استعدادات التجهيز:
هدأت رياح الحرب بعد فشل التحكيم، ولم يكن أمام علي سوى العودة إلى القتال، وبخاصة أن التحكيم لم يسر وفق أمانيه، ولا وفق ما يعده الطريق الصحيح، وبما أنه انتهى، فوق ذلك، إلى خلاف بين الحكمين، فإنه عد نفسه متحللًا من وثيقة صفين التي تضمنت إزالة الحرب نهائيًا من قلب الأمة، ونزل بالنخيلة١ حيث اتخذها قاعدة لتجمع قواته٢، لكن اعترضته عدة صعاب، فإذا كان قرار السلم قد جاء نتيجة اختراق معاوية لجيشه، وانحياز قسم كبير منه إلى التحكيم؛ فقد وجد نفسه الآن أمام انشقاق آخر تمثل بانسحاب بضعة آلاف من جيشه متذرعين بأن الحكم لله، والواقع أن الخلفة، كان يعاني إحباطًا بسبب خروج هؤلاء، وتعذر عليه تعويض النقص الذي تعرض له، وبالتالي إعادة تنظيم جيشه على نحو يؤهله لاستئناف الحرب ضد معاوية٣.
لذلك، حاول استرضاء الخوراج، فطلب منهم العودة إلى الكوفة للمشاركة معه في الحرب ضد معاوية، وذكرهم بالانحياز بداية إلى التحكيم "ألم تعلموا أني نهيتكم عن الحكومة، وأخبرتكم أن طلب القوم إياها منكم دهن ومكيدة؟ "٤، وقال لهم بأن الحكمين لم يحكما بمقتضى القرآن، وأنه يدين حكمهما، وبالتالي ليس هناك أي سبب للخلاف.
لم يرفض الخوراج طلبه بشكل مباشر، وإنما شرطوا شروطًا لعودتهم هي إلى الرفض أقرب "إنك لم تغضب لربك وإنما غضبت لنفسك، فإن شهدت على نفسك بالكفر، واستقبلت التوبة، نظرنا فيما بيننا وبينك، وإلا نابذناك على السواء، إن الله لا يجب الخائنين"٥، وعندما قرأ علي هذا الرد يئس منهم، ورأى أن يدعم، ويمضي بالناس إلى الشام، فقطع بذلك التحالف معهم بكشل نهائي، وحتى يعوض بعض
_________________
(١) ١ النخيلة: موضع قرب الكوفة. الحموي: ج٥ ص٢٧٨. ٢ الطبري: ج٥ ص٧٧. ٣ بيضون: ص٩٣. ٤ الطبري: ج٥ ص٨٤. ٥ المصدر نفسه: ص٧٨.
[ ٤٧٤ ]
النقص في صفوف قواته، طلب من عبد الله بن عباس استنفار أهل البصرة، لكن البصريين أحجموا عن تلتبية النداء على الرغم من أن اثنين من أهم أشرافهم هما الأحنف بن قيس، وجارية بن قدامة، وكلاهما من بني تميم، قد لبيا الدعوة ونفر معهما ثلاثة آلاف، ومائتا مقاتل١، وهي أعداد ضئيلة إذا ما قورنت بحجم المسجلين في ديوان أهل البصرة الذين بلغ تعدادهم ستين ألفًا سوى الأبناء، والعبيد والموالي٢، مما يدل على أن عليًا قد فقد سلطته على البصرة، على الأقل فيما يختص بالجهاد معه.
أثار إحجام أهل البصرة غضب علي، فكتب إلى أهل الكوفة يستنهضهم، فالكوفة قاعدته، وأهلها شيعته، فوافاه "أربعون ألفًا، وسبعة عشر ألفًا من الأبناء ممن أدرك، وثمانية آلاف من مواليهم وعبيدهم "، فحشد جيشًا بلغ تعداده ثمانية وستين ألفًا ومائتي مقاتل، ومع ذلك فإن هناك شكًا في تجمع كبير كهذا في النخيلة، والمعروف أن عدد الذين خاضوا معركة النهروان بلغ أربعة عشر ألف مقاتل فقط٣.
كانت وجهة علي بلاد الشام، غير أن تحركات الخوراج، والأعمال التي قاموا بها في العراق غيرت وجهة سيره نحو النهروان، ذلك أنهم لم يترددوا في استعمال القوة ضد كل من اعترض سبيل خروجهم من الكوفة٤، كما قاتلوا عمال الولايات الذين اعترضوا اجتيازهم أراضي ولاياتهم٥.
