التعريف بعمر:
أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب، وينسب إلى عدي، فيقال له: العدوي، وأمه خثمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب، وكان نفيل جد عمر شريفًا نبيلًا تتحاكم إليه قريش١.
تعد عشيرة بني عدي من أوسط قريش قوة وجاهًا، على أنها لم تبلغ من المكانة في مكة قبل الإسلام ما بلغه بنو هاشم، وبنو أمية وبنو مخزوم، إذ لم يكن لها من الثروة ما لهم، ومع ذلك نافست بني عبد شمس على الشرف، وحاولت أن تبلغ مكانتهم، إلا أنها كانت على جانب كبير من العزة والمنعة، شغل أفرادها منصب السفارة، والحكم في المنافرات، فكانوا المتحدثين عن قريش إلى غيرها من القبائل فيما ينجم من خلاف يتوجب حسمه بالمفاوضات، وبفعل التنافس العشائري، اضطر بنو عدي في حياة الخطاب، والد عمر، إلى الجلاء عن منازلهم القائمة عند الصفاء، وانحازوا إلى عشيرة بني سهم، وأقاموا في جوارها.
ولد عمر بن الخطاب في عام ٤٠ قبل الهجرة، وقبل حرب الفجار الآخر بأربع سنين٢، ونشأ في مكة وترعرع في بيئة وثنية في ظل والده الخطاب، وكان فظًا عليه
_________________
(١) ١ البلاذري: أنساب الأشراف ج١٠ ص٢٨٦. ٢ الفجار: هي الحرب الرابعة من حروب الفجار التي اندلعت بين قريش وكنانة من جهة، وقيس عيلان من جهة أخرى، حضر النبي ﷺ هذه الحرب مع أعمامه، وكان عمره آنذاك عشرين سنة، وانتصرت فيه كنانة، وقريش على قيس عيلان، وسميت بحرب الفجار؛ لأن الطرفين المتقاتلين استحلا القتال، والمحارم في الأشهر الحرم، ابن هشام ج١ ص٢٠٩-٢١١.
[ ١٧٣ ]
يكلفه بالأعمال الشاقة، ويضربه ضربا مبرحًا إذا قصر في ذلك العمل، وقد تأثر بالبيئة التي عاش فيها كغيره من فتيان مكة وشبابها، تعلم الفارسية، والقتال حتى أضحى من أبطال قريش في الجاهلية، مهاب الشخصية، مرهوب الجانب، يدافع عن عبادة الأصنام بقوة، أجاد الكتابة والخطابة، والمفاخرة، تذوق الشعر ورواه، واعتلى منزلة رفيعة بين القرشيين في الجاهلية، فكان مكلفًا بالسفارة لهم.
وعندما بعث النبي محمد ﷺ، وآمن به عدد من القرشيين وسكان مكة، كان عمر شديد الأذى عليهم، ويرى أنهم خرجوا على دين قومهم، وبالتالي تجب محاربتهم، فكان من أشد أهل مكة خصومة للدعوة الإسلامية، ومحاربة لها؛ لأنه رأى في تعاليم الإسلام ما يقوض النظام المكي، ويثير الفساد في مكة، لقد فرقت الدعوة الإسلامية كلمة قريش، ولا بد من وضع حد لها بالتخلص من صاحبها.
كان النبي يعرف تمامًا هذه الخصال في شخص عمر، ويطمع في إسلامه، ويرى بعض الذين أسلموا مبكرًا استحالة إسلامه، لكن النبي كان يدعو، ويلح بالدعاء: "اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام، أو بعمر بن الخطاب" ١، وكان أحبهما إليه عمر بن الخطاب.
كانت نفس عمر تضطرب، فإذا خرج إلى قومه، ورأى تفرقهم ساءه ذلك حتى عزم على القضاء على مصدر الفتنة، وظل هذا الخاطر يتردد في نفسه حتى أمر النبي محمد ﷺ أتباعه بالهجرة إلى الحبشة فرارًا إلى الله بدينه، وبعد أن صبت قريش جام غضبها، وعذابها عليهم.
وساد مكة، بعد الهجرة إلى الحبشة، جو كئيب من الوحشة، إذ كان الذين هاجروا من الكثرة بحيث تركوا فراغًا هائلًا شعر به ذوو النفوس الحساسة، والعواطف الرقيقة، وكان من بينهم عمر بن الخطاب الذي انتابه قلق، وانقباض حتى فارقه المرح الذي عهد منه، وراح عمر يفكر في الحالة التي وصلت إليها مكة، ومرت به خواطر من الماضي حيث كان محمد لا يزال صغيرًا بينما هو الآن قد خرج، بعدما كبر، بتعاليم جديدة، أراد أن يفرضها على أهل مكة، تجعل الصديق يشهر سيفه في وجه صديقه، وتفرق الجماعة، وتفرض على الأغنياء أن يساعدوا الفقراء، وتلقي العداوة بين الأخ وأخيه.
وقرر عمر أن يضع حدًا لتلك الأحداث، وإخماد الفتنة التي تجتاح مكة نتيجة
_________________
(١) ١ ابن هشام: ج٢ ص٩٦.
[ ١٧٤ ]
تعاليم محمد، فصمم على قتله، وأثناء عودته إلى بيته ليستعد لتنفيذ الخطة الحاسمة شاهد جارة له كان يعذبها، قد جمعت متاعها، ووقفت أمام منزلها تنتظر زوجها ليخرجا معًا إلى الحبشة، فاقترب منها، وبادرها قائلًا: "إنه للانطلاق يا أم عبد الله"١، ولم يكن في صوته حدة أو دليل عدوان، فأجابته: "نعم، والله لنخرجن في أرض الله، آذيتمونا وقهرتمونا، حتى يجعل الله فرجًا"٢، وسكت عمر وراح يفكر خلال صمته بجارته التي ستخرج أيضًا لتلحق، وزوجها بمن سبقهما، وازداد حزنه حتى رق قلبه لهذا الفراق، وسرت الرقة في صوته، وهو يحاورها، ويقول لها: "صحبكم الله" حتى طمعت في إسلامه لما تنبهت إلى تغيير نبرة صوته، واختلاف حركاته، قال لها زوجها عندما أخبرته: "فلا يسلم الذي رأيته حتى يسلم حمار الخطاب"٣.
أما عمر فقد خرج من بيته بعد قليل متوشحًا سيفه، ويمم وجهه صوب دار الأرقم حيث يجتمع محمد بأصحابه، ليقتله أمامهم وبخاصة حمزة الذي ضرب أبا جهل وشجه في رأسه، ثم اعتنق الإسلام، حتى يلقنه درسًا قاسيًا، ولا يجرؤ بعد ذلك على تهديد فرسان قريش، وقد صمم على قتله إن هو حاول أن يعترضه، أو يدافع عن ابن أخيه، وبذلك يكون قد أخمد الفتنة التي أحدثتها تعاليم محمد.
وفجأة لقيه أحد أصدقائه، وهو نعيم بن عبد الله النحام من بني عدي، وكان قد أسلم سرًا، فسأله عن وجهته، فأجابه عمر: "أريد محمدًا، هذا الصابئ الذي فرق أمر قريش، وسفه أحلامها وعاب دينها وسب آلهتها، فأقتله"٤، وقال له صاحبه وهو يحاوره، وقد خشي على محمد غضبة عمر، فأراد أن يصرفه عما اعتزم: "والله لقد غرتك نفسك من نفسك يا عمر، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض، وقد قتلت محمدًا، أفلا ترجع إلى أهل بيتك، فتقيم أمرهم"٥.
