ وفشلت الإدارة في مواجهتها خلال ولاية كل من الوليد بن عقبة، وسعيد بن العاص.
وهكذا مثل عهد عثمان مرحلة حسنة للبصرة، فوضعها في منافسة حقيقية مع الكوفة التي كانت عاجزة عن كسب غنائم وفيرة، وعن توسيع رقعة نفوذها، لكن فتوحاتها السابقة، وماضيها العسكري، كانا لا يزالان يجعلان منها، خلال هذه المرحلة، المركز المتقدم في العراق، وفي الوقت الذي كانت فيه البصرة هادئة ارتفعت في الكوفة حركات الاحتجاج الأولى ضد سياسة عثمان، والتي ارتبطت بشكل خاص بالبنى الاجتماعية فيها٣، ذلك أن سكانها كانوا يتمتعون بالعطاء بموجب النظام الذي أقره عمر بن الخطاب، غير أن مقداره كان يختلف من فئة إلى أخرى، فقد كان عطاء أهل الأيام، وأهل القادسية مرتفعًا لأسبقيتهم بالمشاركة في الفتوح، ودورهم الكبير فيها، في حين كان عطاء الروادف منخفضًا، وبخاصة المتأخرين منهم، وقد خلئق هذا التفاوت تباينًا اجتماعيًّا واضحًا انضاف إلى التباين القبلي الناجم عن تركيبة جيش الفتح مما جعل الوضع في هذا المصر يتوتر تدريجيًا٤.
تفجر الوضع في عام "٣٣هـ/ ٦٥٣-٦٥٤م" في إحدى جلسات سعيد بن العاص العامة، وقد تسبب فيه أهل الأيام والقادسية، والقراء وزعماء العشائر٥. فأثناء حديث بينهم عن السواد والجبل، وعن ثراء طلتحة بن عبيد الله، تمنى صاحب شرطة سعيد بن العاص، عبد الرحمن بن خنيس الأسدي، لواليه "والله لوددت أن هذا الملطاط لك -يعني ما كان لآل كسرى على جانب الفرات الذي يلي الكوفة-"٦، مما أثار حفيظة الحضور، وحول النقاش إلى خلاف حاد، كاد يفضي إلى صراع بين القبائل، عندما قام الأشتر، ورد عليه "تمن للأمير أفضل منه، ولا تمن له أموالنا، فقال عبد
_________________
(١) ١ الطبري: ج٤ ص٣٠٠-٣١٦. ٢ ملحم: ص١٣١. ٣ المرجع نفسه: الدوري: ص٥٥. ٤ البكاي، لطيفة: حركة الخوراج، نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي، ص١٣. ٥ انظر من كان يحضر الاجتماع عند البلاذري في أنساب الأشراف: ج٦ ص١٥١، ١٥٢. ٦ الطبري: ج٤ ص٣١٨.
[ ٤٠٧ ]
الرحمن: ما يضرك من تمني حتى تزوي ما بين عينيك، فوالله لو شاء كان له، فقال الأشتر: والله لو رام ذلك ما قدر عليه، فغضب سعيد، وقال: إنما السواد بستان لقريش، فقال الأشتر: أتجعل مراكز رماحنا، وما أفاء الله علينا بستانًا لك ولقومك؟ والله لو رامه أحد لقرع قرعًا يتصأصًا١ منه"٢، وفي رواية: "أتزعم أن السواد الذي أفاءه الله علينا بأسيافنا بستان لك، ولقومك! والله ما يزيد أوفاكم فيه نصيبًا إلا أن يكون كأحدنا، وتكلم القوم معه"٣، ثم اعتدوا على صاحب الشرطة٤، مما دفع أشراف الكوفة، الذين عارضوا سياسة هذه الفئة، إلى أن يرسلوا إلى الخليفة يطلبون منه إخراج هؤلاء النفر الذين خلقوا الفتنة في بلدهم٥، كما كتب الوالي إلى عثمان يشرح له الأوضاع الصعبة التي تمر بها الكوفة، والتطورات اللاحقة فيها، وأكد له بأن رهطًا من أهل الكوفة "يؤلبون ويجتمعون على عيبك، وعيبي والطعن في ديننا، وقد خشيت إن ثبت أمرهم أن يكثروا"٦، "وإني لا أملك من الكوفة مع الأشتر، وأصحابه الذين يدعون القراء، وهم السفهاء شيئًا"٧، فسيرهم الخليفة إلى بلاد الشام.
لقد خلقت سياسة عثمان الإطار الملائم لتكثيف نشاط القراء في الكوفة، واتساع دائرة اهتمامهم لتشمل، بالإضافة إلى القرآن، مسائل أخرى تهم الحياة السياسية، فكون هؤلاء مجموعة متميزة ذات مضمون سياسي يختلف عن المضمون الديني، إذ إن اختراق القرآن لبني الفكر الديني للحركة السياسية هو الذي مكنهم من تجاوز الدولة على أساس امتلاكهم للمرجعية الأولى والأساسية، وهي القرآن٨.
ومهما يكن من أمر، فإن الأسماء التي ذكرتها روايات المصدر أثناء استعراضها لمثير الشغب في مجلس سعيد بن العاص، وأسماء المسيرين إلى بلاد الشام٩ أن هؤلاء كانوا:
- من أوائل المقاتلة المقيمين قديمًا في الكوفة.
- من ذوي المركز القبلي الثانوي، ولم يكونوا زعماء قبائل، وعلى الأكثر كانوا زعماء عشائر، أو أفخاذًا من عشائر١٠.
_________________
(١) ١ يتصأصأ: يخاف ويذل. ٢ البلاذري: ج٦ ص١٥٢. ٣ الطبري: ج٤ ص٣٢٣. ٤ المصدر نفسه. ٥ المصدر نفسه. ٦ المصدر نفسه، البلاذري: ج٦ ص١٥١. ٧ البلاذري: المصدر نفسه. ٨ البكاي: ص١٦. ٩ البلاذري: ج٦ ص١٥١، ١٥٣، ١٥٧، الطبري: ج٤ ص٣١٨-٣٢٣. ١٠ جعيط: ص٨٥.
[ ٤٠٨ ]
- من الناقمين على قريش١.
- لم يكونوا جميعهم من القراء.
وتبدو رواية سيف بن عمر التي رواها الطبري٢، وذكرت بأن معاوية وصف هؤلاء بالشياطين، وبالأقوام التي ليست لهم عقول ولا أديان، وقد اندسوا بين الناس يملون عليهم ما يريدون من آرائهم بهدف تفرقة المسلمين، ونشر بذور الفتنة بينهم، وقد أثقلهم الإسلام وأضجرهم؛ غير واقعية؛ لأنها تعبر عن وجهة نظر معاوية، والأمويين بشأن السلطة، والدين ودور هؤلاء القبلي بعد تسلمهم الحكم، أكثر مما تعبر عن الأفكار السائدة في مرحلة الحدث٣.