خلقت هذه الأعمال جوًا من الفوضى في الكوفة، والمناطق المحيطة بها، وأظهرت إصرار الحرورية على تنفيذ ما اعتزموا عليه من الخروج على سلطة الخليفة، ومع ذلك تؤكد روايات المصادر حرصهم على تجنب المواجهة، ورغبتهم في الالتحاق بأصحابهم المجتمعين في النهروان، معتقدين أنه لا ينبغي قتال علي ولا القتال معه، واستثنت هذه الروايات مقتل عبد الله بن خباب بن الأرت على أيديهم، والتي كانت السبب في اندلاع شرارة الحرب بين علي والخوارج٦؛ لأن هؤلاء رفضوا تسليم القتلة إلى علي٦.
وبلغ عليًا وهو يتهيأ للخروج إلى بلاد الشام مقال أتباعه "لو سار بنا إلى هذه
_________________
(١) ١ الطبري: ج٥ ص٧٨. ٢ ابن قتيبة: ج١ ص١١٧. ٣ البلاذري: ج٣ ص١٤٦. الطبري: ج٥ ص٧٩، ٨٠. ٤ الطبري: المصدر نفسه: ص٧٥، ٧٦. ٥ المصدر نفسه: ص٧٦. ٦ البلاذري: ج٣ ص١٤٤. البكاي: ص٤٠، ٤١، ٤٤.
[ ٤٧٥ ]
الحرورية فبدأنا بهم، فإذا فرغنا منهم وجهنا من وجهنا ذلك إلى المحلين"١، وقد رفض علي في بادئ الأمر هذا الاقتراح، واعتقد أن قتال أهل الشام ضرورة ملحة.
وهكذا، فإن الرغبة في قتال الخوراج، راجت في صفوف المقاتلين حتى بلغت الخليفة نفسه، على الرغم من أن هؤلاء لم يقوموا بأي عمل معاد للسلطة سوى إصرارهم على الانفصال، والتجمع مع أصحابهم في مكان واحد.
ويبدو أن العراقيين خشوا مواجهة أهل الشام في معركة سافرة مرة ثانية، فأرادوا تأجيل اللقباء الذي كان علي يعد له، إذ إن آثار معركة صفين، وأهوالها ومآسيها كانت لا تزال ماثلة في أذهانهم، لذلك لا يريدون تكرارها، ويسعون إلى تجنبها بترويج فكرة البدء بمحاربة الخوارج، ووصفوا ذلك بالضرورة الملحة لإقناع علي بقبولها٢، واضطر علي إلى النزول عند رغبتهم مواسيًا نفسه بأن قتال الخرواج ضرورة شرعية؛ لأنهم نكثوا البيعة، وخرجوا على الطاعة.
أحداث المعركة:
لم يتخذ علي قراره النهائي بقتال الخوارج، إلا بعد أن استنفد معهم كافة وسائل الاستقطاب، وأتاح لهم الفرصة للتراجع، وتغيير ما بأنفسهم والتخلي عن موقفهم التمردي، باستثناء أولئك الذين ارتكبوا أعمالًا جرمية٣، وفعلًا انسحبت عدة مجموعات منهم قبل بداية المعركة، فانسحب ألف ومائتان من أصل أربعة آلاف، وقد عبر فروة بن نوفل الأشجعي عن رأي المنسحبين بوضوح حين قاله لأصحابه: "والله ما أدري على أي شيء نقاتل عليًا، لا أرى إلا أن أنصرف حتى تنفيذ بصيرتي في قتاله أو اتباعه، وانصرف في خمسمائة فارس حتى نزل البندنيجين والدسكرة، وخرجت طائفة أخرى متفرقين، فنزلت الكوفة، وخرج إلى علي منهم نحو من مائة، وخرجت طائفة أخرى متفرقين فنزلت الكوفة، وخرج إلى علي منهم نحو من مائة، وكانوا أربعة آلاف، فكان الذين بقوا مع عبد الله بن وهب منهم ألفين وثمانمائة"٤.
تكتسب عمليات الانسحاب هذه أهمية كبيرة؛ لأنها تبين أن المجموعات المنسحبة التي تبدو، من خلال روايات المصادر، متماسكة وملتفة حول المبادئ التي نادى بها زعماؤها، لم تكن لأفرادها الدرجة نفسها من الاقتناع، والالتزام٥، ولعل في تعبير فروة بن نوفل خير دليل على ذلك.
