قال ابن الجوزي: ذكر الصّولي أنّ النّاس يقولون: إنّ كلّ سادس يقوم للنّاس يخلع. قال: فتأمّلت هذا فرأيته عجبا، اعتقد الأمر لنبيّنا ﷺ، ثم قام بالأمر بعده أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم الحسن فخلع؛ ثم معاوية، ثم يزيد بن معاوية، ثم معاوية بن يزيد، ثم مروان، ثم عبد الملك بن مروان، ثم ابن الزبير فخلع وقتل؛ ثم الوليد، ثم سليمان، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد، ثم هشام، ثم الوليد بن يزيد فخلع، ثم لم ينتظم لبني أميّة أمر؛ فولي السّفّاح، ثم المنصور، ثم المهدي، ثم الهادي، ثم الرشيد، ثم الأمين فخلع؛ ثم المأمون، ثم المعتصم، ثم الواثق، ثم المتوكل، ثم المنتصر، ثم المستعين فخلع؛ ثم المعتزّ، ثم المهتدي، ثم المعتمد، ثم المعتضد، ثم المكتفي، ثم المقتدر فخلع مرّتين ثم قتل؛ ثم القاهر، ثم الراضي، ثم المتّقي، ثم المستكفي، ثم المطيع، ثم الطائع فخلع؛ ثم القادر، ثم القائم، ثم المقتدي، ثم المستظهر، ثم المسترشد، ثم الراشد فخلع.
هذا آخر كلام ابن الجوزي.
[ ٣٥ ]
قال الذّهبي: وما ذكره ينخرم بأشياء:
أحدها: قوله: وعبد الملك، وابن الزّبير، وليس الأمر كذلك، بل ابن الزّبير خامس، وبعده عبد الملك، أو كلاهما خامس، أو أحدهما خليفة، والآخر خارج؛ لأنّ ابن الزّبير سابق البيعة عليه، وإنّما صحّت خلافة عبد الملك من حين قتل ابن الزّبير.
والثّاني: تركه لعدّ يزيد النّاقص وأخيه إبراهيم الّذي خلع ومروان، فيكون الأمين باعتبار عددهم تاسعا.
قلت: قد تقدّم أنّ مروان ساقط من العدد؛ لأنّه باغ، ومعاوية بن يزيد كذلك؛ لأنّ ابن الزّبير بويع له بعد موت يزيد، وخالف عليه معاوية بالشّام فهما واحد؛ وإبراهيم الّذي بعد موت يزيد الناقص لم يتمّ له أمر، فإنّ قوما بايعوه بالخلافة، وآخرين لم يبايعوه، وقوم كان يدعونه بالإمارة دون الخلافة، ولم يقم سوى أربعين يوما أو سبعين يوما، فعلى هذا مروان الحمار سادس؛ لأنّه الثّاني عشر من معاوية، والأمين بعده سادس.
والثّالث: أنّ الخلع ليس مقتصرا على كل سادس؛ فإن المعتزّ خلع، وكذا القاهر، والمتّقي، والمستكفي.
قلت: لا انخرام بهذا؛ فإنّ المقصود أنّ السّادس لا بدّ من خلعه، ولا ينافي هذا كون غيره أيضا يخلع.
ويقال زيادة على ما ذكره ابن الجوزي: ولي بعد الرّاشد المقتفي، والمستنجد، والمستضيء، والنّاصر، والظّاهر، والمستنصر وهو السّادس فلم يخلع؛ ثم المستعصم، وهو الّذي قتله التّتار، وكان آخر دولة الخلفاء، وانقطعت الخلافة بعده إلى ثلاث سنين ونصف؛ ثم أقيم بعده المستنصر فلم يقم في الخلافة، بل بويع بمصر، وسار إلى العراق، فصافّ (^١) التّتار فقتل أيضا، وتعطّلت الخلافة بعده سنة، ثم أقيمت الخلافة بمصر، فأوّلهم الحاكم، ثم المستكفي، ثم الواثق، ثم الحاكم،
_________________
(١) في الأصول: فصادف. خطأ.