وفي عام "٣٤هـ/ ٦٥٤-٦٥٥م" استدعى عثمان عماله إلى المدينة لبحث الأوضاع المتردية في الأمصار، وازدياد الشكوى، والتذمر بين الناس، فاستغل المعارضون في الكوفة، والمتعاطفون مع المبعدين خروج سعيد بن العاص، واستدعوا هؤلاء للعودة، وتعهدوا لهم بعدم السماح للوالي بالعودة إلى الكوفة، وأعلموهم بأنه لا طاعة لعثمان على ما ينكر منه٤.
الواضح أن هذه الحركة التي منعت عودة والي الكوفة إلى عمله، هي مجرد حركة احتجاج عادية، ومحدودة لا تتسم بالإجماع، احترمها الخليفة حتى لا يكون لهؤلاء عليه حجة، فعزل سعيدًا بن العاص عن ولاية الكوفة، وولى مكانه أبا موسى الأشعري تلبية لرغبة المحتجين٥، محافظًا بذلك، ظاهريًا على الأقل، على مرجعية المؤسسة الحاكمة، وعلى سلطته الخاصة، والتقليل من أهمية الأمر الواقع عليه، والتسليم به، مما ألحق ضررًا بمؤسسة الخلافة من واقع أنه حمل بذور الثورة العامة التي ستندلع في عام "٣٥هـ/ ٥٦٥م"، والتي ستنتهي بمقتله٦، وقد حذر القعقاع بن عمرو قائد الجيش في الكوفة، وبالتالي صاحب القوة فيها من محاولات كهذه٧، إلا أنه لم يكن يملك القوة المادية التي تساعده على مواجهة هذه الحركة، كما غادر الكوفة زعماء القبائل الذين عينوا عمالًا على أعمالها، فانعدم الضغط القبلي الأساسي، والذي كان يشكو أصلًا من خلل آني؛ لأن النفوذ القبلي كان شبه مدمر في الكوفة٨.
_________________
(١) ١ الطبري: ج٤ ص٣١٩. ٢ المصدر نفسه. ٣ جعيط: ص٩٠. ٤ الطبري: ج٤ ص٣٣١، ٣٣٢. ٥ المصدر نفسه: ص٣٧٦. ٦ جعيط: ص٩٥. ٧ الطبري: ج٤ ص٣٣١. ٨ المصدر نفسه: جعيط: ٩٦.
[ ٤٠٩ ]
دوافع أهل الأمصار للثورة على عثمان:
اتسمت السنوات الأخيرة من خلافة عثمان بتنامي موجة الاستياء والاحتجاج، وقد أدت المآخذ التي ذكرت دورًا واضحًا في ذلك، فنشأت حالة من الأزمة الجدية تضاربت فيها لمصالح بين طرفين؛ تمثل الأول بالخليفة وعماله وإدارته، في حين تمثل الثاني بجمهور القبائل وبعض الصحابة، وأبناء الصحابة، وذلك بفعل تطور البنية الاجتماعية، والسياسية للمسلمين بعامة، بحيث لم تعد عملية الإثراء إساءة لاستعمال السلطة كما كان الحال عليه في عهد عمر بن الخطاب، فتحولت المناصب الإدارية إلى مكون أساسي لعملية تطور الهيكل الاجتماعي للمسلمين، وبالتالي إلى منزلة اجتماعة خاصة لها حقوقها، وأعرافها وسلوكياتها المتمايزة عن جمهور المسلمين، وتداخلت اتجاهات الإثراء، والتملك مع اتجاهات استقلالية آلية القرار السياسي عن جمهور القبائل في عملية كانت تقود بالضرورة إلى إنشاء شرعية اجتماعية مستقلة ضمن الأمة الإسلامية١.
وعلى هذا الأساس بنى ابن خلدون نظريته الاجتماعية التي رأى من خلالها سبب الثورة على عثمان، وتتلخص في رغبة القبائل في تعديل، وتغيير ميزان القوى لصالحها، فنفذ إلى جوهر القضية الاجتماعية، داخل الأمة الإسلامية بعامة التي قادتها إلى النزاع السياسي الخطير أيام عثمان، كانت القبائل تنظر إلى أن فضل الفتوح يعود إليها، فإذا كانت قريش قد سادتها في البداية، فهي لم تعد مستعدة الآن، بعد كل هذا الجهاد، الذي جاهدته في سبيل الإسلام، أن تقبل بهذه السيادة، وأضحت ترى ضرورة التساوي معها، وأن محاولات عثمان الحد من تنامي نفوذ القبائل بتقوية قريش، جعلت القبائل غير مستعدة للتعامل معها على أنها الأدنى والأضعف٢، "كان أكثر العرب الذين نزلوا الأمصار جفاة لم يستكثروا من صحبة النبي ﷺ، ولا هذبتهم سيرته وآدابه مع ما كان فيهم في الجاهلية من الجفاء، والعصبية والتفاخر والبعد عن سكينة الإيمان، وإذا بهم عند استفحال الدولة قد أصبحوا في ملكة المهاجرين والأنصار، من قريش وكنانة وثقيف وهذيل، وأهل الحجاز ويثرب السابقين الأولين إلى الإيمان، فاستنكفوا من ذلك وعضوا به، لما يرون لأنفسهم من التقدم بأنسابهم، وكثرتهم ومصادقة فارس والروم، مثل قبائل بكر بن وائل، وعبد القيس بن ربيعة، وقبائل كندة والأزد من اليمن، وقيس بن مضر، فصاروا إلى الغض
_________________
(١) ١ إبراهيم: ص٢٥١. ٢ المرجع نفسه: ص٢٥٩.
[ ٤١٠ ]
من قريش والأنفة عليهم والتمريض في طاعتهم، والتعلل في ذلك بالتظلم منهم والاستعداء عليهم، والطعن بالعجز عن السرية، والعدل في القسم عن السوية، وفشت القالة بذلك، وانتهت إلى المدينة"١.
إذن المشكلة واضحة، وهي سيطرة قريش من خلال سيطرة الأمويين على مقدرات الشئون العامة، وعود إلى الجاهلية، ونزاع القبائل على السيادة، وأنفة بعضها من سيادة قريش، فأظهروا الطعن في ولاة عثمان بل وفي الخليفة نفسه، واستغل بعض أبناء الصحابة هذه القوى سلبًا، وإيجابا وفقًا للمصلحة العامة، أو لمصلحتهم الشخصية.
