مرحلة المفاوضات:
ظل علي يأمل في استقطاب معاوية، وتجنيب المسلمين مزيدًا من إراقة الدماء، وقدم نفسه منذ البداية على أنه طالب حق، فأرسل إليه رسولًا من الكوفة في شهر "رجب ٣٦هـ/ كانون الثاني ٦٥٧م"، هو جرير بن عبد الله البجلي، ومن فاتحي العراق الأوائل ورئيس قبيلة بجيلة، وأحد الأشراف الذين تعاون عثمان معهم، وأحد زعماء القبائل الذين تجنبوا الاشتراك في وقعة الجمل، واقتصرت مهمته على حمل معاوية على البيعة، ودعوته إلى الطاعة والجماعة١.
ويبدو أن معاوية كان يواجه آنذاك موقفًا حرجًا، فهو لم يكن مطمئنًا على الوضع في مصر، ويرغب في تجييدها أو الاستيلاء عليها، كما أنه كان يتعرض لضغط بيزنطي متزايد، ولا بد له من تهيئة أهل الشام وتعبئتهم إلى جانبه، كما كان يراقب
_________________
(١) ١ ابن مزاحم، نصر: كتاب وقعة صفين ص٢٧، ٢٨، ابن قتيبة: ج١ ص٧٩، ٨٠، الطبري: ج٤ ص٥٦١.
[ ٤٥٤ ]
تطور موازين القوى في معسكر علي، وهو بانتظار وصول عمرو بن العاص الذي استدعاه من فلسطين لمشاورته في الأمر؛ لذلك أجل رده إلى ما بعد وقعة الجمل، وأمسك الرسول١.
ووجد معاوية في عمرو بن العاص، سندًا قويًا، فأشركه في مشروعه ووعده بمنحه ولاية مصر مدى الحياة في حال انتصاره، وبأنه سوف يساعده في تجاوز العقبات الداخلية والخارجية، ونصحه بتنظيم دعاية في أوساط مقاتلة الشام، وفلسطين ضد علي، وتحميله مسئولية قتل عثمان وإيواء قتلته، ثم يقاتله بهم٢، فاستدعى شرحبيل بن السمط الكندي، وهو من أشراف كندة، والرجل الأكثر تأثيرًا في بلاد الشام، قبليًا، وفيما يتعدى المزعامة القبلية، وأقنعه بمسئولية علي عن تفجير الوضع، ودعاه إلى دعمه للمطالبة بدم عثمان، فجال هذا في مختلف المدن الشامية يروج لأفكاره، ونجح في استقطاب أهالي الشام باستثناء أهل حمص٣، وكان ذلك كافيًا لدعم موقف معاوية ومطالبه، الأمر الذي سمح له بأن يعيد رسول علي مزودًا بشرطين:
الأول: القصاص من قتله عثمان.
الثاني: الشورى لانتخاب خليفة جديد٤.
كان ذلك الرد بمثابة إعلان حرب، إذن هناك نقطتان أساسيتان تشكلان مضمون الصراع من جانب معاوية: الأولى ذات صلة بمقتل عثمان، والثانية متعلقة بمسألة شرعية السلطة٥، وشدد على النقطة الأولى أمام مقاتلة الشام الأشد تأثرًا بالدعوة للانتقام للخليفة المقتول، وهو يستند إلى كونه وليًا له بسبب قرابته منه٦، وأمام القراء الأقل تحمسًا للسير معه، وعندما طلب منه هؤلاء تبرير موقفه أجابهم: "إذا كان علي لم يقتل عثمان فقد تواطأ على قتله، وحمى القتلة الذين يشكلون محيطه ونواة أتباعه"٧، وعلى هذا النحو ربط بين عنصري الصراع، فكرة المطالبة بدم عثمان، والدعوة إلى الشورى٨، لكنه لم يتمكن من توجيه تهمة مباشرة لعلي بالضلوع في
_________________
(١) ١ ابن مزاحم: ص٥٥. ٢ الطبري: ج٤ ص٥٥٨، ٥٥٩. ٣ ابن مزاحم: ص٥٠. ٤ المصدر نفسه: ص٥٦. ٥ جعيط: ص١٨٨. ٦ ابن مزاحم: ص٣٢، ١٣٢. البلاذري: ج٣ ص٦٦، ٦٧. ابن قتيبة: ج١ ص٨٥، ٨٦. ٧ ابن مزاحم: ص٨٥-٨٧. ٨ البلخي: ج٢ ص٢٢٤.
[ ٤٥٥ ]
القتل، الأمر الذي يفسر اتهاماته المتدرجة له من التجريم المباشر إلى مجرد طلب تسليم الجناة١، وحاول استقطاب المؤيدون لفكرته، فكتب إلى عبد الله بن عمر بدعوه إلى مساندته، "فأعنا يرحمك الله على حق هذا الخليفة المظلوم، فإني لست أريد الإمارة عليك، ولكني أريدها لك، فإن أبيت كانت شورى بين المسلمين٢، كما كتب إلى سعد بن أبي وقاص، ودعاه إلى نصرته في معاقبة قتلة عثمان، "فإنا نردها شورى بين المسلمين"٣، وأكد خلال اتصالاته مع علي على رؤيته لحل النزاع "اعتزل أمر الناس، فيكون أمرهم شورى بينهم، يولي الناس أمرهم من أجمع عليه رأيهم"٤.
وفي المقابل، دافع علي عنه رأيه، فرأى أنه يمسك بزمام السلطة الشرعية، وقد جرى انتخابه في المدينة مركز منح السلطة، بالأغلبية الساحقة من المسلمين وبخاصة المهاجرين، والأنصار الذين بايعوا الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه، كما أن الشورى هي لهم، فإذا "اجتمعوا على رجل فسموه إمامًا كان ذلك لله رضى، فإن خرج منهم خارج ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين"٥، وعليه واجب توحيد كلمة المسلمين، ولا علاقة لمعاوية بالمطالبة بدم عثمان؛ لأن أبناء القتل أولى منه، وأنه ادعى ما ليس أهله، ونازع هذا الأمر من ليس مثله، وجادل بالباطل ليدحض به الحق"٦، وعده خارجًا. أما المقصاص من قتلة عثمان، فهي قضية ثانوية، ولا يعد نفسه متورطًا في هذا القتل، كما أنه لا يستطيع تسليم قتلته في هذه الظروف الحرجة التي يمر بها المسلمون٧.
وكرر علي مطالبة معاوية العودة إلى حظيرة الجماعة الإسلامية، والاعتراف به خليفة للمسلمين، ضمن كتاب أرسله إليه في شهر "رمضان ٣٦هـ/ آذار ٦٥٧م"، مع ضمرة بن يزيد، وعمرو بن زرارة النخعي، لكن معاوية لم يبدل رأيه، وكرر تنفيذ شرطيه السابقين٨.
_________________
(١) ١ جعيط: ص١٩٠. ٢ ابن مزاحم: ص٦٣، ٦٤، ٧٢. ابن قتيبة: ج١ ص٨٤. ٣ ابن قتيبة: المصدر نفسه ص٨٤، ٨٥. ٤ المصدر نفسه: ص٨٥، ٨٦. الطبري: ج٥ ص٧. ٥ ابن مزاحم: ص٢٨-٣٠، ٥٨. ٦ ابن قتيبة: ج١ ص٨٠. الطبري: ج٤ ص٥٧٤. ٧ جعيط: ص١٩٠. ٨ ابن مزاحم: ص٨٠. البلاذري: ج٣ ص٧٨.
[ ٤٥٦ ]