_________________
(١) ١ الطبري: ج٥ ص٨٠. ٢ البكاي: ص٤٢. ٣ الطبري: ج٥ ص٨٦. ٤ المصدر نفسه. ٥ البكاي: ص٤٥.
[ ٤٧٦ ]
كانت المعركة التي جرت في "٩ صفر ٣٨هـ/ ١٧ تموز ٦٥٨م" خاطفة، لم تدم سوى ساعات، بدأها الخوراج بالضغط على الجيش العراقي، وبخاصة الخيالة، وقاتلوا ببسالة وبشكل متواصل، وهم يصرخون صرختهم العسكرية التي أضحت مشهورة في نضالهم المستقبلي "الرواح" الرواح إلى الجنة"، لكن الفارق العددي أدى دورًا كبيرًا في تحديد مسار المعركة الذي سرعان ما تحول لصالح العراقيين، كانت الهزيمة ثقيلة على الخوارج الذي تكبدوا خسائر فادحة، ولم ينج منهم سوى أربعمائة شخص سقطوا جرحى، وقد أمر علي بعد انتهاء المعركة، بنقلهم إلى الكوفة ومداواتهم، كما أمر بتقسيم الدواب، والسلاح بين العراقيين، ورد الرقيق والإماء إلى أهلهم، وفي المقابل، تكبد العراقيون ألفًا وثلاثمائة قتيل١.
الأحداث ما بعد النهروان:
تعد معركة النهروان مرحلة حاسمة في تطور الحركة الخارجية، والصراع بين علي ومعاوية، فقد استغل بعض الخارجين تنقلاتهم، في تلك المرحلة، لنشر الفكر الخارجي، واستقطاب أنصار جدد لمواجهة علي مرة ثانية، وتزعم هذه التحركات هلال بن علفة في ماسبذان، وأبو مريم السعدي في شهر زور، الذي نجح في استقطاب أربعمائة كلهم من الموالي ليس فيهم من العرب إلا خمسة، وأبو مريم سادسهم، وبذلك دخل الموالي إلى دائرة الصراع لأول مرة؛ لأن الحركة الخارجية اقتصرت حتى ذلك الوقت على المسلمين العرب٢.
وانتهت سلسلة هذه التحركات مع "بداية عام ٣٩هـ/ صيف عام ٦٥٩م" بنجاح علي في القضاء عليها وذلك بسبب تشتتها، لكنها ساهمت في إضعاف قواته، وزادت في عدد الناقمين عليه، وعززت في المقابل مواقع معاوية السياسية، والعسكرية من خلال توسيع دائرة نفوذ خارج بلاد الشام، كما دفعت بعض العناصر الخارجية إلى الإقدام على قتله مما خلق وضعًا جديدًا سيؤثر على الحركة الخارجية بخاصة، وعلى الأمة الإسلامية بعامة، وسيشكل خوراج القرن الأول الهجري، العدو الرئيسي للخلافة الأموية٣.
والواضح أن الجبهة العراقية قد اهتزت أركانها بعد الدعوة إلى التحكيم، وانهارت
_________________
(١) ١ البلاذري: ج٣ ص١٤٩. الطبري: ج٥ ص٨٨. ابن مزاحم: ص٥٥٩. ٢ البلاذري: ج٣ ص٢٤١، ٢٤٧، ٢٤٨. ٣ البكاي: ص٥١-٥٣.
[ ٤٧٧ ]
بعد معركة النهروان، مما شكل بداية النهاية لحكم علي، فقد انفض عنه معظم أفراد جيشه، وانسلوا من معسكره في النخيلة التي عاد إليها، وذلك بحجة الراحة، وشحذ الأسلحة "نفدت نبالنا، وكلت سيوفنا، ونضلت أسنة رماحنا، وعاد أكثرها قصدًا١، فارجع إلى مصرنا، فلنستعد بأحسن عدتنا"٢.
والواقع أن النصر الذي حققه علي في النهروان كان مريرًا في نفوس الكفويين، وفجر التناقضات في صفوف جيشه؛ لأن المعركة كانت بين الكوفيين أنفسهم، فتقاتل رجال من قبيلة واحدة، وعشيرة واحدة، وأسرة واحدة، وقتل الكوفيون إخوانهم وأبناءهم، وأعمامهم وأهل عشائرهم، ودفن المنتصرون موتاهم بكل ورع، وقد ذكرنا بأن الجرحى أرسلوا إلى قبائلهم لكي يعالجوا، بأمر من علي، من هنا جاء رد الفعل السلبي على مواصلة القتال.