وإذا كان تعليل ابن خلدون ينطبق تمامًا على وضع الكوفة الاجتماعي، فإنه لا ينطبق بالضرورة على الوضع الاجتماعي العام في كل من البصرة ومصر، وذلك بفعل اختلاف ظروف دوافعهما للاشتراك بالثورة على عثمان، فقد تعاطف البصريون مع الكوفيين من واقع الأجواء المشحونة بالانتقادات الموجهة لسياسة عثمان في البصرة هي التي تتحدث عن تسيير أحد قرائها، وهو عامر بن عبد القيس، إلى الشام٢ بالإضافة إلى بعض البصريين المنتمين إلى السوط نفسه الذي انطلقت منه أحداث الكوفة٣، والواضح أنه لم يكن هناك تنسيق مسبق بين البصريين والكوفيين، ولعل وجود علاقة بين قراء المصريين، تلك التي تتحدث عن مشاركة حرقوص بن زهير السعدي البصري إلى جانب ثوار الكوفة الذين اشتركوا في طرد سعيد بن العاص، هذا في الوقت الذي انحصرت دوافع المصريين في اتهام ولاتهم بالانحراف السلوكي، وأحيانًا الشرعي مع رفض الخليفة تغييرهم، لذلك لا يمكن تفسير حماس هؤلاء بالبنى الاجتماعية وحدها، كما لا يمكن تفسيره بالدوافع الدينية ذات الإيحاء القرآني، بفعل أن مقاتليهم يملكون وعيًا سياسيًا، ودينيا أقل حدة٤، فقد تأثروا بدعاية كثيفة شنها اثنان من أبناء الصحابة هما محمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حذيفة، والمعروف أن الأول قبع في المدينة في حين قبع الثاني في مصر، واستولى على السلطة في الفسطاط بعد مغادرة الوالي عبد الله بن سعد بن أبي سرح أثناء حصار عثمان، مما شجع القوة المصرية المحاصرة للخليفة على أداء دور بارز في قتله٥.
_________________
(١) ١ مقدمة ابن خلدون: ص١٧٩. ٢ الطبري: ج٤ ص٣٢٦-٣٢٨. ٣ البكاي: ص٢٠. ٤ جعيط: ١١٥. ٥ المرجع نفسه.
[ ٤١١ ]
لكن يبدو من خلال بعض الإشارات، وتتبع أسماء الثائرين المصريين، أن نقمة المسلمين الأوائل الذين فتحوا مصر واستقروا فيها، كانت أحد أسباب هذه الثورة على سياسة عثمان التي لم تعطهم المكانة التي يستحقونها، وهم في ذلك لم يقصدوا عثمان شخصيًا، وإنما أرادوا زعزعة سيادة قريش من خلاله، إلا أن هذه النقمة قد تطورت بسرعة، وتفاعلت مع الانتقادات العديدة الموجهة ضد الخليفة، وأدت إلى تحرك المصريين في اتجاه المدينة١، وظلت بلاد الشام خارج نطاق الحركة، وحتى يتوحد الجميع تحت هدف واحد هو النيل من عثمان، لخصوا اتهامهم له بعبارة: "بدلت وغيرت".
واشترك بعض الصحابة، وأبناء الصحابة في الثورة على عثمان، وأدى بعضهم الآخر دور الوسيط أو الدفاعي، وآل بهم الأمر أخيرًا إلى ترك الخليفة ليواجه مصيره منفردًا، ومن بين الذين ساندوا الثوار: عمار بن ياسر ومحمد بن أبي بكر، وطلحة بن عبيد الله، في حين نفى علي بن أبي طالب ما نسب إليه من أنه ساند الثوار، كما نفت عائشة ضلوعها في المؤامرة٢.
وهكذا اجتمع في عهد عثمان عاملان شكلًا الأزمة التي عرفت بالفتنة، وقادت المسلمين إلى الاقتتال، لأول مرة، فيما بينهم، وقتل خليفتهم الذي بايعوه جميعًا.
الأول: هو الاتجاه الموضوعي المتعلق بالضرورة مع استقرار الحياة الجديدة في الأمصار، وتنامي "الأرستقراطية" القريشية التقليدية ماليًا وسياسيًا، وتحولها إلى شريحة اختصت بالثروة والقرار، مستقلة بنفسها، متمايزة في وجودها المادي، وبنائها المتعالي عن جمهور القبائل، وعامة المسلمين.
الثاني: هو التنامي التدريجي لقوى القبائل في الأمصار، ولوعيها الذاتي، ولنزوعها إلى أن تتساوى مع قريش، على أرضية الفضل الأكبر لنصرة الإسلام في بلاد الروم والفرس٣.
والواقع أن العلاقة بين هذين العاملين كانت تصادمية، إذ لم يكن بالإمكان تحقيق أحدهما إلا على حساب الآخر، وأثبتت الأحداث أن القوة كانت بيد القبائل بدليل قتل الخليفة على يد محاصريه، في الوقت الذي ظل جميع الصحابة في الداخل
_________________
(١) ١ البكاي: ص٢٠. ٢ البلاذري: ج٦ ص٢٠٢، ٢١١، ٢١٢، ٢١٥، ٢١٦، ابن قتيبة: ج١ ص٤٠. ٣ إبراهيم: ص٢٥٩، ٢٦٠.
[ ٤١٢ ]
وعمال عثمان في الخارج ينتظرون نتيجة الصراع انتظارًا سلبيًا١، على الرغم من المحاولات الخجولة التي قام بها بعضهم للدفاع عن الخليفة لا سيما علي بن أبي طالب الذي أرسل ابنه الحسن من أجل ذلك٢، مع الإشارة إلى أن المحاصرين لم يظهروا أي احترام للصحابة، ربما باستثناء علي.
الطريق إلى المأساة:
تتضمن روايات المصادر مادة غنية تصف لنا تفاصيل الثورة على عثمان التي أدت إلى مقتله، بصورة متعاطفة مع الخليفة أو مع الثائرين، لكن النظرة الموضوعية إلى تلك الروايات ومقارنتها ببعضها، على تضاربها، تعطينا صورة واقعية تقارب الحقيقة إلى حد ما.
تتفق الروايات على أن قادة القوى المعارضة خططوا، وتآمروا بصورة مشتركة ومنسقة، إما عن طريق تبادل الرسائل، وإما أثناء اجتماع عقد في الحج في "نهاية ٣٤هـ/ أواسط ٦٥٥م"، لكنها تختلف بعد ذلك.