غضب عمر لكلام نعيم، فلم يكن يعلم بإسلام أخته فاطمة، وختنه وابن عمه سعيد بن زيد، فنسي غايته التي خرج من بيته لأجلها، وولى وجهة شطر بيت أخته، وقد انتفخت أوداجه بنار الغضب، وما إن وصل إلى المنزل حتى سمع صوت هيمنة لرجل غريب يتلو، فقرع الباب بشدة فزع لها من بالداخل، وسألوا من بالباب، فأجاب: "أنا عمر" فارتج عليهم عندما سمعوا صوته وارتبكوا، وأسرعوا يخفون ما
_________________
(١) ١ ابن هشام: ج٢ ص٩٥. ٢ المصدر نفسه. ٣ المصدر نفسه. ٤ المصدر نفسه. ٥ المصدر نفسه.
[ ١٧٥ ]
كان من أمرهم، فاختبأ خباب من الأرت الذي كان يقرؤهما القرآن، في بعض البيت، وأخذت فاطمة الصحيفة التي كان يقرأ منها فأخفتها خلفها، وقام زوجها ليفتح الباب، ودخل عمر هائجًا يدور بعينيه في أرجاء الدار يبحث عن مصدر الصوت الذي سمعه، فلم ير أحدًا غير أخته وزوجها، فسألهما بغضب: "ما هذه الهيمنة التي سمعت" فأنكرا خوفًا منه، ثم صرخ في وجههما: "لقد أخبرت أنكما تبعتما محمدًا على دينه"، فتقدم من زوج أخته، وضربه بمقبض سيفه، فسال دمه، وقامت أخته فاطمة تدافع عن زوجها، فضربها عمر أيضًا فشج رأسها، عند ذلك اعترفت له "نعم قد أسلمنا، فاصنع ما بدا لك"١.
وعندما رأى عمر الدم يسيل من رأس أخته تخاذلت قواه، فهدا وراح يحاسب نفسه حتى ندم على تصرفه، ثم وقع نظره على الصحيفة التي كان يقرأ منها خباب، فطلب من أخته أن تطلعه عليها لينظر ما جاء به محمد، فأعطته إياها بعد أن طلبت منه أن يغتسل، ثم قرأ ما أذهله وملأ قلبه روعة، فقال: "ما أحسن هذا الكلام وأكرمه"، وسمع خباب وهو في مخبئه قول عمر، فاندفع إليه قائلًا: "يا عمر فإني أرجو أن يكون الله خصك بدعوة نبيه، فإني سمعته أمس يقول: "اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام، أو بعمر بن الخطاب" ٢.
وأسرع عمر من فوره إلى دار الأرقم، فقرع الباب بلهفة وعنف، ففتح له حمزة وتهيأ للقائه إن بدر منه شر، لكن النبي أراد أن يردع عمر بنفسه، فقام للقائه، وأمسكه بطرف ردائه، وجذبه جذبة قوية ارتعد على إثرها عمر، وما أفاق حتى سمع محمدًا يقول له: "ما جاء بك يا ابن الخطاب، فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة"، فقال عمر: يا رسول الله جئتك لأؤمن بالله وبرسوله، وبما جاء من عند الله، قال: فكبر رسول الله ﷺ تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله ﷺ أن عمر قد أسلم٣.
وعارض عمر أسلوب استخفاء المسلمين، وأبى إلا أن يخرجوا إلى الكعبة ليؤدوا الصلاة فيها جهارًا أمام القرشيين، ووافق النبي على الفكرة، وفي اليوم التالي، خرج المسلمون يمشون في طرقات مكة نحو الكعبة في صفين، على أحدهما حمزة وعلى الآخر عمر، فسماه النبي منذ ذلك الوقت بالفاروق؛ لأنه فرق
_________________
(١) ١ ابن هشام: ج٢ ص٩٥، ٩٦. ٢ المصدر نفسه: ص٩٦. ٣ المصدر نفسه.
[ ١٧٦ ]
بين الحق والباطل١، وهكذا أسلم عمر بن الخطاب في السنة السادسة من البعثة، وهو يومئذ ابن تسع وعشرين سنة وأشهر، وعدد المسلمين لا يزيد عن أربعين٢.
دخل عمر في دين الله بالحمية نفسها التي كان يحاربه من قبل بها، إذ ما لبث حين أسلم أن حرص على أن يذيع في قريش كلها إسلامه، وبإسلامه وبإسلام حمزة من قبل، شعر المسلمون بالمنعة، والقوة حتى قال عبد الله بن مسعود: "إن إسلام عمر كان فتحًا ولقد كنا لا نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلم أسلم قاتل قريشًا حتى صلى عند الكعبة، وصلينا معه"٣.
وعندما أذن النبي لأصحابه بالهجرة إلى المدينة كان عمر من أوائل المهاجرين. وقد حضر مع النبي غزوة بدر، وأحد والمعارك كلها، وشارك في كثير من السرايا وقاد بعضها، وتزوج النبي ابنته حفصة.
كانت لعمر مواقف حادة، وشديدة ضد أعداء الإسلام، وقد قال رسول الله ﷺ في حقه: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" ٤، نذكر منها: "اقتراحه قتل أسرى بدر حتى لا يعودوا لمناوأة المسلمين، على الرغم من إقرار جماعة المسلمين قبول الفداء، ونزل الوحي مؤيدًا رأي عمر في أمر الأسرى٥، فزاد ذلك عمر قربًا من النبي، ومكانة عنده، ورفض عمر صلح الحديبية مع قريش لظنه أن في بعض بنوده مهانة للمسلمين، فراح يناقش النبي في ذلك٦.
ولعمر مواقف أخرى ملفته بطول المقام عن شرحها، منها: موقفه من عبد الله بن أبي، زعيم المنافقين ومن حكم الخمر، ومن نساء النبي٧، وهي تكشف عن جانب من شخصيته التي كانت تزداد وضوحًا، وقوة على مر الزمن.
وبرز عمر في السياسة العامة، لذلك كان النبي يدعوه وزيره، وحين يشاور أصحابه يجعل لرأي عمر مكانة تعدل مكانة الرأي الذي يبديه أبو بكر، على أن صرامة عمر، وصراحته وشدته، ومخالفة النبي لرأيه في بعض ما أشار به لم تنقص يومًا من مكانة عمر، أو من احترامه، وذلك بأنه كان مخلصًا صادقًا في كل ما يراه، ويشير به.
_________________
(١) ١ البلاذري: ج١٠ ص٢٩٧. ٢ المصدر نفسه: ٢٩٣. ٣ ابن هشام: ج٢ ص٩٥. ٤ البلاذري: ج١٠ ص٢٩٧. ٥ ابن كثير، الحافظ عماد الدين: تفسير القرآن العظيم ج٢ ص٣٢٥، السهيلي: ج٣ ص٨٣. ٦ ابن هشام: ج٤ ص٢٨. ٧ هيكل، محمد حسين: الفاروق عمر: ج١ ص٦٥-٦٨.