وهكذا تخلى الكوفيون عن علي في أحرج لحظات المواجهة مع معاوية، فتركوه بكل بساطة، وهم منهكون من التعب الداخلي، ومن تأنيب الضمير، ومن الاستحياء، ولم يتذمروا منه؛ لأنهم أدركوا أنه مثلهم تمامًا، تجاوزته الأحداث٣.
أثارت هذه التطورات غضب علي، فحنق على أهل الكوفة لخذلانهم له، وحاول استنهاضهم وحثهم على نصرته، كما أرسل الوفود إلى أطراف بلاد الشام، وأذربيجان والسواد لحشد المقاتلين، لكن جهوده لم تثمر، فأدرك عندئذ واقعه المرير، مما دفعه إلى تأجيل قراره بمهاجمة أهل الشام، واعتكف في عاصمته، وطوى مشاريع القتال بانتظار ظروف أفضل.
قابل هذا التطور السلبي في مجرى الأحداث، وفي المستوى العسكري على الجبهة العراقية، التي عجزت حينذاك عن تعويض النقص في العدد، وفي الاندفاع؛ تحول إيجابي في التخطيط العسكري على الجبهة الشامية، حيث تحول معاوية من الدفاع إلى الهجوم، وبهذه الحركة كانت النهاية الفعلية للصراع الواسع على المستوى العسكري بين العراق والشام، حيث لم يملك علي أكثر من مواجهة الغارات التي أخذت تستهدف مواقعه من جانب القوات الشامية٤.
والواقع أن معاوية اتبع خطة تكتيكية تهدف إلى عزل علي في العراق، وإحكام الحصار عليه، ثم إثارة جبهته الداخلية، حتى القضاء عليه، فبعد السيطرة على مصر
_________________
(١) ١ قصدًا: أي قطعًا منكسرة. ٢ الطبري: ج٥ ص٨٩. ٣ جعيط: ص٢٣٣، ٢٣٤. ٤ بيضون: ص٩٤-٩٦.
[ ٤٧٨ ]
التي لم تكن سوى توسع طبيعي في مجاله، وجه حملتين إلى الحجاز: الأولى بقيادة عبد الله بن مسعدة الفزاري، فشلت في دخوله، فقد انهزم عبد الله أمام المسيب بن نجبة الفزاري١، والثانية بقيادة بسر بن أرطأة، وقد تمكن من السيطرة على الحجاز٢، الأمر الذي كان له تأثير سلبي بالغ على أوضاع علي، فقد أضحت مكة والمدينة تحت سيطرة خصمه مما عزز موقعه المعنوي، حيث أضحى بإمكانه التقلب بالخلافة دون حرج، وهكذا انهارت عمليًا الخلافة الراشدية٣، كما انتزع ابن أرطأة اليمن من نفوذ علي، وضمه إلى نفوذ معاوية.
وفيما يتعلق بهجمات معاوية على الأراضي العراقية، فيمكن تصنيفها في مجال الضغط النفسي، فمن واقع العلاقات المتوترة القائمة بين علي والكوفيين، حاول معاوية إثارة أهل البصرة لاستقطابهم، والمعروف أن علاقة البصريين بعلي لم تكن على مستوى علاقته بالكوفيين بعد الجرح الذي تسببت به وقعة الجمل، والواقع أن معاوية كان يراهن على تفكك العراق من خلال هذه الثغرة، وإضعاف قوة علي العسكرية، فقد بعث عبد الله بن عمرو الحضرمي إلى البصرة لإقناع أهلها بالانضمام إليه٤، كما أن الحملات العسكرية التي أرسلها إلى عين التمر وهيت، والأنبار والمدائن تصب في هذا الاتجاه٥.
كان من المتوقع أن يتمخض عن العلاقة بين علي، ومعاوية التي بلغت الذروة في التوتر؛ حل معين، مؤقت أو نهائي، وتستحضرنا هنا فكرة الاتفاق على التقسيم التي أوردتها روايات المصادر، والتي عرضها معاوية وقبلها علي، وتقضي بأن يكون العراق تحت إمرة هذا الأخير، ويحتفظ معاوية ببلاد الشام على أن تتوقف رحى الحرب٦.
والراجح أن هذه القسمة تتعارض مع الأفكار السائدة آنذاك، وتوجهات الرجلين، بالإضافة إلى وحدة الأمة الإسلامية، لذا كان لا بد من تجدد المواجهة الشاملة.