يتحدث الطبري، من خلال رواية سيف بن عمر، عن مؤامرة على الأمة الإسلامية حاك خيوطها يهودي يمني، دخل حديثًا في الإسلام؛ هو عبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء، لسواد أمه، وقد جال في الأمصار قبل أن يستقر في مصر، فنظم الحركة ورافق القوة المصرية إلى المدينة لحصار عثمان، وهو أول من نشر أفكارًا جديدة، ومشوشة حول رجعة النبي وحول الوصية، أي الفكرة القائلة: إن عليًا هو وريث النبي الشرعي، وطعن بعثمان الذي تولى الخلافة بغير حق، وحرض على الثورة، كما أثار قضية ألوهية علي وقداسته٣.
لقد صدمت حادثة الاغتيال وجدان المسلم المتتبع لتاريخه السياسي، فكان لا بد أن تلقي مسئوليتها على كاهل أحد، إذ ليس من المعقول أن يتحمل وزر ذلك صحابة كبار حاربوا مع النبي، وشاركوا في وضع أسس الإسلام، فكان ابن سبأ، فهو الذي أثار الفتنة التي أدت إلى مقتل عثمان، كما يتحمل مسئولية انشقاق المسلمين سياسيًا، وعقائديًا من واقع ظهور الحركة الشيعية، ومثل حركة باطنية لهدم العالم الإسلامي، وقد شكلت نواة لانطلاق المعارضة الخارجية والشيعية.
_________________
(١) ١ إبراهيم: ص٢٥٩، ٢٦٠. ٢ البلاذري: ج٦ ص٢٠٢، ٢١١، ٢١٥، ٢١٦، ابن قتيبة: ج١ ص٤٠. ٣ الطبري: ج٤ ص٣٤٠، ٣٤١، البغدادي: الفرق ص٢٢٦.
[ ٤١٣ ]
والواضح أن الطبري، هدف من خلال رواية سيف أن يبرز الدور الكبير الذي أداه ابن سبأ في أحداث الفتنة، ويؤكد كل مسئولية جهة خارجية، يهودية بالتحديد، عن مقتل عثمان، ويبرئ الصحابة، وأهل المدينة من تلك المسئولية، واعتمدت المصادر التي أوردت دور ابن سبأ في أحداث الفتنة على ما رواه مؤرخنا.
لم يرد عند أحد من أصحاب المغازي، والإخباريين المتقدمين، وغيرهم من مؤرخي القرنين الثالث والرابع الهجريين، أي ذكر لدور ابن سبأ على الرغم من تناول العديد من المصارد الأدبية، والتاريخية وكتب الفرق والأنساب، إشارات مختلفة، ومتضاربة حول اسمه ونسبه، وعقيدته ومصيره، في حين اكتفى بعضها بإيراد لفظة السبئية دون أن تقدم تفسيرًا واضحًا لها، أو تعطي أي معلومات تذكر عن دور ابن سبأ في الفتنة، ومقتل عثمان وأحداث الجمل بعد ذلك. ومن جانب آخر لم تحفظ كتب التراجم أي معلومات عن رواة السبئية الأمر الذي أدى إلى اختلاف الدراسات الحديثة في درجة تقييمها للدور الذي تنسبه المصادر للسبئية في الفتنة١.
فشكك بعض المؤرخين، ومعظمهم من الشيعة، في وجود شخصية ابن سبأ، وبالتالي في الدور المنسوب إليه من واقع أن أفكاره هي موضوعات للتشيع العقائدي الذي سيتبلور في المستقبل، ومن الصعب التصور بأنه جرى تداولها في تلك المرحلة المبكرة من عمر المجتمع الإسلامي، على الرغم من اختلاف المؤخرين حول بداية تاريخ التشيع الإسلامي، ويظهر النقد الذي أثير حول وجود هذا الشخص أنه استباق للأحداث، وأنه صورة وهمية تخيلها مؤرخو القرن الثاني للهجرة من أوضاعهم، وأفكارهم السائدة حينئذ، وأن مؤامرة مثل هذه، وبهذا التفكير وهذا التنظيم، لا يمكن أن يتصورها العالم الإسلامي المعروف آنذاك بنظامه القبلي، وأنها تعكس أحوال العصر العباسي الأول بجلاء، وأن التشيع، كعقيدة منظمة، لها آراء كلامية لا يمكن أن تصدر إلا بعد أن توالت أحداث هامة مثل مقتل علي ومأساة كربلاء، كما أن رواية سيف محاطة بكثير من المحاذير، والتساؤلات مثل إملاء ابن سبأ مواقفه على أبي ذر وتأثره به، في حين كان هذا الصحابي رجلًا شديد الاعتداد برأيه، فقيهًا عالما بقواعد الإسلام، فهل يعقل أن يأخذ عن ابن سبأ، وهو رجل حديث العهد بالإسلام لم يشتهر بعلم، أو مال أو منصب، ثم إن آراء هذا الصحابي، المتعلقة بكنز الذهب، والفضة والمال، سبقت لقاءه مع ابن سبأ كما ورد عند الطبري، وسبقت.
_________________
(١) ١ ملحم: ص٢٣٣-٢٤٤.
[ ٤١٤ ]
ذهابه إلى دمشق أيضًا، كما أن العنصر الزمني في روايات الطبري، التي تناولت تنقلات ابن سبأ بين الأمصار، تساهم في عدم مصداقية حصول لقاء بين الرجلين في دمشق في عام ٣٠هـ، أما نشاط ابن سبأ في البصرة، والكوفة ومصر فهو محاط بكثير من المحاذير، والتساؤلات أيضًا، مما يحول دون تصديقها، والإجابات عنها متعذرة لعدم توافر المعلومات السكانية عنها، سواء عند الطبري، المصدر الرئيسي الذي استعرض دور ابن سبأ في الفتنة، أو في المصادر الأخرى التي اعتمدت عليه١.
ويختلف الأمر عند ابن إسحاق والواقدي، إذ إن الصحابة الموزعين في الأمصار هم الذين كاتبوا بعضهم بعضًا قائلين: "أن أقدموا، فإن كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد "، "إنكم إنما خرجتم أن تجاهدوا في سبيل الله ﷿، تطلبون دين محمد ﷺ، فإن دين محمد قد أفسد من خلفكم وترك، فهلموا فأقيموا دين محمد صلى الله عليه وسلم٢، وبالتالي هم الذين أعطوا الأمر بالانتقال إلى العمل بفعل أنهم يشكلون شبكة كثيفة من العلاقات.
والواقع أنه كانت هناك مؤامرة من واقع تنسيق العمل، وتحديد الأهداف، في الأوساط النشطة لقراء الكوفة، ونظرائهم في البصرة ومصر، يضاف إلى ذلك أن المصادر المصرية تتحدث عن انقلاب في الفسطاط، واستيلاء محمد بن أبي حذيفة على السلطة، ذلك الذي ربما قد بادر إلى إرسال القوة المصرية ضد عثمان، وقد شيعهم لدى خروجهم٣.
