مرحلة المفاوضات:
بذل الطرفان جهودًا حثيثة لتجنب الصدام، مع أنهما كانا قد استعدا لمواجهة عسكرية محتملة، والواقع أن جهود السلم والحرب سارت بخطين متوازيين، مع أن أيا من الطرفين لم يتحدث عن الحرب، بل عن الإصلاح على الرغم من اختلاف وجهات النظر بشأن الأسلوب الذي يؤدي إلى ذلك، فمن وجهة نظر علي، يقتصر الإصلاح، على إعادة الأمور إلى نصابها، وإعادة بناء وحدة المسلمين، والتوقف عن تلك المطاردة، والاعتراف بشرعية خلافته، وقد لا يتردد عن ضرب خصومه إذا اعتقد أنهم على ضلالة، في حين كان الإصلاح في نظر عائشة، وحليفيها يمر من خلال تنفيذ العقاب بقتلة عثمان إحياء لشرع الله، ويبدو أنه لم يكن من الوارد أن توافق عائشة على بيعة علي، ولا أن يوافق علي على تسليم القتلة الموجودين في جيشه، وهكذا فإن الطريقة التي طرحت فيها قضية الخلاف كانت عائقًا دون الوصول إلى سلام بين الجانبين، ومع ذلك فقد جرت مفاوضات بينهما بواسطة القعقاع بن عمرو التميمي الذي أرسله علي بمهمة سلمية إلى البصرة١، وقد أبدى كل من طلحة، والزبير ليونة إزاء مهمة القعقاع، والواقع أن جوًا من الترقب والحذر، وأن خشية أمام أول مواجهة عسكرية بين الإخوة، كانا سائدين، إذ لم يكن أي من الجانبين مسرورًا
_________________
(١) ١ الطبري: ج٤ ص٤٨٨، ٤٨٩.
[ ٤٤٥ ]
وهو يستعد لمحاربة الجانب الآخر، وأن ما يرويه سيف عن اتفاق جاهز للانعقاد على حساب القتلة، وأن هؤلاء أفشلوه من خلال مؤامرة دبرها، وأوصى بها ابن سبأ، إنما هو بعيد الاحتمال١، وتصور روايات المصادر طلحة، والزبير وهما يتراجعان أمام المجابهة على أمل إيجاد حل ينقذ كل شيء، فخندقا في منطقة الزابوقة في البصرة، وهما يرددان "خرجنا للصلح"٢، ويعلنان رفضهما الاحتكام للسلاح "إنا وهم مسلمون، وهذا أمر لم يكن قبل اليوم، فينزل فيه قرآن أو يكون فيه من رسول الله ﷺ سنة، إنما هو حدث"، وأضافا: "أمير بيننا وبين إخواننا، وهو أمر ملتبس"، "نحن نرجو الصلح إن أجابوا إليه وتموا، وإلا فإن آخر الدواء الكي"٣.
رحب علي بالصلح الذي قبله طلحة والزبير، وأعلن عن تصميمه على إعادة الوحدة إلى المجتمع الإسلامي، وحذر من مخاطر القتال بين المسلمين، "بان لنا ولهم أن الإصلاح الكف عن هذا الأمر، فإن بايعونا فذلك، فإن أبوا وأبينا إلا القتال فصدع لا يلتئم"٤، وقد دفعه ذلك إلى الارتحال حتى نزل بجوارهم٥. ومن الواضح أن هذا كله ناتج عن إرادة واعية، ورؤية مستنيرة وورع وتقوى من كلا الجانبين.
أحداث الوقعة:
أثارت محاولات التفاهم والإصلاح غضب قيادات القوى التي شاركت في أحداث المدينة ومقتل عثمان، وعلى رأسها علباء بن الهيثم، وعدي بن حاتم وسالم بن ثعلبة العبسي وشريح بن أوفى بن ضبيعة، ومالك بن الحارث الأشتر النخعي وخالد بن ملجم من مصر، كان معهم في البصرة، وأبدى هؤلاء تخوفهم من إحلال الصلح بين المعسكرين، وتداولوا في أنجع السبل لإفشال ذلك، فاقترح الأشتر التخلص من علي وقتله، في حين أشار علباء إلى ضرورة التخلي عنه ليواجه معسكر التحالف دون مساندتهم، ودعاهم إلى الاعتزال حتى يظهر من يستحق دعمهم، وأبدى عدي استعداده لاحترام ما يقررونه، وأصر سالم على قتال القوم دفاعًا عن أنفسهم، وتقرر في النهاية دفع المعسكريين للاشتباك، وذلك بالاندساس بينهم وإثارة القتال٦.