[ ١٧٧ ]
كان عمر زاهدًا، فعندما أصاب أرضًا بخيبر، أتى النبي فقال: "أصبت أرضًا بخيبر لم أصب مالًا قط أنفس عندي منه، فما تأمر به"، فأجابه النبي: "إن شئت حبست أصلها، وتصدقت به"، فتصدق عمر بها للفقراء، وذوي القربى وفي الرقاب، وفي سبيل الله والضيف.
نتيجة هذه الصفات التي اتصف بها عمر، كان موضع تقدير واحترام كل المسلمين، على الرغم مما كان فيه من غلظة وشدة، وكان عمر سندًا لأبي بكر، وقد ذكرنا في فصول سابقة مواقفه من بعض القضايا التي واجهت الخليفة الراشدي الأول.
بيعة عمر:
عندما مرض أبو بكر وشعر بدنو أجله، فكر في أمر خلافته، وخشي إن هو توفي، ولم يعهد بالخلافة إلى أحد، أن يتجدد الخلاف بين المسلمين، كما حدث في سقيفة بني ساعدة، ولئن اختلفوا هذه المرة، فيكون اختلافهم أشد خطرًا، وربما أدى إلى الفتنة، وقد تشمل كافة العرب، وذلك بفعل اتساع الدائرة، إذ لم يعد الأمر محصورًا بين المهاجرين والأنصار.
أما إذا استخلف وجمع كلمة المسلمين على من يستخلفه، فقد يتقي ما يخشى، ويكفل لسياسة الفتوح الاستمرارية والنجاح، فرأى ببعد نظره أن يحتاط لهذا الأمر تلافيًا للأخطار، وقد دفعته الظروف إلى العمل بأسلوب آخر يختلف عن الأسلوب الذي تولى بموجبه شئون الأمة من حيث الشكل، ويتفق معه من حيث الروح، وهكذا نتعرف على صورة جديدة من صور البيعة المؤسسة على الشورى، وعلى اجتهاد أبي بكر وبعد نظره.
وراح أبو بكر يستعرض سير أصحابه، ومواقفهم ليختار من بينهم رجلًا يكون شديدًا في غير عنف، ولينًا في غير ضعف، فوجد أن من توفرت فيه هذه الصفات من أصحابه أحد رجلين، عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، إلا أن الأول ربما يريد الأمر، فيرى في طريقه عقبة فيدور إليه، والثاني يرى الاستقامة لا يبالي بالعقبة تقوم بين يديه، فهو بهذا إلى الشدة أميل منه إلى اللين.
وأدرك بخبرته وتجربته أن عبء الخلافة الثقيل لا يستطيع أن يتحمله شخص آخر سوى عمر، ففضله على غيره بفعل مرونته السياسية، كما أن الصفات الأخرى التي اصطبغ بها، ومالت به إلى إيثار الخير العام على نفسه، وأهله وذويه، ثم إن هذا التفكير الذي انتهى إلى تطابق في المواقف من قضية الفتوح مع الخليفة الراشدي الأول،
[ ١٧٨ ]
كان دافعًا آخر لأبي بكر على التصميم على اختيار عمر خلفًا له، أما القول بأن هذا الاختيار جاء ردًا على مساندته له في سقيفة بني ساعدة، فهو بعيد الاحتمال، بفعل أن أحدًا من الصحابة لم يحتج على اختيار عمر، يضاف إلى ذلك أن عمرًا كان لصيقًا بأبي بكر أثناء خلافته، وأتاحت له هذه الميزة أن يطلع على دقائق الأمور أثناء تسيير دفة الحكم، فاكتسب مزيدًا من الخبرة في الشأن العام، ربما حرم منها كثير من الصحابة، فإذا هو تسلم الحكم فهو أهل له.
وراح أبو بكر، بعد أن قرر اختيار عمر لخلافته، يستشير كبار الصحابة من أهل الحل، والعقد ليقف على توجهاتهم وآرائهم، فلم يجد معارضة لديهم، بل ثناء على هذا الاختيار، باستثناء ما ظهر من تردد عند بعضهم، مثل طلحة بن عبيد الله الذي خشي أن يفرق جماعة المسلمين بفعل غلظته وشدته، لكن سرعان ما تلاشى١، ثم عرض قراره على الأمة، وخاطب المسلمين في المسجد، فما تردد أحد، وقالوا جميعًا: "سمعنا وأطعنا"٢.
والواقع أن أبا بكر لجأ إلى هذا الأسلوب مضطرًا، وعلق خلافة عمر على رضا الناس، كما أنه لم يستخلف أحدًا من أبنائه أو أقربائه، وأكد اجتهاده في هذا الاختيار بقوله: "فإن تروه عدل فيكم، فذلك ظني به، ورجائي فيه، وإن بدل وغير، فالخير أردت، ولا أعلم الغيب، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون"٣، وبعد أن اطمأن إلى ضمان موافقة المسلمين، دعا عثمان بن عفان، وأملى عليه أمر الاستخلاف ليكتبه٤.
وهكذا أضاف أبو بكر إلى معجم الفكر السياسي الإسلامي مصطلحًا جديدًا هو الاستخلاف أو العهد، وهو شكل من أشكال الترشيح، أو البيعة الخاصة، أو البيعة الصغرى، ولا بد من البيعة العامة، أو البيعة الكبرى بعد ذلك، وقد تحققت في المسجد.
ودعا أبو بكر عمر، فعهد إليه وأوصاه باستكمال الفتوح، وذكره بما يجب على ولي أمر المسلمين من تحري الحق، وبأن الله ذكر آية الرحمة مع آية العذاب ليكون العبد راهبًا، فلما فرغ من وصيته خرج عمر من عنده، وهو يفكر في هذا المر الذي ألقي على عاتقه، فود لو أن أبا بكر برئ من مرضه ليواجه موقفًا دقيقًا٥.
_________________
(١) ١ البلاذري: أنساب الأشراف ج١٠، ص٣٠٤، ٣٠٥، الطبري: ج٣ ص٤٢٨- ٤٣٣. ٢ الطبري: المصدر نفسه: ص٤٢٨. ٣ ابن قتيبة: الإمامة والسياسة ج١ ص١٩. ٤ الطبري: ج٣ ص٤٢٩. ٥ انظر نص الوصية عند ابن الأثير في تاريخه ج٢ ص٢٦٧، ٢٦٨.
[ ١٧٩ ]
دعي عمر بن الخطاب خليفة أبي بكر الصديق، أو خليفة رسول
الله، ولما آنس المسلمون في اللقب طولًا، سموه الخليفة على إطلاقه، وأمسى هذا لقبا لرئيس دولة الإسلام، ثم أضافوا إلى عمر لقبًا جديدًا يتماشى مع حركة الفتوح هو لقب أمير المؤمنين، وهو أول من تسمى به.