والراجح أن الخليفة عثمان كان يجهل تلك الحركة في بادئ الأمر؛ لأنها كانت
_________________
(١) ١ انظر: أبو الحسين الملطي: التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع: ص٢٥. زهرة، محمد: المذاهب الإسلامية: ص٤، النشار، سامي: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ج١ ص١٨، أمين أحمد: فجر الإسلام ص١١٠-١٥٤، معروف، نايف: الخوارج في العصر الأموي ص٤٨، الطالبي، عمار: آراء الخوارج الكلامية ج١ ص٦٩، ٧٠ القاضي، وداد: الكيسانية في التاريخ والأدب ص١١٨، ١١٩، كاشف، سيدة إسماعيل: مصر في فجر الإسلام ص١١١، ١١٢. شنقارو، عواطف العربي: فتنة السلطة ص٥٢، ٥٣. البكاي: ص٢٠، ٢١. حسين، طه: المجموعة الكاملة ج٤ ص٥١٨، ٥١٩ الهلابي، عبد العزيز صالح: عبد الله بن سبأ. دراسة للروايات التاريخية عن دوره في الفتنة، حوليات كلية الآداب جامعة الكويت الحولية الثانية ١٩٨٧ ص٧٣، بيضون إبراهيم: الإمام علي ص١٧٩-١٩٥، لويس، برنارد: أصول الإسماعيلية: تعريب خليل جلو وجاسم الرجب ص٨٦، ٨٧. علي، جواد: عبد الله بن سبأ، مجلة المجمع العلمي العراقي مجلد ٥ ص٦٦-١٠٠. ٢ البلاذري: ج٦ ص١٧٤، ١٧٥. الطبري: ج٤ ص٣٣٦-٣٦٧. ٣ الطبري: المصدر نفسه: ص٣٥٧.
[ ٤١٥ ]
سرية، ويبدو أنها وصلت إلى مسامع الصحابة في المدينة، فأعلموا عثمان بها، وأشاروا عليه بأن يتحرى الأمر، فأرسل رجالًا يثق بهم إلى الأمصار المختلفة، للوقوف على الأوضاع العامة فيها، فبعث محمدًا بن مسلمة إلى الكوفة، وأسامة بن زيد إلى البصرة، وعبد الله بن عمر إلى الشام، وعمارًا بن ياسر إلى مصر، وأرسل غيرهم إلى سائر الجهات، فلما عاد الرسل أخبروه بأن الأوضاع مستتبة وأن المسلمين في الأمصار لا ينكرون شيئًا، وأن أمراءهم يعدلون بينهم، ولكن عمارًا بن ياسر تخلف، ولم يعد إلى المدينة.
وبعد أن اختمرت دوافع الثورة خرجت إلى دور العمل والتنفيذ، ومثل قدوم الثائرين من مختلف الأمصار الإسلامية إلى المدينة عام "٣٥هـ/ ٦٥٥-٦٥٦م" تتويجًا للتحركات السابقة، فقد خرجوا كجماعات منتظمة مع رءوس مجموعات، وقائد لكل فرقة بكاملها، وسيكون هؤلاء الفاعلين الرئيسيين الممثلين للاحتدام؛ لأن الروايات حفظت أسماءهم؛ ولأننا سوف نصادفهم لاحقًا، ويدل انتسابهم القبلي على أحوالهم الاجتماعية.
خرجت الجماعة الأولى من مصر، وقد بلغ عدد -أفرادها بين أربعمائة وألف مقاتل بقيادة الغافقي بن حرب العكي، وفي عدادهم أبو عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وعبد الرحمن بن عديس البلوي، وكنانية بن بشر التجيبي من كندة، وسودان بن حمران السكوني من كندة أيضًا، وعروة بن شييم الكناني وغيرهم من صغار زعماء العشائر، وادعوا بأنهم يريدون العمرة، فأرسل والي مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح كتابًا إلى الخليفة يعلمه بخروجهم١.
إن الشخص الملفت بينهم هو عبد الرحمن بن عديس البلوي من قبيلة بلي، إحدى القبائل التي أقامت في مصر منذ فتحها، وهو من صحابة النبي والوحيد الحامل لهذه الصفة، وبالتالي فإنه ينتمي إلى جماعة الصحابة ذات الأصل البدوي، والذين تعاظم دورهم مع الوقت، وأدى عروة بن شييم الكناني دورصا كبيرًا في عملية القتل، فهو الفاعل الرئيسي٢.
وخرجت الجماعة الثانية من الكوفة، وقد بلغ عديدها مائتي مقاتل بقيادة عمرو بن الأصم، وفي عدادهم زيد بن صوحان العبدي، والأشتر النخعي، وزياد بن النضر الحارثي، وعبد الله بن الأصم، والصحابي عمرو بن الحمق الخزاعي، وهو من صغار
_________________
(١) ١ الطبري: ج٤ ص٣٤٨-٣٥٧. ٢ جعيط: ص١١٠.
[ ٤١٦ ]
زعماء العشائر١، والرجل البارز بينهم هو الأشتر، إذا إننا نراه في الصورة إلى الجانب عثمان ينصحه بالتنازل عن منصبه أو محاولًا قتله، لكن دون أن يتمكن من حسن الأمر، إنه الكوفي الوحيد الذي يشعر القارئ بحضوره وفاعليته٢، أما عمرو بن الحمق الخزاعي، فقد تردد اسمه أكثر من مرة، وهو أحد المشتركين القلائل في القتل، وتعزى إليه أعمال رهيبة في أثناء دفن عثمان المأساوي والسري٣.
وخرجت الجماعة الثالثة من البصرة، وقد بلغ عدد أفرادها مائة وخمسين مقاتلًا بقيادة حرقوص بن زهير السعدي، وفي عدادهم عدد من صغار زعماء العشائر أمثال حكيم بن جبلة العبدي، وذريح بن عباد العبدي، وبشر بن شريح الخطم بن ضبيعة القيسي وغيرهم٤، ويسرتعي كل من حرقوص وحكيم الانتباه، فهما أشد مهاجمي البصرة.
انتسبت الأكثرية المطلقة لزعماء الثائرين إلى فئة الزعمات القبلية التقليدية التي لم تؤد دورًا مميزًا في تاريخ الإسلام، لكنها كانت جميعًا من أهل الأيام والقادسية، إذ عندما حاصر الثائرون عثمان، كتب إلى أهل الأمصار يستمدهم ليرسلوا له النجدات على وجه السرعة لمواجهتهم، ويوضح تشخيصه لهوية الثائرين ومحاصريه، أنهم أعراب وقبائل مع مقارنتهم بالأعراب الذين حاصروا المدينة في غزوة الخندق، أو الأحزاب٥، "فهم كالأحزاب أيام الأحزاب، أو من غزانا بأحد إلا ما يظهرون٦؛ رؤيته لهذه الحركة التي تمثل تمرد الأعراب، والقبائل عليه، وتغذي المعارضة ضده في الأمصار، إنها إذن حركة الأعراب أي حركة القبائل٧.