[ ٣٦ ]
ثم المعتضد، ثم المتوكّل وهو السّادس فخلع، وولي المستعصم (^١)، ثم خلع بعد خمسة عشر يوما، وأعيد المتوكّل ثم خلع، وبويع الواثق، ثم المستعصم (^٢)، ثم خلع وأعيد المتوكّل، فاستمرّ إلى أن مات، ثم المستعين، ثم المعتضد، ثم المستكفي، ثم القائم، وهو السّادس من المعتصم الأوّل ومن المعتصم الثّاني فخلع، ثم المستنجد خليفة العصر، وهو الحادي والخمسون من خلفاء بني العبّاس.
فوائد يقال: لبني العبّاس فاتحة، وواسطة، وخاتمة: فالفاتحة المنصور، والواسطة المأمون، والخاتمة المعتضد.
خلفاء بني العبّاس كلّهم أبناء سراري، إلا السّفّاح، والمهديّ، والأمين.
ولم يل الخلافة هاشميّ ابن هاشميّة إلاّ عليّ بن أبي طالب ﵁، وابنه الحسن، والأمين؛ قاله الصّولي.
ولم يل الخلافة من اسمه عليّ إلاّ عليّ بن أبي طالب، وعليّ المكتفي؛ قاله الذّهبيّ.
قلت: غالب أسماء الخلفاء أفراد، والمثنّى منهم قليل، والمتكرّر كثير:
عبد اللّه، وأحمد، ومحمد.
وجميع ألقاب الخلفاء أفراد إلى المستعصم آخر الخلفاء العراقيّين، ثم كرّرت الألقاب في الخلفاء المصريّين؛ فكرّر المستنصر، والمستكفي، والواثق، والحاكم، والمعتضد، والمتوكل، والمستعصم، والمستعين، والقائم، والمستنجد. وكلّها لم يتكرّر غير مرّة واحدة إلاّ المستكفي، والمعتضد، فكرّرا مرة أخرى؛ فتلقّب بهما من الخلفاء العباسيّين ثلاثة، ولم يتلقّب أحد من خلفاء بني
_________________
(١) في ح، م: المعتصم. خطأ.
(٢) في ح، م: المعتصم. وفي ظ: المعتضد. وكله خطأ، صوابه ما أثبت.
[ ٣٧ ]
العبّاس بلقب أحد من بني عبيد إلاّ القائم، والحاكم والظّاهر، والمستنصر؛ وأمّا المهديّ والمنصور، فسبق التلقّب بهما لبني العبّاس قبل وجود بني عبيد.
قال بعضهم: وما تلقّب أحد بالقاهر فأفلح، لا من الخلفاء ولا من الملوك.
قلت: وكذا المستكفي والمستعين، لقّب بكل منهما اثنان من بني العبّاس فخلعا ونفيا، والمعتضد من أجلّ الألقاب وأبركها لمن تلقّب به.
ولم يل الخلافة أحد بعد أخيه إلاّ المقتفي بعد الرّاشد، والمستنصر بعد المعتصم؛ قاله الذهبي.
قال: ولم يل الخلافة ثلاثة إخوة إلاّ أولاد الرّشيد: الأمين، والمأمون، والمعتصم؛ وأولاد المتوكّل: المنتصر (^١)، والمعتزّ، والمعتمد؛ وأولاد المقتدر:
الرّاضي، والمتّقي (^٢)، والمطيع.
قال: وولي الأمر من أولاد عبد الملك بن مروان أربعة، ولا نظير لذلك إلاّ في الملوك.
قلت: جاء له نظير في الخلفاء بعد الذّهبي (^٣)، فولي الخلافة من أولاد المتوكّل محمّد أربعة، بل خمسة: المستعين، والمعتضد، والمستكفي، والقائم، والمستنجد خليفة العصر.
ولم يل الخلافة أحد في حياة أبيه إلاّ أبو بكر الصّدّيق، وأبو بكر الطّائع ابن المطيع، حصل لأبيه فالج فنزل لابنه عنها طوعا.
قال بعض العلماء - وقيل: الذهبي -: أوّل من ولي الخلافة وأبوه حيّ أبو بكر، وهو أوّل من عهد بها، وأوّل من اتّخذ بيت المال، وأوّل من سمّى المصحف مصحفا.
وأوّل من تسمّى بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وهو أوّل من اتّخذ الدّرّة،
_________________
(١) في ح، م: المستنصر … المقتفي. خطأ، صوابهما في ظ، أ.
(٢) في ح، م: المستنصر … المقتفي. خطأ، صوابهما في ظ، أ.