دعوة المسلمين إلى الجهاد:
حتى وفاة أبي بكر جرت في سواد العراق غارات، ومناوشات عديدة بين المسلمين، وبين الفرس ومن ساندهم من العرب المنتصرة القاطنين هناك، لكن هؤلاء عجزوا عن وقف هجمات المسلمين كما كان عليه الحال مثلًا في معركة عين التمر، وكانت الفرق الإسلامية تجوب أراضي السواد مغيرة على هذه القرية أو تلك، لكن في المدة، بين رحيل خالد بن الوليد
ووفاة أبي بكر، لم تحدث إلا اصطدامات محدودة، بفعل أن جيش العراق ضعف
بغياب خالد، وبخاصة أنه فصل معه أكثر من نصف القوات، وانهمك الفرس في المقابل في الصراعات الداخلية، والتنافس على الحكم، مما أدى إلى ركود الجبهة العراقية، واضطر المثنى، على الرغم من براعته القتالية، أن ينكفئ إلى الحيرة، وتحصن بها، إلا أنه احتفظ بكل ما غنمه المسلمون من سواد العراق، صحيح أنه
انتصر على جيش فارسي في بابل، وجهه شهربراز بن أردشير بقيادة هرمز جاذويه في "أواخر ربيع الأول ١٣هـ/ أواخر أيار ٦٣٤م"١، إلا أنه تحصن بعد انتصاره في مواقعه الأولى خشية أن يباغت مدركًا في أنه لن يستطيع التقدم، وإن استطاع المقاومة، بل تصبح المقاومة مستحيلة إذا تكتل الفرس، والعرب الموالون لهم مرة أخرى، فضلًا عن أنه لا يستطيع أن يحتفظ بالإنجازات المحققة، فكيف إذا قرر التقدم، لذلك كان لا بد من تعزيز القوة الإسلامية الموجودة
تحت تصرفه، فغادر العراق إلى المدينة ليبحث مع أبي بكر في الوضع الميداني على الجبهة العراقية، ويقدم له مشروعًا جديدًا للتعبئة العامة من واقع تجنيد من ظهرت توبته من أهل الردة، وعندما وصل إليها وجد أبا بكر مريضًا، ولما أفضى إليه ما جاء من أجله، استدعى عمر وأوصاه بندب الناس مع المثنى إذا توفي٢.
وما كاد عمر يفرغ من دفن أبي بكر بعد وفاته حتى دعا الناس إلى التطوع لحرب الفرس مع المثنى، وركز على تعبئة المسلمين على الجبهة العراقية، وأدى المثنى دورًا بارزًا في ذلك حين اجتمع به، وشرح له الوضع الداخلي المتدهور للفرس،
_________________
(١) ١ الطبري: ج٣ ص٤١١-٤١٣. ٢ المصدر نفسه: ص٤١٤.
[ ١٨٠ ]
وشجعه على إرسال المسلمين لتكثيف حملاتهم على أراضي السواد، إذ لا بقاء لهم في العراق، إذ لم تعزز قواتهم هناك بمدد قوي١.
أحجم معظم المسلمين، عن الاستجابة لنداء عمر، إذ كانت العرب تهاب الفرس، وتخاف الخروج لقتالهم، وذلك بفعل هيبتهم، وسطوتهم وشدة بأسهم في القتال، والواقع أن حدود فارس تبدو صعبة في نظر العرب، وخطرة ورهيبة في أعينهم، كما كانت تثير كثيرًا من الاحترام في قلوبهم، ويتجنبون تجاوزها خشية من ملوك الفرس لاعتقادهم بأنهم على قدر من القوة يكفل لهم إدخال شعوب سائر الدول تحت سلطانهم، لكن المثنى استدرك الموقف، وشرح للمسلمين حقيقة الوضع الفارسي المنهار٢.
أدرك عمر، من واقع الوضع الميداني، عظم المهمة، ورأى في المقابل ضآلة حجم الاستجابة، فلا بد إذن من إشراك كافة المسلمين، ودفعهم لمواجهة رد الفعل الفارسي، إنه استوعب العلاقة العضوية المباشرة بين إمكان توحيد جميع القبائل العربية الإسلامية، وإنهاء التصدعات الموجودة بينها، وبين التنظيم الواسع لحملات الفتوح، لهذا كان أول إجراء سياسي اتخذه هو رفع هذا الحاجز بين القبائل التي استمرت على إسلامها بعد وفاة النبي، وبين القبائل التي ارتدت، فدعا من كان قد ارتد، وحسن إسلامه للاشتراك في الفتوح، وقد أحدثت هذه الانعطافة تطورات جوهرية، وفتحت آفاقًا واسعة، وجديدة لحركة الفتوح القائمة على أراضي دولتي الفرس وبيزنطية، الأمر الذي أسفر في وقت قصير جدًا عن تغيير طابع هذه الحملات تغييرًا كليًا٣.
كان صدى دعوة عمر عند قبائل الردة من نوع آخر تمامًا قياسًا بقبائل المدينة، فقد استجابت هذه القبائل لدعوة الخليفة، وكأنها كانت تنتظرها، وسارعت بإرسال جموعها إليه لتلبية هذا النداء الذي طال ترقبها له.
وهكذا رفع الحاجز بين المدينة، وبين قبائل الردة، وأخذت هذه تتدفق على المدينة بتسارع مذهل طالبة الاشتراك في الفتوح، مثل بجيلة بقيادة جرير بن عبد الله البجلي٤.
_________________
(١) ١ الطبري: ج٣ ص٤٤٤. ٢ المصدر نفسه: ص٤٤٤، ٤٤٥. ٣ إبراهيم، أيمن: الإسلام والسلطان والملك ص١٤٥. ٤ الطبري: ج٣ ص٤٤٨.
[ ١٨١ ]
اختار عمر أبا عبيد بن مسعود الثقفي قائدًا للجيش؛ لأنه أول من لبى النداء، متجاوزًا المثنى الذيء أرسله إلى العراق على عجل لتهيئة الأجواء، واستنفار من حسن إسلامه من أهل الردة، وأوصاه بالحذر، والتيقظ واستشارة أصحاب النبي، وبعدم التسرع في الحرب١.
الوضع الداخلي في فارس:
ساد البلاد الفارسي آنذاك جو من الاضطراب بسبب الصراع على العرش، وتهاوى عدة ملوك في تسارع مستمر وفي مدة زمنية قياسية، ففقد الفرس بذلك فرصة استغلال الموقف الناجم عن مغادرة خالد العراق، ورحيل المثنى إلى المدينة لاستعادة الأراضي التي خسروها أمام المسلمين، وطرد هؤلاء من العراق٢.
أثارت أحداث فارس بوران بنت كسرى أبرويز التي اعتلت العرش الفارسي بمساعدة القائم رستم حاكم خراسان، ثم رأت في شخصه القائد الذي ينقذ فارس من كبوتها، من التردي الداخلي، والتقهقر العسكري أمام المسلمين، فملكته وعينته على حرب فارس، وأطلقت يده في السلطة مدة عشر سنوات يكون الملك بعدها لآل كسرى، وأمرت ولاة المملكة وأعيانها بطاعته، فاستجابوا لها، وبذلك أنهى الفرس صراعاتهم، واتحدوا لمواجهة الزحف الإسلامي، واستردت المملكة قوتها السابقة٣.
أقدم رستم على خطوة أولى وهي خلق وعي قومي فارسي في المدن، والقرى التي فتحها المسلمون، وإثارة سكانها ضد حكامهم الجدد، فأرسل العمال والنقباء إلى جميع مدن العراق ليثيروا الحمية الدينية والقومية، فاندلعت نتيجة ذلك، الثورة ضد المسلمين في جميع مدن الفرات، وفقد هؤلاء المناطق التي كانت بحوزتهم٤.