ويبدو أن المصادر التي أمدتنا بأرقام جماعات الأمصار التي توجهت إلى المدينة، وأسماء الشخصيات التي قادتها ورافقتها؛ هدفت إلى التأكيد أن حركة الاحتجاج ضد الخليفة، إنما هي حركة شعبية شاملة شاركت فيها مختلف الأمصار من أجل وضع حد لتجاوزات السلطة المركزية، ويلاحظ أن المصادر المختلفة اعتمدت على رواة
_________________
(١) ١ يذكر الطبري: من خلال رواية سيف بن عمر، أن عددهم كعدد من خرج من أهل مصر، ج٤ ص٣٤٩، وقارن بالبلاذري ج٦ ص١٧٤. ٢ الطبري: المصدر نفسه ص٣٧١، ٣٧٢. ٣ المصدر نفسه: ص٣٩٣، جعيط: ص١١٠، ١١١. ٤ البلاذري: ج٦ ص١٧٤، الطبري: ج٤ ص٣٤٩، الذي يذكر، من خلال رواية سيف بن عمر أن عددهم كعدد من خرج من أهل مصر. ٥ حدثت غزوة الخندق في عام ٥هـ. ٦ الطبري: المصدر نفسه: ص٣٥١، ٣٥٢. ٧ إبراهيم: ص٢٥٥.
[ ٤١٧ ]
عراقيين مثل أبي مخنف، وذلك لإعطاء المصريين الحجم الأكبر، وتحميلهم المسئولية عن قتل الخليفة١، وإبراز الدور الثانوي لثوار البصرة، والكوفة بالمقارنة مع الدور الذي أداه المصريون.
وقوع المأساة:
يبدو أن هدف جماعات الثائرين المبدئي لم يكن قتل الخليفة ولا حتى خلعه، بل الضغط عليه من خلال وسائل استعراضية مختلفة لحمه على تعديل نهجه في الحكم، ومحاسبة المسئولين عن الأخطاء والتجاوزات، والدفاع عن مصالحهم المتمثلة بسيادة أعرافهم، وقيمها في إدارة الشئون العامة، في مقابل ما يمثله من نهج جديد يسعى للتقييد من ملكيتهم لفيء الفتوح، وإخضاعهم لإدارة سياسية مركزية مستقلة عنهم، ولعل هذا ما توحي به، على الأقل، ضآلة قوتهم العسكرية، ومن أجل ذلك قدموا مطالبهم التالية إلى الخليفة:
- العمل بكتاب الله وسنة نبيه.
- لا يأخذ أهل المدينة عطاء.
- تخصيص مال الفيء لمن قاتل عليه بالإضافة إلى الصحابة، كما يعطي المحروم منه.
- تأمين الخائف ورد المنفي.
- لا تجمر البعوث.
- رفع الظالم.
- خلع كل والٍ لا ترضى عنه الأمصار٢.
تكشف هذه المطالب أن هناك إجراءات اتخذت في السابق، وتسببت في الانفجار، لا سيما تخفيض أو إلغاء العطاء، وإطالة مدة البعوث خارج الأمصار، وهو ما يعرف بالتجمير٣، وهكذا تتعلق المطالب بإلغاء تدابير متخذة بحق محرضي الأمصار.
استجاب عثمان لهذه المطالب؛ لأنه أراد أن يعالج الموقف باللين والسياسة، لا بالعنف والشدة، خوفًا من إراقة دماء المسلمين، واشترط عليهم ألا يشقوا عصا الطاعة، وألا يفارقوا الجماعة، وبالتالي حصل الثائرون على الحد الأدنى المقبول
_________________
(١) ١ ملحم: ص١٥٠. ٢ الطبري: ج٤ ص٣٣١، ٣٦٩، ٣٧٠. ٣ المصدر نفسه: ص٣٣٣.
[ ٤١٨ ]
لمطالبهم، وانتهت المناقشات بوعد علني قطعه عثمان بالتخلي عن كافة التجاوزات، وهو اعتراف بالأخطاء السابقة، وكتب إلى المسلمين بعامة، وأهل الأمصار بخاصة كتابًا تضمن موافقته، وغادرت وفود الأمصار المدينة عائدة إلى أمصارها، وبدا وكأن الأزمة قد انتهت، وحافظت الأمة الإسلامية على وحدتها، ويعد هذا، إذا ما تحقق، نجاحًا بالغ الأهمية بالمقارنة مع حل أزمة بالغة الخطورة.
ويبدو أن العامل السياسي سرعان ما استرجع دوافعه من واقع التجاوزات التي ذكرت من جهة، والجو المشحون من جهة أخرى، وتبيين أن التفاهم، وتوبة عثمان، كان مرحليًا وآنيًا؛ لأن واقع القضايا المطروحة كان يدفع باتجاه الصدام المسلح، وسرعان ما حدثت الانتكاسة، فمن الممكن أن عثمان أبدى تصلبًا، أو أنه تأثر بتأليب حاشيته التي تسودها شخصية مروان بن الحكم، وشعر الثائرون من جانبهم بالتنكر لهم، ومن المحتمل أن تكون الفئات الحاقدة بين القادة المصريين قد أرادت التخلص من الخليفة، وأنها وجدت لذلك الأمر ذريعة من واقع رسالة عثمان المرسلة إلى والي مصر، بعد الاتفاق مباشرة، وقد تضمنت أمرًا خطبًا منه بمعاقبة قادة المجموعة المصرية إما بالجلد والتعذيب، وإما بالصلب والإعدام، وقد وقعت الرسالة في أيدي المصريين١، ويدل ذلك، إما على تبدل موقف عثمان، أو على تغيير في موقف حاشيته الأموية القوية والفاعلة، التي رأت في موقف الخليفة تنازلًا منه عن حقوق مكتسبة لها، وهو الأرجح، بدليل أن عثمان أقسم بأنه لم يكن يعلم شيئًا، لا عن الرسالة، ولا عن مضمونها٢. وتظهر روايات أخرى ترتدد عثمان في تنفيذ وعوده، وتمسكه بقرار الدولة المستقل، وعزمه على عدم إفراغ السلطة من مضمونها٣، وإن تطور الأمر حتى الصدام المسلح، ويبدو من ذلك أنه كان المسيطر الفعلي على قراراته، وأنه لم يكن ألعوبة في يد مروان بن الحكم٤، لذلك فإن الروايات التي تتحدث عن الرسالة التي تأمر بتعذيب، وصلب قادة المعارضة في مصر، والتي يقال: إنه أرسلها إلى واليه على مصر تستوجب الرد.