وتشددت المواقف في ظل البحث عن حل، فحين رأى معاوية أن جهوده لنسف كيان علي لم تثمر، وأنه ما زال صامدًا في العراق على الأقل، ويبدو أنه كان شديد الحرص على عدم القيام بهجوم عام، أخذ يتهيأ لإعلان نفسه خليفة في بيت المقدس، وبايعه رجاله، وقد عد ذلك تحديًا سافرًا لعلي الذي رد بتعبئة عامة ضد ما
_________________
(١) ١ الطبري: ج٥ ص١٣٤، ١٣٥. ٢ المصدر نفسه: ص١٣٩، ١٤٠. ٣ بيضون: ص٩٤، ٩٥. ٤ الطبري: ج٥ ص١١٠. ٥ المصدر نفسه: ص١٣٣، ١٣٤. ٦ المصدر نفسه: ص١٤٠.
[ ٤٧٩ ]
رآه محاولة لاغتصاب السلطة، وضربة موجهة إلى شرعيته، لكنه واجه عدة صعاب، فالكوفيون فقدوا القدرة على التماشي معه والدفاع عن قضيته، كما فشل زعماء القبائل في تجييش أتباعهم، وفق القراء دورهم بعد النهروان، وزال الأشعث بن قيس، ومحمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة؛ لذلك اختار علي جيلًا جديدًا ربطه بشخصه وسلطانه١، مثل مالك بن كعب الهمذاني، ومعقل نب قيس الرياحي التميمي، والمسيب بن نجبة الفزاري، وعبد الرحمن بن شريح الهمذاني، وحجر بن عدي الكندي، وسليمان بن صرد الخزاعي، كما اعتمد على أفراد أسرته، وبخاصة الفرع العباسي، فولاهم المناصب الإدارية، مثل عبد الله بن عباس والي البصرة، وأخيه عبيد الله والي اليمن، وأخيه الآخر قثم في مكة، وسهل بن حنيف من الأنصار، والي المدينة السابق، لكن هذا الالتفاف تعرض هو الاخر إلى الانحلال، ففي عام "٤٠هـ/ ٦٦٠م" غادر عبد الله بن عباس مركزه في البصرة، والتحق بمعاوية٢ مثيرًا انفعال القبائل واضطرابها، وفر عبيد الله بن عباس من أمام بسر بن أرطأة، في حين كان أهل المدينة يغادرون إلى معاوية.
واعتمادًا على المقاتلين الجدد، قام علي بتعبئة عامة في العراق بعامة، وفي الكوفة بخاصة، بهدف شن هجوم واسع، وشامل ضد معاوية وأهل الشام، ووضعت الخطوط العريضة لهذا المشروع الهجومي، أي إنشاء قوة ضاربة تقودها نخبة محاربة مخلصة، فيما عرف بشرطة الخميس٣، لكن المشروع توقف، ولم ينفذ بسبب مقتل علي.
مقتل علي٤:
حصل مقتل علي إثر اتفاق بين الخوارج في مكة، يقضي بقيام ثلاثة عناصر خارجية هم عبد الرحمن بن ملجم المرادي، والحجاج بن عبد الله الصريحي، وهو البراك، وعمرو بن بكر التميمي، باغتيال الأشخاص الثلاثة الذين تسببوا في انقسام المسلمين وتشتتهم، وهم علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص.
_________________
(١) ١ جعيط: ص٢٩٣. ٢ الطبري: ج٥ ص١٤١. ٣ المصدر نفسه: ص١٥٨. ٤ المصدر نفسه: ص١٤٣-١٤٨، البلاذري: ج٣ ص٢٤٩-٢٦٦، اليعقوبي: ج٢ ص١١٨، ١١٩، ابن قتيبة: ج١ ص١٢٩-١٣١، جعيط: ص٢٩٢- ٣٠١، بيضون: ص٩٩-١٠٢، البكاي: ص٥٣، ٥٤.
[ ٤٨٠ ]
وتوجه كل واحد منهم إلى المدينة التي يقيم فيها صاحبه المكلف بقتله، الأول إلى الكوفة، والثاني إلى دمشق، والثالث إلى الفسطاط، وتواعدوا على تنفيذ الخطة، فجرم يوم الجمعة "١٧رمضان ٤٠هـ/ ٢٤ كانون الثاني ٦٦١م".