وكان الطرفان المتخاصمان قد عسكرا في الخزينة، إحدى ضواحي البصرة، فانسل هؤلاء النفر دون أن يشعر بهم أحد، وأثاروا القتال بينهما، واشتبك الجميع
_________________
(١) ١ جعيط: ص١٦٤. بيضون: ص٦٧. ٢ الطبري: ج٤ ص٤٩٢. ٣ المصدر نفسه: ص٤٩٥. ٤ المصدر نفسه: ص٤٩٧. ٥ المصدر نفسه: ص٤٩٩. ٦ المصدر نفسه: ص٤٩٤.
[ ٤٤٦ ]
دون وعي منهم لما خطط لهم، وخرج من معسكر علي رجل يرفع نسخة من القرآن، في خطوة تعد آخر تذكير رمزي بالوحدة، فقتل١، وتكتسب هذه الدعوة التي صدرت عن علي لتحكيم القرآن في هذا الصراع، أهمية بالغة تلقي بظلالها اللاحقة على الفتنة، وبخاصة أثناء معركة صفين٢.
وواجهت القبائل المختلفة بعضها بعضًا في رحى معركة ضاربة، مضر البصرة واجهت مضر الكوفة، وربيعة البصرة واجهت ربيعة الكوفة، ويمن البصرة واجهت يمن الكوفة٣، ووجدت القبائل نفسها في أتون معركة تدفع ثمنها من أرواح أبنائها.
ويبدو أن البصريين لم يتحملوا صدمة القتال، فتراجعوا، وجرح طلحة في ركبته بسهم رماه به مروان بن الحكم، فانسحب من ميدان المعركة ليموت في مكان ما من البصرة٤، وشعر الزبير بالخذلان، فانسحب هو أيضًا وأراد الفرار، لكنه طورد وقتل في ظروف غامضة، وفي رواية أنه جرى اغتياله على يد عمرو بن جرموز التميمي في منطقة وادي السباع على قدر مرحلة من باب المربد بالبصرة٥، وانتهت على هذا الشكل الجولة الأولى من المعركة قرابة الظهر٦، لتبدأ الجولة الثانية والأكثر ضراوة، فقد أعاد البصريون تنظيم صفوفهم، وكروا على الكوفيين، وتركز القتال حول جمل عائشة الجالسة في هودج مدرع بالحديد، وقد أضحى هدف الكوفيين.
وكان ثمة عزيمة من الجانبين، فارتدى القتال رداء بالغ الحدة بحيث اضطرا إلى تغيير نظام صفوفهما، فانضم الجناحان إلى القلب، وكونا كتلة ضخمة، وأضحى هناك كتلتان كبيرتان تتواجهان حول الجمل الذي تكاثرت التضحيات حوله، وتدخلت عائشة، في تلك اللحظة، وهي تحض أهل الكوفة على وقف القتال "البقية البقية"٧، وهو نداء ضد الإبادة، ودعتهم "أبنائي" وذكرتهم بأنها أمهم، وهذا دليل على أن المعركة بدأت تميل لغير صالحها، وعندما رأت أنهم عازمون على ضربها، دعت أهل البصرة لكي يلعنوا قتلة عثمان٨، ثم راحت تشجع بصوتها الجهوري
_________________
(١) ١ الطبري: ج٤ ص٥٠٩. ٢ ملحم: ص٢١٩، ٢٢٠. ٣ الطبري: ج٤ ص٥٠٦-٥١٤. ٤ المصدر نفسه: ص٥٠٩، تاريخ خليفة بن خياط ص١١٢. ٥ المصدران نفساهما: ص٥١١، ٥٣٤، ٥٣٥، ص١١٢. ٦ الطبري: ج٤ ص٥١٤. ٧ أي: أبقوا علينا ولا تستأصلونا، إنها دعوة ضد الإبادة كان العرب في الجاهلية يستعملونها إذا غلبهم العدو، ابن منظور: لسان العرب ج١٤ ص٨٠. ٨ الطبري: ج٤ ص٥١٣-٥٣٢.
[ ٤٤٧ ]
المدافعين عن الجمل حتى حملت الوقعة اسم وقعة الجمل.
وعندما تحول القتال إلى مجزرة حقيقة، أمر علي على أحد رجاله بعقر الدابة، فهوت على الأرض، ومن اللافت أن يتوقف القتال فور وقوع الجمل أرضًا وأعطي البصريون الأمان١، والواقع أن الوقعة لم تتوقف لتوقف المقاتلين بل؛ لأن الرمز قد هوى، وكأن القتال لم يكن دائرًا لقتل عائشة ذاتها أو دافعًا عنها، بل؛ لأن الجمل الذي كان يحملها هي وما تمثل من قداسة وقضية٢، وعندما أصيب
الجمل توقف كل شيء، وطرح الهودج أرضًا وسط أعداد هائلة من القتلى في عدادهم مشاهير من الكوفة، والبصرة وأشراف قرشيون، مما أدى إلى ضرب الجبهة القرشية التي شكلت توازنًا سياسيًا بين العرب، والمسلمين في ذلك
الوقت٣، كما تعرض الأزديون والضبيون لمجزرة حقيقية، وكانوا من أشد المدافعين عن الجمل٤، وجرت المعركة في "١٠ جمادى الثانية ٣٦هـ/ ٤ كانون الأول ٦٥٦م".