(٣) في ح، م: بعد النبي ﷺ!!. والمقصود أن نظير ما مضى حدث بعد عصر الإمام الذهبي.
[ ٣٨ ]
وأوّل من أرّخ من الهجرة، وأوّل من أمر بصلاة التّراويح، وأوّل من وضع الدّيوان.
وأوّل من حمى الحمى عثمان، وهو أوّل من أقطع الإقطاعات، أي أكثر من ذلك، وأوّل من زاد الأذان الأوّل في الجمعة، وأوّل من رزق المؤذّنين، وأوّل من أرتج عليه في الخطبة، وأوّل من اتّخذ صاحب شرطة.
وأوّل من استخلف وليّ العهد في حياته معاوية، وهو أوّل من اتّخذ الخصيان لخدمته.
وأوّل من حملت إليه الرّءوس عبد اللّه بن الزبير.
وأوّل من ضرب اسمه على السّكّة (^١) عبد الملك بن مروان.
وأوّل من منع من ندائه باسمه الوليد بن عبد الملك.
وأوّل ما حدثت الألقاب لبني العبّاس.
وقال ابن فضل اللّه: زعم بعضهم أن لبني أميّة ألقابا مثل ألقاب بني العبّاس.
قلت: وكذا ذكر بعض المؤرخين أن لقب معاوية النّاصر لدين اللّه، ولقب يزيد المستنصر، ولقب معاوية ابنه الرّاجع إلى الحقّ، ولقب مروان المؤتمن باللّه (^٢)، ولقب عبد الملك الموفّق لأمر اللّه، ولقب ابنه الوليد المنتقم باللّه، (^٣) ولقب سليمان بن عبد الملك القائم باللّه (^٣)، ولقب عمر بن عبد العزيز المعصوم باللّه، ولقب يزيد بن عبد الملك القادر بصنع اللّه، ولقب يزيد النّاقص الشّاكر لأنعم اللّه.
وأوّل ما تفرّقت الكلمة في دولة السّفّاح.
وأوّل خليفة قرّب المنجّمين وعمل بأحكام النّجوم المنصور، وهو أوّل خليفة استعمل مواليه في الأعمال وقدّمهم على العرب.
أوّل من أمر بتصنيف الكتب في الرّدّ على المخالفين المهديّ.
_________________
(١) السّكّة: النقود.
(٢) في ظ: المؤتمّ باللّه. (¬٣ - ٣) من ظ.
[ ٣٩ ]
أوّل من مشت الرّجال بين يديه بالسّيوف والأعمدة الهادي.
أوّل من لعب بالصّوالجة في الميدان الرّشيد.
أوّل من دعي وكتب للخليفة بلقبه في أيّامه الأمين.
وأوّل من أدخل الأتراك الدّيوان المعتصم.
وأوّل من أمر بتغيير أهل الذّمّة زيّهم المتوكّل.
أوّل من تحكّمت الأتراك في قتله المتوكّل، وظهر بذلك تصديق الحديث النّبويّ، كما أخرجه الطّبرانيّ بسند جيّد عن ابن مسعود قال: قال رسول اللّه ﷺ «اتركوا التّرك ما تركوكم؛ فإنّ أوّل من يسلب أمّتي ملكهم وما خوّلهم اللّه بنو قنطوراء».
أوّل من أحدث لبس الأكمام الواسعة وصغّر القلانس المستعين.
أوّل خليفة أحدث الرّكوب بحلية الذّهب المعتزّ.
أوّل خليفة قهر وحجر عليه ووكّل به المعتمد.
أوّل من ولي الخلافة من الصّبيان المقتدر.
آخر خليفة انفرد بتدبير الجيوش والأموال الرّاضي، وهو آخر خليفة له شعر مدوّن، وآخر خليفة خطب وصلّى بالنّاس دائما، وآخر خليفة جالس النّدماء، وآخر خليفة كانت نفقته وجوائزه وعطاياه وخدمه وجراياته وخزائنه ومطابخه ومشاربه ومجالسه وحجابه وأموره جارية على ترتيب الخلافة الأوّليّة، وهو آخر خليفة سافر بزيّ الخلفاء القدماء.
وأوّل ما كرّرت الألقاب من المستنصر الّذي تولّى بعد المستعصم.