والواقع أن الأمور كانت تسير بسرعة نحو الصدام المسلح، نلاحظ ذلك من عودة الثائرين، وتلاحمهم وائتلافهم ضد عثمان، على الرغم من نفيه، وإنكاره وإبداء رغبته في التهدئة.
_________________
(١) ١ البلاذري: ج٦ ص٢١٧، الطبري: ج٤ ص٣٧٣-٣٧٥. ٢ الطبري: المصدر نفسه: ص٣٧١. جعيط: ص١١٤. ٣ جعيط: المرجع نفسه. ٤ المرجع نفسه.
[ ٤١٩ ]
وسيطر الثائرون على المدينة، إذ لم تكن هذه في وضع عسكري يحول دون ذلك بفعل توزيع القوى المسلحة في القواعد والأجناد، والثغور، ومن هنا كانت مهمة الثائرين يسيرة بحيث أنهم تنقلوا في عاصمة الخلافة دون أن يعترضهم أحد، ومنعوا الناس من الاجتماع، وابتزوهم، ووضعوا السيف في من تعرض لهم، فتفرق أهل المدينة في حيطانهم، ولزموا بيوتهم، لا يخرج أحد منهم، ولا يجلس إلا وعليه سيف يمتنع به من حصار القوم١.
تجاه هذا التغير في المواقف والتطور السلبي للقضية، انقسم الصحابة الموجودون في المدينة إلى ثلاث فئات:
الفئة الأولى: هي التي بدل أصحابها موقفهم كليًا، فانفضوا من حول الخليفة بعد أن كانوا قد أمدوه بنصائحهم، وتوسطوا بينه وبين الثائرين، وتركوه يواجه مصيره، ذلك أنهم اعتقدوا أنه نكث بالوعد الذي قطعه لإصلاح نفسه٢، وقبعوا في بيوتهم بعيدين عن المأساة التي تدور تحت سمعهم وأبصارهم، وإنه موقف حيادي لكن متخاذل سوف يساعد الثائرين المحاصرين لدار عثمان، بصورة غير مباشرة٣.
الفئة الثانية: هي التي ساعد أصحابها الثائرين، وشاركوا في الحصار، فقد دفع طلحة بن عبيد الله بعشيرته تيم إلى المشاركة، وهو الطامع علنًا في الخلافة٤، كما أظهر البدو وخزاعة من أسلم، وغفار عداء شديدًا تجاه عثمان، وانضموا إلى صفوف الثائرين وشجعوهم، حتى أنهم شاركوا في القتل٥، هذا بلا شك بدافع الحقد الطبقي؛ ولأنهم مبعدون عن السلطة.
الفئة الثالثة: وهي التي استمر أصحابها على دعمهم للخليفة، فقد أرسل علي بن أبي طالب ابنه الحسن للدفاع عن دار عثمان في وجه المهاجمين، كما ذكرنا، كما أنه سيرسل قرب الماء إليه، وأرسل الزبير بن العوام ابنه عبد الله أيضًا ليقف إلى جانب الخليفة في مواجهة المحاصرين٦.
في هذا الموقف الخطير والحرج استنجد عثمان بمعاوية في دمشق، وطلب منه أن يرسل إليه النجدات على وجه السرعة لمواجهة الثائرين المحاصرين لداره، لكن التعزيزات تأخرت، فقد تربص معاوية، الذي كان يراقب الموقف عن كثب، ربما
_________________
(١) ١ الطبري: ج٤ ص٣٥٠، ٣٥١، ٣٥٤، ٣٨٦، ٣٨٧. ٢ المصدر نفسه، ص٣٦٤. ٣ جعيط: ص١١٥، ١١٦. ٤ البلاذري: ج٦ ص٢١١. ابن أعثم: ج١ ص٢٢٩. ٥ البلاذري: ج٦ ص٢٢١، ٢٢٢. ٦ الطبري: ج٤ ص٣٥٠، ٣٥١، ٣٩٠.
[ ٤٢٠ ]
لحسابات سياسية، في الوقت الذي أدرك فيه أن سقوط الخليفة بات وشيكًا مما يفتح الباب على مصراعيه أمامه لإعلان خلافته في دمشق باسم حق الوراثة في الأسرة الأموية، ومع ذلك لا يمكن تجريده من التفكير العاطفي الطبيعي آنذاك، ومما يملي من روابط وشعور ومساندة، فمن المستحيل أن تعزى إليه حسابات تذهب إلى حد تمني موت ابن عمه، وربما كانت العاقبة الأكثر احتمالًا هي فقدانه لمنصبه، أما التأخر في إرسال التعزيزات فمرده، إما إلى التأخر في طلب النجدة ذاتها من جانب عثمان، وإما إلى طابع الأمر غير المألوف، إذ عندما وصلت القوة الشامية إلى وادي القرى بلغ أفرادها قتل عثمان، فرجعوا١.
سيدوم حصار عثمان أربعين يومًا٢، ويدل ذلك على أن الثائرين لم يكونوا حتى هذه المرحلة راغبيين في قتله، بل الضغط عليه من أجل تسليمهم مروان بن الحكم، زعيم بطانته الذي حملوه مسئولية تصعيد الأمة، ووصولها إلى حد الانفجار، ولكنهم منعوه من ممارسة سلطاته مثل إمامة الصلاة، وطرد من المسجد بالحجارة٣، لذلك جرى الحفاظ على حياته طيلة تلك المدة التي حفلت بالجدل حول مسألة هدر دمه، واستباحته والبحث عن مبررات شرعية تسمح بقتل الشخص الذي يسبب الفساد في الأرض٤، ثم صعدوا إجراءتهم ضده فمنعوا الماء والطعام عنه٥، ورجموه بالحجارة وأخذوا يعدون العدة للتخلص منه، ولم يقع مقتله إلا بعد أن يئسوا من قضيتهم مستبقين حملات الدعم التي كانت أخبارها تصل تباعًا إلى المدينة، بالإضافة إلى أنه رفض رفضًا مطلقًا أن يخلع نفسه: "فلا أنزع قميصًا قمصنيه الله ﷿ وأكرمني به، وخصني به على غيري "، وفي رواية: "أما الخلع، فما كنت لأخلع سربالًا سربلنيه الله "٦، ومعنى ذلك أن الخلافة هبة من الله، ومسئولية صادرة عنه، وأن الإنسان لا يملك حق التهرب من ذلك، وبالتالي لا يمكنه أن يتقبل، ولا يجوز إسقاطه٧.