وجهزت بوران جيشًا كبيرًا بقيادة نرسي ابن خالة كسرى، وجابان وهو أحد أثرياء العراق المعروفين، بعدائه الشديد للمسلمين، وسلك هذان القائدان طريقين مختلفين تحسبًا من أن ينقض عليهما المسلمون، فوصل نرسي إلى كسكر بين الفرات، ودجلة وعسكر فيها بناء لأوامر رستم، وتخطى جابان الفرات إلى الحيرة، ونزل في موقع متقدم، وفي النمارق بين الحيرة والقادسية، وطلب القائدان مزيدًا من القوات من المدائن تعزيزًا لصفوفهما٥.
_________________
(١) ١ الطبري: ج٣ ص٤٤٥. ٢ المصدر نفسه: ص٤٤٧. ٣ المصدر نفسه. ٤ المصدر نفسه: ص٤٤٨. ٥ المصدر نفسه: ص٤٤٨، ٤٤٩.
[ ١٨٢ ]
ووصل المثنى في هذا الوقت، إلى الحيرة، ولما علم بالاستعدادات الفارسية الضخمة، أدرك أنه لا قبل له بلقاء من عبأهم الفرس، فآثر الحذر وانسحب من الحيرة إلى خفان١، وأدركه أبو عبيد فيها٢.
معركة النمارق ٣:
عبأ أبو عبيد جيش المسلمين البالغ عشرة آلاف مقاتل٤، وزحف من خفان نحو النمارق، وعسكر بمواجهة جابان، وفي المعركة التي دارت الطرفين في "٨ شعبان ١٣هـ/ ٨ تشرين الأول ٦٣٤م"، هزم الفرس، ووقع جابان في الأسر، ولم يكن يعرفه المسلمون، فتمكن بدهائه من خديعة آسره، ففدى نفسه وهرب، كما أسر القائدان جوشن شاه ومردان، وقتل الثاني على يد آسره٥.
معركة السقاطية:
توجه من نجا من الفرس إلى كسكر لينضم إلى جيش نرسي، فطاردهم المثنى حتى درنا٦، ووصلت في ذلك الوقت أنباء هزيمة جابان إلى المدائن، فجهز رستم جيشًا آخر بقيادة الجالينوس، ودفعه إلى المعركة مددًا لنرسي، وتمنى هذا الأخير أن يدركه قبل الاشتباك مع المسلمين، فراح يناور ويتمهل في خوض المعركة، غير أن أبا عبيد لم يمهله كثيرًا، واصطدم بقواته في الساقطية الواقعة جنتوبي كسكر قرب واسط، وذلك في "١٢ شعبان ١٣هـ/ ١٢ تشرين الأول ٦٣٤م"، وانتصر عليه، وفر نرسي في جو الهزيمة القاتم٧.
رفعت هذه الانتصارات الروح المعنوية للمسلمين، وحفزتهم على تكثيف حملاتهم في السواد، فأرسل أبو عبيد مجموعات صغيرة من الجيش لمطاردة فلول الفرس، والإغارة على قرى السواد، وتم لأول مرة سبي السكان، وتوزيعهم على المقاتلين كجزء من الغنيمة٨.
_________________
(١) ١ خفان: موضع قرب الكوفة، وقيل: هو فوق القادسية، الحموي: ج٢ ص٣٧٩. ٢ الطبري: ج٣ ص٤٤٨، ٤٤٩. ٣ النمارق: موضع قرب الكوفة من أرض العراق، الحموي: ج٥ ص٣٠٤. ٤ تسعة آلاف كانوا مع المثنى، وانضم إليهم ألف قدموا مع أبي عبيد. ٥ الطبري: ج٣ ص٤٤٩. ٦ درنا: هي دون الحيرة بمراحل، وكانت بابًا من أبواب فارس، الحموي: ج٢ ص٤٥٢. ٧ الطبري: ج٣ ص٤٥٠، ٤٥١. ٨ المصدر نفسه: ص٤٥١.
[ ١٨٣ ]
شعر أهل القرى في السواد بعجزهم عن مواجهة غارات المسلمين، والحد منها وبخاصة أن القوات الفارسية قد انسحبت من المنطقة، فاضطروا إلى مهادنتهم على أن يؤدوا لهم الجزية، ويدخلوا في ذمتهم١.
معركة باقسياثا ٢:
عسكر الجالينوس في باقسياثا، وتقوى بمن انضم إليه من فلول جابان، فاصطدم به أبو عبيد في "١٧ شعبان ١٣هـ/ ١٦ تشرين الأول ٦٣٤
م" وهزمه، وفر القائد الفارسي من أرض المعركة، وعاد إلى المدائن٣، وانتشر المسلمون في قرى السواد، وغلبوا على تلك البلاد.
معركة الجسر ٤:
أثار الانتشار الواسع للمسلمين في قرى السواد حفيظة الفرس الذين بدأوا يستوعبون مقدار الخطر الحقيقي الذي يهددهم، فجهزوا جيشًا آخر قوامه اثنا عشر ألف مقاتل، وأرسلوه إلى الحيرة، بقيادة بهمن جاذوبه وهو أشد العجم على العرب المسلمين، ورافقه الجالينوس، واصطحب معه راية فارس الشهيرة "درفش جاويان"٥ لتحفيز الهمم، وعددًا من الفيلة.
ويبدو أن رستم أراد أن يكسب معركة أمام المسلمين تعيد إلى دولته موازنة الموقف، ولحكومته هيبتها، ولجيوشه روحها المعنوية، وثقتها بنفسها.
رأى أبو عبيد، عندما علم بالاستعدادات الفارسية الضخمة؛ أن يتمهل ويتحصن
_________________
(١) ١ الطبري: ج٣ ص٤٥١، ٤٥٢. ٢ باقسياثا: ناحية بأرض السواد من عمل باروسما، الحموي: ج١ ص٣٢٧. ٣ الطبري: ج٣ ص٤٥٢، ٤٥٣. ٤ تعرف أيضًا بالمروحة والقرقس، والقس وقس الناطف، واسم المروحة هو أكثر الأسماء مناسبًا لشكل هذه المعركة وواقعها الميداني، لكنها اشتهرت باسم الجسر، الطبري: ج٣ ص٤٥٤. ٥ درفش جاويان: راية مصنوعة من الجلد كانت للحداد جاوة، يغطي بها قدمه عند تطريق الحديدة المحماة، وعندما نشبت الثورة ضد الملك الضحاك بقيادة أفريدون، وهو شاب من أمراء البيت المالك القديم، انضم جاوة إلى المتظاهرين، ورفع الجلد الذي يأتزر به، على عصا، فأضحت شبه علم، واجتمع تحتها خلق كثير، ونادوا بشعار أفريدون الذي انتصر في هذه المعركة، ومنذ ذلك الوقت أضحى هذا الجلد علمًا لملوك إيران، وسمي باسم الحداد درفش جاويان، أي علم جاوة، ثم توارث ملوك الفرس هذه الراية وتيمنوا بها، فرصعوها باللآلئ واليواقيت، وعلقوا عليها علائق الديباج، والحرير حتى أضحت آية من ملوك الفرس، وعدوها فاتحة النصر، انظر الفردوسي، الشاهنامة ج٢ ص٣٤.