في «الأوائل» للعسكري (^١): أوّل خليفة ولي في حياة أمّه عثمان بن عفان ﵁، ثم الهادي، ثم الرّشيد، ثم الأمين، ثم المتوكّل، ثم المنتصر، ثم المستعين، ثم المعتزّ، ثم المعتضد، ثم المطيع؛ ولم يل الخلافة أحد في حياة أبيه غير أبي بكر الصّدّيق ﵁، وزيد عليه الطّائع.
_________________
(١) الأوائل ١/ ٢٨٣ - ٢٨٨ بتصرف شديد.
[ ٤٠ ]
وقال الصّولي: لا نعرف امرأة ولدت خليفتين إلاّ ولاّدة أمّ الوليد وسليمان ابني عبد الملك، وشاهين أمّ يزيد النّاقص وإبراهيم ابني الوليد، والخيزران أمّ الهادي والرّشيد.
قلت: ويزاد أمّ العبّاس، وحمزة؛ وأمّ داود وسليمان، أولاد المتوكّل الأخير.
فائدة - المتسمّون بالخلافة من العبيديّين أربعة عشر: ثلاثة بالمغرب: المهديّ، والقائم، والمنصور؛ وأحد عشر بمصر: المعزّ، والعزيز، والحاكم، والظّاهر، والمستنصر، والمستعلي، والآمر، والحافظ، والظّافر، والفائز، والعاضد.
وكان ابتداء أمر مملكتهم سنة بضع وتسعين ومائتين، وانقراضها في سنة سبع وستّين وخمسمائة.
قال الذّهبيّ: وهي الدّولة المجوسيّة واليهوديّة، لا العلويّة؛ والباطنيّة لا الفاطميّة؛ وكانوا أربعة عشر متخلّفا لا مستخلفا. انتهى.
فائدة - المتسمّون بالخلافة من الأمويّين بالمغرب كانوا أحسن حالا من العبيديّين بكثير، إسلاما وسنّة وعدلا وفضلا وعلما وجهادا وغزوا، وهم كثير حتّى إنّه اجتمع بالأندلس في عصر واحد ستّة كلّهم تسمّى بالخلافة.
فائدة - أفرد تواريخ الخلفاء بالتّأليف جماعة من المتقدّمين: منها «تاريخ الخلفاء» لنفطويه النّحوي، مجلدان، انتهى إلى أيّام القاهر؛ و«الأوراق» للصّولي، ذكر فيه العباسيّين فقط وانتهى إليه - قلت: وقد وقفت عليه - و«تاريخ خلفاء بني العبّاس» لابن الجوزي - رأيته أيضا، وانتهى إلى أيّام النّاصر - و«تاريخ الخلفاء» لأبي الفضل أحمد بن أبي طاهر المروزي الكاتب أحد فحول الشّعراء مات في سنة ثمانين ومائتين، و«تاريخ خلفاء بني العبّاس» للأمير أبي موسى هارون بن محمد العبّاسي.
فائدة - أخرج الخطيب في «التّاريخ» بسنده عن محمّد بن عبّاد (^١) قال: لم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء إلا عثمان بن عفّان ﵁، والمأمون.
_________________
(١) في ح، م: محمد بن عبادة. خطأ، وانظر الخبر في تاريخ بغداد ١٠/ ١٩٠.
[ ٤١ ]
قلت: وهذا الحصر ممنوع، بل حفظه أيضا الصّدّيق ﵁ على الصّحيح، وصرّح به جماعة منهم النّووي في «تهذيبه» (^١)، وعليّ ﵁ ورد من طريق أنّه حفظه كلّه بعد موت النّبيّ ﷺ.
فائدة - قال ابن السّاعي: حضرت مبايعة الخليفة الظّاهر، فكان جالسا في شبّاك القبّة بثياب بيض، وعليه الطّرحة، وعلى كتفه بردة النّبيّ ﷺ، والوزير قائم بين يديه على منبر، وأستاذ الدّار دونه بمرقاة وهو يأخذ البيعة على الناس، ولفظ المبايعة:
أبايع سيّدنا ومولانا الإمام المفترض الطّاعة على جميع الأنام أبا نصر محمّدا الظّاهر بأمر اللّه، على كتاب اللّه وسنّة نبيّه، واجتهاد أمير المؤمنين، وأن لا خليفة سواه، انتهى.
* * *
_________________
(١) تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ١٩١/ ١.
[ ٤٢ ]