وفي النهاية، كان على المحاصرين أن يتناقشوا في فكرة القتل، وقد حذرهم عثمان من ذلك لمخالفتها التعاليم الإسلامية من جهة؛ ولأنه سوف يترتب عليها نتائج
_________________
(١) ١ الطبري: ج٤، ص٣٦٨، جعيط: ص١١٨. ٢ المصدر نفسه: ص٣٨٥. ٣ المصدر نفسه: ص٣٦٤. ٤ المصدر نفسه: ص٣٩٦. جعيط: ص١١٦، ١١٧. ٥ المصدر نفسه: ص٣٧٦. ٦ المصدر نفسه. البلاذري: ج٦ ص٢١٣. ٧ جعيط: ص١١٧.
[ ٤٢١ ]
بالغة الخطورة على الصعيدين الداخلي، والخارجي من جهة أخرى١، لقد حدث ذلك خلال يوم الدار، دار عثمان، عندما قرروا فجأة الانتقال إلى التنفيذ العملي، وقد استغلوا مقتل أحد عناصرهم نتيجة إصابته بحجر، أو بسهم من قبل أحد المدافعين عنه، فأشعلوا النار بأبواب منزله، وجرت بعض المناوشات بينهم، وبين المدافعين عنه.
ثم حدث أن أحجم عثمان عن الدفاع عن نفسه، وسرح المدافعين عنه، وقدم نفسه كضحية مستعدة للموت، وهو يتلو آيات من القرآن، وفجأة تراجع المهاجمون عن الدار، لكن بعضهم ممن عزم على قتله، وقد تورعوا عن الدخول من الباب، فتسلقوا دارًا مجاورة، فقد فتح عمرو بن حزم الأنصاري، جار الخليفة، باب داره، فدخل منه القتلة، واستقروا في جوف الدار، ودخلوا غرفته وتجاسروا على طعنه عدة طعنات، ثم انكبوا عليه بضراوة، كانوا ثلاثة أو أربعة من القادة المصريين، وكوفي واحد عده بعضهم في عداد المصريين هو عمرو بن الحمق الخزاعي٢، حدث ذلك في "١٨ ذي الحجة ٣٥هـ/ ١٧ حزيران ٦٥٦م"٣، وجرى دفن عثمان ليلًا، وسرًا بعد ثلاثة أيام في أسوأ الظروف٤.
تعقيب على مقتل عثمان:
وهكذا وقع حادث كبير وخطير في تاريخ الإسلام، قاتم ومأساوي لفصل مثير في تاريخ الخلافة الراشدية التي أضحت أمام منعطف خطير سيترتب عليه عواقب وخيمة على الأمة الإسلامية بعامة، من واقع الانشقاقات، والانقسامات النهائية؛ لأن الهدوء سوف لن يدوم طويلًا بعد عثمان، فانطلق داخل الأمة عنف واسع دمر الطاقة الإسلامية الذاتية، وشل نهوض الأمة بما يتماثل والمراحل السابقة في عهدي الخليفتين أبي بكر وعمر، فانقسم المسلمون إلى جماعات، وأحزاب متناحرة تفجرت في الحرب الأهلية، إنها إحدى أخطر المراحل في التاريخ الإسلامي، وقد تفوقت بنتائجها السلبية على حركة الردة التي أمكن حصرها والقضاء عليها، وبرزت قوة الأمصار على حساب قوة المدينة بخاصة والحجاز بعامة، التي سوف تتراجع، وتتوارى في الظل.
_________________
(١) ١ الطبري: ج٤: ص٣٧٦، ٣٧٧. ٢ المصدر نفسه: ص٣٩٤، البلاذري: ج٦ ص٢٢٠. ٣ المصدران نفساهما: ص٤١٦، ٤١٧. ص٢١٢. ٤ الطبري: المصدر نفسه: ص٤١٢.
[ ٤٢٢ ]
كان مقتل عثمان العنيف تاريخيًا ومأساويًا، تاريخيًا؛ لأنه كان ضاغطًا على التاريخ السياسي طيلة قرنين أو ثلاثة، وتسبب بانشقاقات مذهبية عميقة من واقع انقسام المسلمين إلى سنة وشيعة، وأطلق نزاعات بالغة الخطورة من حروب أهلية، وعنف فتاك داخل الأمة الإسلامية، ولم تلتئم الجراح حتى يومنا هذا.
وارتبطت بالمقتل مباشرة تلك المرحلة من سنوات الفتنة الخمس المتطابقة مع خلافة علي، ثم كان التطور البطيء للحدث، ويستند إلى علي، وليس إلى عثمان، أي سوف يدخل على الخط السياسي لاعبون جدد وراءهم خليفة تاريخية مثقلة بالاحتدام، بحيث أن مقتله لم يكن إلا ذريعة، ومع ذلك تدين الأسرة الأموية بقيامها إليه، ويسترعي الانتباه كل من علي وطلحة، والزبير وعائشة زوجة النبي ومعاوية، وفوق ذلك، شعرت الأمة الإسلامية كلها بأنها معنية بالصراعات، وكان الرهان هو السلطة، والمطامع والمطامح، والمحاسد ورغبة الانتقام، بغض النظر عن الوعي أو عدمه١.
وكانت المأساة حاضرة بدءًا من اللحظة التي قتل فيها خليفة المسلمين الذي واجه الموت وحيدًا، مرورًا بظروف دفنه عندما رفض الثائرون أن يدفن كأحد المسلمين، ولن يتم ذلك إلا عندما هددت إحدى بنات عمه، أم حبيبة زوجة النبي أم المؤمنين، بفضح ستر رسول الله وعرضه أمام الجميع، فجرى دفنه ليلًا وفي الخفاء كما ذكرنا.
وأثبتت الفتنة التي عصفت بالمسلمين، ومقتل عثمان، تضاربًا في المصالح بين بعض كبار الصحابة، والقيمين على الشئون العامة، وقد وصلت إلى مرحلة نزاعية تصادمية، وسببت انقسامًا حادًا بين المسلمين بعامة، وشكل دم عثمان الانطلاقة المباشرة، لذلك كانت خلافة علي، كما سنرى، مثقلة بظلال هذا الحدث الخطير، وبخاصة أن الذين قتلوا عثمان كانوا من أوائل المبايعين لعلي، وعلى هذا الأساس أضحى الموقف من خلافة علي مرتبطًا بشكل مباشر بتحديد الموقف من السؤال: هل قتل عثمان مظلومًا أم لا؟ واتخذت الإجابة على هذا السؤال أحد الأشكال التاريخية الملموسة، والمباشرة التي تم من خلالها التعبير عن قضايا الاختلاف، والصراع السياسي المرتبطة بطبيعة التطور التاريخي٢.
_________________
(١) ١ جعيط: ص١٢٥. ٢ إبراهيم: ص٢٧٨، ٢٧٩.
[ ٤٢٣ ]