[ ١٨٤ ]
في مكان أكثر أمنًا، ويراقب تحركات الجيش الفارسي، فارتحل عائدًا إلى الحيرة. وعندما تناهي إلى أسماعه أن وجهته الحيرة، قرر أن يصطدم به خارجها، فخرج منها وتوجه إلى قس الناطف، فعبر الفرات واستعد لمواجهته، وصل بهمن جاذويه إلى قس الناطف، وعسكر على الضفة المقابلة، وفصل نهر الفرات بين الجيشين، وخير بهمن أبا عبيد إما أن يعبر إليه، أو يدعه يعبر إلى الجانب الإسلامي على الرغم من معارضة أركان حربه، فخسر بذلك مكانًا ملائمًا للعمليات العسكرية وفقًا لأساليب العرب القتالية؛ لأن فيه "مجال وملجأ، ومرجع من فرة إلى كرة"١، ونسي نصيحة عمر إذ بعثه، وتحذيره له من أرض المكر والخديعة، وتحكمت به عواطفه "لن يكونوا أجرأ على الموت منا"٢، في الوقت الذي كان أحوج إلى التفكير العقلاني الهادئ، والتخطيط السليم بعيدًا عن انفعالات العواطف.
عبر المسلمون نهر الفرات فوق جسر أقيم لهذه الغاية، وقد ترك لهم بهمن مكانًا ضيقًا أجبرهم على النزول فيه خاليًا من مجال الكر والفر، مما أفقدهم حرية الحركة والانتشار، وميزة المناورة، ففرض بذلك عليهم المعركة، وأسلوب القتال، ارتكب أبو عبيد خطأ آخر حين قطع الجسر حتى يحول دون تفكير جنوده بالتراجع والانسحاب.
ودارت بين الطرفين رحى معركة ضارية أدت الفيلة فيها دورًا كبيرًا، بل إنها حددت نتائجها مبكرًا حيث كانت تجفل خيل المسلمين، وإذ حشر هؤلاء في مكان ضيق، فقد أمطرهم الفرس بالسهام، ومزقوا صفوفهم، حتى عضهم الألم، وكانت معركة غير متكافئة قتل خلالها أبو عبيد تحت أقدام الفيلة مع عدد من القادة المسلمين، عندئذ أدرك المثنى حرج الموقف، وأن المعركة خاسرة، فخطط للانسحاب آملًا أن يرتد المسلمون في نظام وهدوء، فعقد الجسر، لكن عبد الله بن مرثد الثقفي بادر إلى قطعه، ومنع الجنود من العبور حتى يموتوا على ما مات عليه أمراؤهم أو يظفروا، مبرهنًا عن قصر نظر في الحقل العسكري، إذ عندما تعرض المسلمون لضغط قتالي متزايد لم يكن أمامهم سوى طريق النهر للفرار، فتواثبوا إليه، فغرق من لم يصبر في حين أسرع القتل فيمن صبر، وأخيرًا تمكن المثنى الذي جرح في المعركة من إزاحة عبد الله، وأعاد وصل الجسر، وانسحب مع من بقي من
_________________
(١) ١ الطبري: ج٣ ص٤٥٤. ٢ المصدر نفسه.
[ ١٨٥ ]
أفراد الجيش باتجاه أليس، وجرت المعركة في "٢٣ شعبان ١٣هـ/ ٢٢ تشرين الأول ٦٣٤م"١.
كان انتصار الفرس واضحًا، على الرغم من تكبدهم ستة آلاف قتيل، وخسر المسلمون أربعة آلاف بين قتيل وغريق، وفر ألفان، وصمد ثلاثة آلاف مع المثنى٢.
لم يتعقب بهمن جاذويه المسلمين؛ لأن أخبارًا وصلت إليه عن نشوب ثورة ضد رستم، فآثر العودة إلى المدائن حتى يكون قريبًا من مجرى الأحداث، إلا أنه ترك اثنين من قادته في المنطقة هما جابان، ومردان شاه ليتعقبا المسلمين، والواقع أن المثنى كمن لهما في أليس وأسرهما وقتلهما مع جندهما، وتحصن في هذه المدينة بانتظار جلاء الموقف.
تعقيب على معركة الجسر:
- كانت معركة الجسر أول معركة يخسرها المسلمون أمام الفرس، وتعد تجربة حية في حروبهم لإثبات قيمة كفاءة القيادة، إذ إن الإيمان والجشاعة وحدهما لا يكفيان لتحقيق الانتصار.
- إن الحماس المجرد الذي أبداه أبو عبيد قبل بدء القتال، لا مكان له في المعارك إذ لم تسانده أسس صحيحة، وتخطيط سليم.
- افتقد أبو عبيد إلى عنصر الأمن حين حشره بهمن جاذويه في مكان ضيق، وحرمه من حرية الحركة، والانتشار الضروريين لخوض معركة ناجحة.
- على الرغم من تفوق الفرس في القتال، فإنهم لم يتمكنوا من أسر أحد من المسلمين، مما يدل على أن المقاتل المسلم احتفظ بميزاته في أشد المواقف حرجًا وشدة، وظل يقاتل حتى آخر رمق.
- لا شك بأن ثبات المسلمين في القتال، كان من العوامل التي دفعت الفرس للعودة إلى المدائن، ومنعتهم من مطاردتهم.
- كان لهذه المعركة أن تدور بطريقة أفضل لو أن أبا عبيد استجاب لنصيحة مستشاريه، وتذكر نصائح الخليفة عمر بن الخطاب له.
- أضاعت هذه المعركة مكاسب المعارك السابقة، ولكن إلى حين، وجعلت
_________________
(١) ١ البلاذري: فتوح البلدان ص٢٥٢، ٢٥٣، تاريخ خليفة بن خياط: ص٦٦. الطبري: ج٣ ص٤٥٤-٤٥٩، كمال: ص٣٩٨، ٣٩٩. ٢ الطبري: ج٣ ص٤٥٥-٤٥٨.
[ ١٨٦ ]
الحرب سجالًا بعد أن كانت سلسلة متصلة الحلقات من الانتصارات المتعاقبة١.
- غلب على معارك المسلمين الثلاث، قبل قدوم أبي عبيد، الطابع التقليدي، وهو الإغارة على القرى، ولم يكن المسلمون مهيئين لصدام جبهوي واسع مع جيش فارسي بغياب قيادة كقيادة خالد بن الوليد.
- أضحى استمرار التقدم مستحيلًا بعد هزيمة المسلمين في معركة الجسر دون إدخال إمدادات جديدة إلى المعركة، إذ إن الآلاف الثلاثة من المقاتلين الذين نجوا من المعركة، واستمروا بالتواجد على أرض العراق، شكلوا أصغر قوة إسلامية منذ بدء الفتح، فضلًا عن إثخانهم بالجراح.
رد فعل عمر:
تلقى عمر نبأ هزيمة المسلمين في معركة الجسر بسكون لافت، إلا أنه تأثر ضمنيًا بشكل بالغ، وشق ذلك أيضًا على المسلمين في المدينة، ثم بدأت فلول الجند من المهاجرين، والأنصار تصل إلى المدينة جزعين بما أصابهم، ورأى عمر فيهم ذلك، فنعى الشهداء وراح يواسي الناس٢، إلا أنه كان قلقًا على موقف المسملين في العراق، وأدرك أن المثنى بحاجة إلى مدد يرسل إليه على وجه السرعة كي يواجه هذا الموقف الدقيق، فقام بتكثيف حملاته التعبوية بين قبائل الردة، وأرسل رسله إليها يدعوها للسير نحو فارس لغزوها، فاستجابت لندائه، وبدأت الحشود تتوافد على المدينة، من كافة أنحاء الجزيرة العربية، على رأسها قبيلة بجيلة بزعامة جرير بن عبد الله البجلي كما أشرنا، وحشود أخرى من بني ضبة وكنانة والأزد، وبعض تميم من الرباب، وبكر بن هوازن، وخثعم وحنظلة، وكان على عمر أن يتفاوض بحدة، وشدة مع هذه القبائل لإقناعها بضرورة الذهاب إلى العراق لقتال الفرس؛ لأن معظمها كان يبغي الالتحاق بجيوش المسلمين في بلاد الشام٣.