ذيول الوقعة:
سيطر علي على البصرة بعد انتهاء الوقعة، وبايعه البصريون طائعين بعد أن عفا عنهم، فكانت كل قبيلة تبايع وهي ترفع رايتها٥، ويبدو أنهم اعتقدوا بأنهم أدوا واجبهم تجاه دم عثمان، وفي سبيل الدفاع عن عائشة أم المؤمنين، وأنه أضحى من واجبهم الآن العودة إلى النظام، وقد ساعدهم سلوك على تجاههم.
وسامح علي كل الذين رفعوا السلاح في وجهه، وأظهر رغبة عميقة وصادقة في تضميد الجراح، وفي إعادة تجميع جسم الأمة الجريح، فحرص على عدم معاملتهم بمثل ما عاملوه به، ولهذا فقد أمر قواته بعدم مطاردة أي مدبر، وأن لا يجهزوا على جريح، ولا يدخلوا الدور، وأعلن أنه من أغلق بابه، فهو آمن، وندب الناس إلى موتاهم فخرجوا إليهم ودفنوهم، وطاف معهم في القتلى، وتألم لمقتلهم، وأقام الصلاة المزدوجة على الموتى من البصريين، وعلى الموتى من الكوفيين، وكذلك على القتلى من المكيين والمدنيين، ولم يرم أعداءه بالكفر، سيقول دائمًا إنهم مسلمون، وإن الله حرم سلبهم واسترقاقهم وإذلالهم، والنيل من شرفهم ومنزلتهم٦، وأقام في معسكره ثلاثة أيام لا يدخل البصرة٦، وترحم على الزبير، وبشر قاتله
_________________
(١) ١ الطبري: ج٤ ص٥١٩-٥٣١. ٢ بيضون: ص٦٨، ٦٩. ٣ تاريخ خليفة بن خياط: ص١١٣-١١٥، الطبري: ج٤ ص٥٢٢، ٥٢٣. ٤ الطبري: المصدر نفسه: ص٥٤١. ٥ المصدر نفسه: ص٥٣٨، ٥٣٩، ٥٤١. ٦ المصدر نفسه: ص٥٣٨.
[ ٤٤٨ ]
بالنار١، ودعا الله أن يجمعه بطلحة يوم القيامة في الجنة٢، ثم اجتمع بعائشة في دار عبد الله بن خلف الخزاعي، حيث نقلت بعد انتهاء الوقعة، وجرى بينهما حوار هادئ هو أقرب إلى الاستعتاب، فذكرها بأنها قد نهيت عن المسير إلى هذا المصير، فطلبت منه أن يصفح عنها، وأثنت عليه بسبب موقفه المتسامح معها ومع أنصارها، وعدت خلافها معه على أنه قدر مقدر أساسه مجرد استعتاب هدفت منه العمل على إعادة وحدة المسلمين بعد مقتل عثمان، إلا أن هذا الخلاف تطور رغمًا عنها حتى وصل إلى المواجهة المسلحة، ونفت أن يكون الصراع المسلح في وقعة الجمل هو تصفية خلافات قديمة بينهما، وتمنت لو استطاعت تجنبه، واتهمت طلحة والزبير بإخراجها من بيتها، وأبدت ندمها على خروجها من منزلها٣، ثم سيرها إلى المدينة يوم السبت لغرة رجب في جماعة من نساء أهل البصرة المعروفات لمؤانستها في الطريق، وجعل في صحبتها أخاها محمد بن أبي بكر، كما أرسل معها بنيه لحراستها حتى خرجت من البصرة مسيرة يوم، وزاد في تكريمها بأن خرج بنفسه مودعًا حتى خرجت من البصرة مسيرة يوم، وزاد في تكريمها بأن خرج بنفسه مودعًا، وشيعها عدة أميال، وقد أعلنت يوم انطلاقها أنه ليس بينها وبين علي فيما كان إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وأضافت: "إنه عندي على معتبتي لمن الأخيار"، فأجابها علي: "صدقت والله وبرت، وإنه ما كان بينهما إلا ذلك، وإنها زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة"٤، واعتزلت السياسة بقية حياتها، وكرست نفسها للعبادة.
