قال النّووي في «تهذيبه» ومن خطّه نقلت (^١): استدلّ أصحابنا على عظم علمه بقوله ﵁ في الحديث الثّابت في الصّحيحين: واللّه لأقاتلن من فرّق بين الصّلاة والزّكاة، واللّه لو منعوني عقالا كانوا يؤدّونه إلى رسول اللّه ﷺ لقاتلتهم على منعه. واستدلّ الشّيخ أبو إسحاق بهذا وغيره في «طبقاته» على أنّ أبا بكر الصّدّيق ﵁ أعلم الصّحابة؛ لأنّهم كلّهم وقفوا عن فهم الحكم في المسألة إلاّ هو، ثم ظهر لهم بمباحثته لهم، أنّ قوله هو الصّواب فرجعوا إليه.
وروينا عن ابن عمر أنّه سئل: من كان يفتي النّاس في زمن رسول اللّه ﷺ؟ فقال:
أبو بكر وعمر ﵄، ما أعلم غيرهما.
وأخرج الشّيخان (^٢) عن أبي سعيد الخدري أنه قال: خطب رسول اللّه ﷺ النّاس وقال: «إن اللّه ﵎ خيّر عبدا بين الدّنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند اللّه تعالى» فبكى أبو بكر وقال: بل نفديك بآبائنا وأمّهاتنا، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول اللّه ﷺ عن عبد خيّر، فكان رسول اللّه ﷺ هو المخيّر، وكان أبو بكر أعلمنا، فقال رسول اللّه ﷺ: «إنّ من أمنّ النّاس عليّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متّخذا خليلا غير ربّي لاتّخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوّة الإسلام ومودّته، لا يبقينّ باب إلاّ سدّ إلاّ باب أبي بكر» هذا كلام النووي.
وقال ابن كثير: كان الصّدّيق ﵁ أقرأ الصّحابة - أي أعلمهم بالقرآن - لأنّه ﷺ قدّمه إماما للصّلاة بالصّحابة ﵃ مع قوله ﷺ: «يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب اللّه».
_________________
(١) تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ١٩٠/ ١ والمقطع الثاني في ١٨٥، وانظر طبقات الفقهاء للشيرازي ٣٦ - ٣٧.
(٢) والترمذي ٥/ ٥٦٨ رقم ٣٦٦٠.
[ ٥٩ ]
وأخرج التّرمذيّ (^١) عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللّه ﷺ:
«لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمّهم غيره».
وكان مع ذلك أعلمهم بالسّنّة، كما رجع إليه الصّحابة في غير موضع، يبرز عليهم بنقل سنن عن النّبيّ ﷺ، يحفظها هو ويستحضرها عند الحاجة إليها، ليست عندهم، وكيف لا يكون كذلك وقد واظب على صحبة الرّسول ﷺ من أوّل البعثة إلى الوفاة؟ وهو مع ذلك مع أذكى عباد اللّه وأعقلهم، وإنّما لم يرو عنه من الأحاديث المسندة إلاّ القليل لقصر مدّته وسرعة وفاته بعد النّبيّ ﷺ، وإلاّ فلو طالت مدّته لكثر ذلك عنه جدّا؛ ولم يترك النّاقلون عنه حديثا إلاّ نقلوه، ولكنّ الّذين في زمانه من الصّحابة لا يختلج في صدر أحدهم أن ينقل عنه ما قد شاركه هو في روايته فكانوا ينقلون عنه ما ليس عندهم.
وأخرج أبو القاسم البغوي عن ميمون بن مهران أنه قال: كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب اللّه، فإن وجد فيه ما يقضي به بينهما قضى به، وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول اللّه ﷺ في ذلك الأمر سنة قضى بها، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين وقال: أتاني كذا وكذا، فهل علمتم أنّ رسول اللّه ﷺ قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النّفر كلّهم يذكر عن رسول اللّه ﷺ فيه قضاء، فيقول أبو بكر: الحمد للّه الّذي جعل فينا من يحفظ عن نبيّنا، فإن أعياه أن يجد فيه سنّة عن رسول اللّه ﷺ جمع رءوس النّاس وخيارهم فاستشارهم، فإن أجمع أمرهم على رأي قضى به؛ وكان عمر ﵁ يفعل ذلك، فإن أعياه أن يجد في القرآن والسّنّة نظر هل كان لأبي بكر فيه قضاء؟ فإن وجد أبا بكر قضى فيه بقضاء قضى به، وإلاّ دعا رءوس المسلمين فإذا اجتمعوا على أمر قضى به.
وكان الصّدّيق ﵁ مع ذلك أعلم النّاس بأنساب العرب، لا سيّما قريش.
أخرج ابن إسحاق عن يعقوب عن عتبة عن شيخ من الأنصار قال: كان جبير بن
_________________
(١) الترمذي ٥/ ٥٧٣ رقم ٣٦٧٣.
[ ٦٠ ]
مطعم من أنسب قريش لقريش والعرب قاطبة، وكان يقول: إنّما أخذت النّسب من أبي بكر الصّدّيق، وكان أبو بكر الصّدّيق من أنسب العرب.
وكان الصّدّيق مع ذلك غاية في علم تعبير الرّؤيا، وقد كان يعبّر الرّؤيا في زمن النّبيّ ﷺ، وقد قال محمّد بن سيرين - وهو المقدّم في هذا العلم بالاتّفاق -: كان أبو بكر أعبر هذه الأمّة بعد النّبيّ ﷺ. أخرجه ابن سعد.
وأخرج الدّيلميّ في «مسند الفردوس» وابن عساكر (^١) عن سمرة قال: قال رسول اللّه ﷺ: «أمرت أن أؤوّل الرّؤيا أبا بكر».
قال ابن كثير غريب.
وكان الصّدّيق من أفصح النّاس وأخطبهم، قال الزّبير بن بكّار: سمعت بعض أهل العلم يقول: أفصح خطباء أصحاب رسول اللّه ﷺ أبو بكر الصّدّيق، وعلي بن أبي طالب، ﵄.
وسيأتي في حديث السّقيفة قول عمر ﵁: وكان من أعلم الناس باللّه وأخوفهم له.
وسيأتي من كلامه في ذلك وفي تعبير الرّؤيا ومن خطبه جملة في فصل مستقلّ.