وهكذا دفع عمر بحشود ضخمة إلى أرض العراق مددًا للمثنى، ومن ناحية أخرى أرسل المثنى النقباء إلى جميع المناطق الحدودية يستنفر العرب، وكان من ضمنهم جموع من نصارى النمر عليهم أنس بن هلال النمري، وجموع من بني تغلب، وقبائل عربية أخرى مقيمة بالعراق، وقد آثروا الانضمام إلى إخوانهم العرب، والقتال في صفوفهم ضد العجم، وقد جمعتهم رابطة الجنس٤.
_________________
(١) ١ كمال: ص٤١٣-٤١٦. ٢ الطبري: ج٣ ص٤٥٩. ٣ المصدر نفسه: ص٤٦٠، ٤٦٢-٤٦٤. ٤ المصدر نفسه: ص٤٦٤.
[ ١٨٧ ]
معركة البويب ١:
تناهت إلى أسماع الفرس أنباء الإمدادات الإسلامية التي كانت ترسل تباعًا إلى العراق، فهالهم أمرها، وأدركوا أن انتصارهم في معركة الجسر لم يكن حاسمًا، وأن الأمور قد وصلت إلى مرحلة لا بد معها من الإعداد المنظم لمقاومة الانتشار الإسلامي الذي أتاحه الصراع الداخلي على السلطة، ولا يتحقق ذلك إلا بإزالة الخلافات الداخلية المتجددة، وهكذا أنهى رستم خلافه مع فيروز، الطامع باعتلاء العرش الفارسي، واتفقا على تجهيز جيش قوامه اثنا عشر ألف مقاتل بقيادو مهران بن باذان الهمذاني، ودفعه إلى ساحة القتال، وقد اختارا هذا القائد؛ لأنه تربى في الوسط العربي، فنشأ يعرف اللغة العربية، ويقدر مدى قوة العرب، ويقف على أساليبهم القتالية٢.
غادر مهران المدائن باتجاه الحيرة، وهو حريص على تحقيق انتصار يفوق بأهميته انتصار بهمن من قبل، وعلم المثنى، من جهته، بأنباء هذا الخروج فقرر أن يتحرك على الفور للاصطدام به، فغادر مكان إقامته في مرج السباخ٣ إلى البويب، وهو المكان الذي اختاره لخوض المعركة، وأرسل إلى جرير بن عبد الله البجلي ليوافيه في هذا المكان، ولما وصل، عسكر على شاطئ الفرات الشرقي في مكان يعرف بدير هند، وقد بلغ عدد قواته ثمانية آلاف بعد وصول الإمدادات، وسار مهران إلى البويب أيضًا، وعسكر في بسوسا٤ مقابل المسلمين لا يفصل بينهما إلا النهر٥.
أرسل مهران إلى المثنى يقول له: "إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر إليكم" متبعًا في ذلك خطى بهمن جاذويه، وما كان للمثنى أن يعيد خطأ أبي عبيد، كما عمل بنصيحة عمر حين عهد إليه، وإلى المسلمين ألا يعبروا بحرًا، ولا جسرًا إلا بعد ظفر٦.
وعبر الفرس إلى البويب، ونزلوا في الملطاط مما يلي دير الأعور في رقعة تسمى شوميًا، ومعهم ثلاثة أفيال، وعبأ كل جمع قواته استعدادًا للقاء، يحاول كل منهما أن يجعله حاسمًا، ثم اشتبكا في رحى معركة طاحنة، وأدار المثنى المعركة بحكمة بالغة
_________________
(١) ١ وتسمى أيضًا معركة النخيلة، والبويب نهر كان بالعراق موضع الكوفة فمه عند دار الرزق يأخذ من الفرات، الحموي: ج١ ص٥١٢. ٢ البلاذري: ص٢٥٤، الطبري: ج٣ ص٤٦١. ٣ مرجع السباخ: بين القادسية وخفان. ٤ بسوسا: موضع قرب الكوفة، الحموي: ج١ ص٤٢٣. ٥ البلاذري: ص٢٥٤. ٦ الطبري: ج٣ ص٤٦٣-٤٦٥.
[ ١٨٨ ]
مما كفل له النصر، وقتل مهران في المعركة، وتشتت جيشه، وفر أفراده في فوضى واضطراب، فطاردهم المسلمون مدة يومين حتى السيب، وهو موضع على نهر دجلة، وسمى المسلمون معركة البويب التي حصلت في "شهر رمضان ١٣هـ/ شهر تشرين الثاني ٦٣٤م" يوم الأعشار؛ لأنهم أحصوا مائة رجل قتل كل منهم عشرة في المعركة١.
تعقيب على معركة البويب ٢:
- يعد انتصار المسلمين في البويت ردًا على خسارتهم في معركة الجسر، ولا شك بأن الفرس أخطأوا حين ظنوا أن بإمكانهم تكرار ما حصل قبل شهر، فإذا بهم يفجعون بفقدان الآلاف من فرسانهم.
- استطاع المثنى أن يتجنب ما ارتكب من أخطاء في معركة الجسر، وأن يحول دون اتخاذا لفرس لهذا الانتصار نقطة تحول في سير العمليات العسكرية لصالحهم، بل إنه جعل من ذلك الانتصار الفارسي حدثًا عرضيًا مر وانتهى، وزال أثره.
- أثبت المثنى أنه جندي محترف، وقائد عسكري على درجة عالية من الكفاءة والفروسية، فقد اختار أرض المعركة، وكانت محصورة بين الفرات والبويب، وهي تصلح لنصب الكمائن للعدو، ثم وضع الخطط المناسبة لهذه الأرض بحيث يتسنى للقوات القليلة العدد أن تكون فاعلة، وتفقد الأكثرية العددية فاعليتها، وذلك من واقع سعة خط المواجهة المحدود الذي سوف يسمح بتواجد أعداد متكافئة من الطرفين، في حين تظل الكثرة العددية خلف هذا الخط دون فاعليه، بل إنها تصبح عبئًا على جيشها، ويعد وجودها خرقًا لمبدأ الاقتصاد في القرى، كما يعد تعريضها للخطر خرقًا لمبدأ الأمن، ويكون النصر في هذه الحالة إلى جانب التدريب الأعلى، والمهارة القتالية في الميدان، وقد كان ذلك للمسلمين على الفرس، يضاف إلى ذلك، فقد ارتكب مهران خطأ عسكريًا آخر حين أغفل حراسة الجسر الذي كان يمثل خط الرجعة الوحيد له، ولعله كان واثقًا من قدرته على الانتصار.
- خاض المسلمون معركة البويب بروح معنوية مرتفعة، حتى كان لكل قبيلة موقفها الذي تتحدث عنه بعد المعركة وتفاخر به، وعندما خطب المثنى بالمسلمين يحثهم على الحرب تجنب الحديث عن يوم الجسر، أو التذكير به، ولا شك بأنه كان حريصًا، وهو على أبواب معركة كبرى أن لا يذكر لهم الهزيمة.