هل لنا أن نصدر حكمًا ونحدد المسئولية في وقعة الجمل، حيث التقى المسلمون بسيوفهم فيها ضد بعضهم البعض؟ فقد التزم رجال الدين بالصمت، وآثروا العافية، وابتعد أهل السنة عن إبداء رأي صريح لاعتقادهم بأن الصحابة جميعًا ناجون، وليس لهم الحق في أن يحكموا على أحد الفريقين بالمسئولية أو الخطأ، وألقى الشيعة المسئولية الكاملة على عائشة وطلحة، والزبير ولكنهم لم يفندوا الأسباب التي استندوا إليها في حكمهم، وغالى الخوراج في حكمهم، فكفروا طلحة والزبير وأتباعهما، والمعروف أنه ليس لمؤمن أن يكفر مؤمنًا، ولا يحكم عليه بالكفر، وخطأ المعتزلة أحد الفريقين لدرجة تصل به إلى الفسق، ولكنهم لم يحددوا الفريق الذي تقع عليه المسئولية٥.
_________________
(١) ١ الطبري: ج٤ ص٥١٠. ٢ ابن قتيبة: ج١ ص٦٩. ٣ المصدر نفسه: ص٦٨، ٦٩. البلاذري: ج٣ ص٥٩، ٦٠. الطبري: ج٤ ص٥٣٩، ٥٤٠. ٤ الطبري: المصدر نفسه: ص٥٤٤. ٥ الشهرستاني، أبو الفتح محمد عبد الكريم: الملل والنحل ج١ ص٤٩-١١٤.
[ ٤٤٩ ]
وتباينت أحكام المؤرخين وفقًا لتعاطفهم مع هذا الفريق أو ذاك، فألقى بعضهم المسئولية على عائشة مبررين حكمهم في ذلك بأنها عارضت عثمان عندما اتضح لها أن سياسته لا ترضي عامة المسلمين، وعندما آلت الخلافة إلى علي، انقلبت عليه بما حملته في نفسها بسبب موقفه السلبي منها في حادثة الإفك، وقوله للنبي: "تزوج غيرها، فالنساء كثير"، وعدم دفاعه عنها، وحمل البعض الآخر طلحة والزبير المسئولية؛ لأنهما دفعًا الناس دفعًا إلى أتون هذا الحرب، وهما اللذان حرضًا عائشة على الخروج إلى البصرة، ولولا تحريضهما لما خرجت، ورأى فريق ثالث أن الزبير هو المسئول المباشر عن هذه الحرب، وقد استتر وراء الثلاثة الكبار ليحقق طموحه في اعتلاء منصب الخلافة، فاستغل خالته عائشة، ودفعها لخوض هذه الحرب ضد علي حتى تخلو له الساحة السياسية.
والواضح أن قتلة عثمان يتحملون المسئولية المباشرة عن اندلاع هذه الحرب التي انخرطت فيها كافة الأطراف، عن وعي أو بدون وعي، كما أن قريشًا تتحمل مسئولية أدبية بفعل أنها انصرفت عن علي، فتركهم وذهب إلى الكوفة محاولًا أن يجد في قبائل اليمن المستقرة فيها السند البديل١، وأدت عصبية العشيرة دورًا في إذكاء روح الصراع، وقد انتعشت مجددًا في عهد عثمان من واقع ارتكاز هذا الخليفة عليها، "واستفزت عصبيات القبائل في الأمصار حين واجهت هذه طريقتها بمثلها في الاحتجاج أولًا، ثم في التطرف الذي هيأ الأجواء لقتله بصورة مألوفة من قبل هذه القبائل، وإذا كان بمقدور على ضبط هذه العصبية مرة أخرى قبل وقعة الجمل، فإنه أضحى عاجزا عن ذلك بعدها، لا سيما وأن خصومه لم يترددوا عن استخدامها كورقة أساسية لتعزيز موقعهم، واستقطاب الأنصار٢، وتصبح الصورة أكثر وضوحًا في هذا السياق حين نتوقف عند أسماء القتلى الذين سقطوا في وقعة الجمل، وقد بلغ عددهم نحو عشرة آلاف، مصنفين على أساس انتماءاتهم القبلية، نصفهم من أتباع علي، ونصفهم من أنصار عائشة، من الأزد ألفان ومن سائر اليمن خمسمائة، ومن مصر ألفان، وخمسمائة من قيس، وخمسمائة من تميم، وألف من بني ضبة، وخمسمائة من بكر بن وائل وقتل من بني عدي يومئذ سبعون شيخًا، كلهم قد قرأ القرآن، سوى الشباب، ومن لم يقرأ القرآن٣.
_________________
(١) ١ الشامي: ص٣٤٣-٣٤٧. ٢ بيضون: ص٦٩، ٧٠. ٣ تاريخ خليفة بن خياط: ص١١٣، ١١٤. الطبري: ج٤ ص٥٤٤.
[ ٤٥٠ ]