قدم ابن ملجم إلى الكوفة، واحتك بوسطه الطبيعي، الخوارج، الذين ينتمي إليهم متكتمًا حول مشروعه، ومنتظرً الموعد المحدد، وساقته الصدفة في تلك الأثناء إلى التعرف على امرأة تدعى قطام بنت الشجنة من تيم الرباب، فشغف بها، وأراد أن يتزوحها، كانت هذه المرأة مشحونة بميل شديد للانتقام من علي الذي قتل أباها وأخاها يوم النهروان، فاشترطت عليه عدة شروط كمهر لها كان من بينها قتل علي، لكن هذا الواقع صادف مشروعًا مخططًا له، فباح لها عندئذ بسره، وأخبرها عن سبب حضوره "فوالله ما جاء بي إلى هذا المصر إلا قتل علي، فلك ما سألت".
وقامت قطام بتنظيم عملية القتل، واختارت شخصًا من قومها لمساعدة ابن ملجم يدعى وردان، واستمال ابن ملجم، من جانبه، رجلًا ثانيًا يدعى شبيب بن نجدة الأشجعي الحروري، وقام بتسميم سيفه بحيث أن عليًا لا يمكنه أن ينجو حتى، ولو أصيب بجرح.
وتربص الثلاثة في اليوم المحدد لعلي في المسجد، وما إن دخل وراح يدعو الناس إلى صلاة الفجر، عاجله شبيب بضربة من سيفه، لكنه أخطأه وأصاب عضادة الباب١، فأعقبه ابن ملجم بضربة أخرى، وهو يقول: "الحكم لله يا علي لا لك ولا لأصحابك"، وأصابته في جبهته وشجتها، فسال الدم على لحيته.
كانت الضربة محكمة وقاتلة، وسيقضي علي ليلتين وهو يحتضر، وقبض الحاضرون على ابن ملجم، ولاذ شبيب بالفرار وتمكن من النجاة، أما وردان فانفلت في زحام الناس، لكن أدركه رجل من حضرموت وقتله.
وحمل علي إلى بيته، وهو يكبر "لا إله إلا الله"، وطلب من ابنه الحسن أن يقتل ابن ملجم إن هو مات، ثم أخذ يوصي بنيه بتقوى الله، وطلب منه المسلمون أن يبايع ابنه الحسن، فأجابهم "لا آمركم ولا أنهاكم"، ثم توفي متأثرًا بجرحه، وصلى عليه ابنه الحسن، ودفنه في دار الإمارة بالكوفة، وفي رواية فيما يلي قبلة المسجد الجامع، وأخفى قبره خشية من أن ينبشه الخوراج.
تلك إذن هي صورة الحادثة كما رواها الإخباريون، وعلى الرغم من تشكيك عدد
_________________
(١) ١ عضادة الباب: الخشبة المنصوبة عن يمين الداخل أو شماله.
[ ٤٨١ ]
من المؤرخين بصحة بعض فصلوها إلا أن هناك إجماعًا على أن عملية الاغتيال تمت على أيدي عناصر خارجية، انتقامًا لضحايا معركة النهروان، وإذا كان صحيحًا أن هذا الاغتيال كان وليد الفتنة، فقد كان ذلك كنتيجة للتناقضات الداخلية في معسكر علي، ذلك؛ لأن الضربة ستأتي من الخوراج، والراجح أنه كان عملًا فرديًا، إذ إن حصول اتفاق مسبق بين الخوارج، وتخطيط لعملية القتل، هو أمر مستبعد بفعل:
- أن معركة النهروان فرقت الخوارج وشتتتهم، فلم يبق منهم سوى مجموعات صغيرة مبعثرة في القرى.
- كراهية الخوراج أسلوب الاغتيالات في مواجهة أعدائهم.
- لم يكن الجو السياسي والعسكري العام آنذاك مؤاتيًا لتجديد الاضطراب الخارجي.
وإذا أمكننا الحديث عن مؤامرة، فإنها قد تمت بين عدد محدود جدًا من الخوارج ولا تعبر بالضرورة عن تطلعات الحركة، أما بقية المعلومات الخاصة بعملية القتل مثل قصة الحب بين قطام وابن ملجم، والدور المزعوم للأشعث بن قيس الكندي، الذي رواه اليعقوبي، وغيرها، فقد شكك العديد من المؤرخين في صحتها.
شكل اغتيال علي الضربة القاضية للدولة الراشدية، بعد أن حالت النزاعات الداخلية دون تثبيت جذورها في الأرض، وبذلك انطوت صفحة هذه الخلافة التي استلهمت من تجربة النبي الزائدة بوصفها امتدادًا لعصر النبوة.
[ ٤٨٢ ]