_________________
(١) ١ البلاذري: ص٢٥٤، ٢٥٥، الطبري: ج٣ ص٤٦٥-٤٧١. ٢ انظر: كمال: ص٤٤٢-٤٤٨.
[ ١٨٩ ]
- استفاد المسلمون من أخطاء معركة الجسر، وأثبتت تجربة البويب التي خاضوها في ظروف مشابهة ذلك، بل إن المثنى استطاع أن يعيد مشاهد معركة الجسر بحذافيرها إنما بشكل معكوس، أي تبادل الغالب، والمغلوب أوضاعهما، فضلًا عن أنه نجح في الانسحاب مع من تبقى من جيشه، في حين لم ينجح الفرس في سحب قواتهم في البويب، بل تبددت وأبيدت على ضخامة حجمها.
- كان من بين عوامل الانتصار التصاق المثنى كقائد في ميدان المعركة بقواته حيث ربطته بهم محبة فياضة، وذلك من خلال أحاديثه معهم، وطوافه بفرسه الشموس على راياتهم، يحمسهم ويعطيهم توجيهاته، ويحرك مشاعرهم، فضلًا عن طوافة بينهم والمعركة دائرة، ولا يغفل عن ملاحظة أي حادث يمكن أن يؤثر على معنوياتهم، فيستدركه، من ذلك ما فعل حين أصيب أخوه مسعود إصابة قاتلة، ورأى أثر ذلك على المقاتلين، فطلب منهم مواصلة القتال، ورفع الرايات حتى ينضوي تحتها المقاتلون، فقال: "يا معشر المسلمين لا يرعكم مصرع أخي، فإن مصارع خياركم هكذا"، ولا يقل عن هذا قوله عن نفسه مستبشرًا بالشهادة: "ارفعوا راياتكم رفعكم الله، لا يهولنكم مصرعي".
- أرسل المثنى بعض السرايا إلى عمق الجبهة مع الفرس، وذلك لتحقيق هدفين:
الأول: تشتيت قوى العدو وإرباكها، ومنعها من إعادة التجمع، فراح المسلمون يشنون الغارات فيما بين كسكر، وجنوبي الفرات إلى عين التمر، وما والاها من أرض الفلاليج١ والعال٢، فشملت جميع الجنوب العراقي، وامتدت حتى تكريت٣ وصفين٤، وبلغوا ساباط٥ على مرأى من المدائن، فغنموا وسبوا كثيرًا بحيث لم يحظ بمثلها مسلم مقاتل من قبل.
الثاني: الحصول على الأقوات الضرورية لتموين قواته، فهاجم المسلمون قرى السواد، وأسواق العراق الغنية مثل الخنافس، وبغداد.
_________________
(١) ١ فلاليج السواد: قراها، الحموي: ج٤ ص٢٧٠. ٢ العال: بمعنى العلو، يقال للأنبار وبادوريا، وقطربل ومسكن الإستان العال لكونه في علو مدينة السلام -بغداد، المصدر نفسه: ص٧٠. ٣ تكريت: بلدة مشهورة بين بغداد والموصل، وهي إلى بغداد أقرب، بينها وبين بغداد ثلاثون فرسخًا، ولها قلعة حصينة في طرفها الأعلى راكبة على دجلة، وهي غربي دتجلة، المصدر نفسه: ج٢ ص٣٨. ٤ صفين: موضع بقرب الرقة على شاطئ الفرات من الجانب الغربي بين الرقة وبالس، المصدر نفسه: ج٣ ص٤١٤. ٥ ساباط: ساباط كسرى بالمدائن، المصدر نفسه: ص١٦٦.
[ ١٩٠ ]
رد فعل الفرس -تولية يزدجرد السلطة:
كان للأحداث السلبية التي شهدتها أرض العراق، رد فعل في الدوائر الحاكمة في فارس، إذ إن الهزائم المتكررة أدت إلى فقدان التوازن في دولة هرمة وعاجزة، وبدا واضحًا أن الارتباط الذي ساد مواقف الدولة إزاء الوجود العسكري الإسلامي في ممتلكاتها العراقية، أدى إلى ضياع الفرصة النادرة لوقف الخطر عبر ثلاثة أعوام من المجابهة الحذرة والمترددة، فتنبه حكام الفرس لخطورة الموقف، وأدركوا أن الأمور لم تجر على نحو طيب، إذ ما بعد بغداد وساباط، وتكريت سوى المدائن١.
وتشاور أركان الحكم لاختيار أنجح السبل للخروج من المأزق، فرأوا أنهم بحاجة إلى رجل حاكم يقودهم في الحرب، فعزلوا آزرميدخت٢، ونصبوا يزدجرد بن شهريار بن كسرى، وهو يزدجرد الثالث، فعين رستم قائدًا للجيش، وكلفه بأمر المسلمين في الجنوب، وجدد المسالح والثغور، وعين عليها حاميات عسكرية، فسمى جند الحيرة، والأنبار والمسالح، وجند الأبلة٣.
أدى هذا التفاهم، بين القيمين على شئون الحكم في فارس، إلى إنهاء حالة التمزق، كما رفع الروح المعنوية للدهاقنة، والسكان في السواد، فتوقفوا عن دفع الجزية للمسلمين، وفضوا عقود الصلح معهم، وقام الدهاقنة بمساعدة من كان لديهم من جنود ومقاتلة، بتنظيم انتفاضة فلاحية واسعة، ثم دعمها ماديًا ومعنويًا من قبل المدائن، وسارت هذه الانتفاضة بشكل مواز مع الإجراءات التي اتخذتها المدائن من واقع تنظيم جيش موحد تحت قيادة رستم بهدف التصدي للمسلمين.
وهكذا حقق يزدجرد الشروط الأولى الضرورية للبدء بمواجهة التطورات السلبية في جنوبي الإمبراطورية، وجسد الالتفاف حول حكمه تطورًا جديًا لدى الجانب الفارسي، وولد انعطافة نوعية في وضع القتال على الجبهة الفارسية، وكان البدء بالانتقال إلى عملية منظمة واسعة لفتح العراق فتحًا شاملًا، وطرد الحكام الفرس منه محتوى هذه الانعطافة لدى الجانب الإسلامي٤.
أثارت هذه الصحوة السياسية، والعسكرية للفرس المثنى، الذي أدرك أنه توغل في
_________________
(١) ١ الطبري: ج٣ ص٤٧٧، بيضون: ملامح التيارات السياسية ص٥٣، ٥٤. ٢ لقد خلفت أزرميدخت الملك جشنده، وكان هذا قد خلف بوران بنت كسرى أبرويز، الطبري: ج٢ ص٢٣٢. ٣ المصدر نفسه: ص٢٣٤، ٢٣٥. ٤ إبراهيم: ص١٤٩.
[ ١٩١ ]
خريطة مواقع الجيشين قبل المواجهة
[ ١٩٢ ]
التقدم أكثر مما تسمح به قوته، الاحتفاظ به، وتوقع أن يشن الفرس هجومًا مضادًا على قواته، فكتب إلى الخليفة يطلب منه النصح والرأي١.
_________________
(١) ١ و٣ الطبري: ج٣ ص٤٧٨.
[ ١٩٣ ]