قال سعيد بن منصور في «سننه»: حدّثنا هشيم، حدّثنا حجّاج، حدّثني شيخ من فزارة [قال:] سمعت عليّا يقول: الحمد للّه الذي جعل عدوّنا يسألنا عمّا نزل به من أمر دينه؛ إنّ معاوية كتب إليّ يسألني عن الخنثى المشكل، فكتبت إليه أن يورّثه من قبل مباله (^١).
وقال هشيم عن مغيرة عن الشّعبيّ عن عليّ مثله.
وأخرج ابن عساكر (^٢) عن الحسن قال: لمّا قدم عليّ البصرة قام إليه ابن الكوّاء، وقيس بن عباد، فقالا له: ألا تخبرنا عن مسيرك هذا الذي سرت فيه، تتولّى على الأمّة تضرب بعضهم ببعض؛ أعهد من رسول اللّه ﷺ عهده إليك؟ فحدّثنا فأنت الموثوق المأمون على ما سمعت. فقال: أمّا أن يكون عندي عهد من النّبيّ ﷺ في ذلك فلا، واللّه لئن كنت أوّل من صدّق به فلا أكون أوّل من كذب عليه، ولو كان عندي من النّبيّ ﷺ عهد في ذلك ما تركت أخا بني تيم بن مرّة وعمر بن الخطّاب يقومان على منبره، ولقاتلتهما بيدي، ولو لم أجد إلاّ بردي هذا، ولكن رسول اللّه ﷺ لم يقتل قتلا، ولم يمت فجأة؛ مكث في مرضه أيّاما وليالي، يأتيه المؤذّن فيؤذنه بالصلاة، فيأمر أبا بكر فيصلّي بالنّاس، وهو يرى مكاني؛ ولقد أرادت امرأة من نسائه أن تصرفه عن أبي بكر، فأبى وغضب، وقال: «أنتنّ صواحب يوسف، مروا أبا بكر يصلّي
_________________
(١) مباله: مخرج البول.
(٢) مختصر تاريخ دمشق ١٨/ ٤١.
[ ٢١٠ ]
بالنّاس» فلما قبض اللّه نبيّه ﷺ نظرنا في أمورنا، فاخترنا لدنيانا من رضيه نبيّ اللّه ﷺ لديننا؛ وكانت الصّلاة أصل الإسلام، وهي أمير الدّين، وقوام الدّين، فبايعنا أبا بكر، وكان لذلك أهلا، لم يختلف عليه منّا اثنان، ولم يشهد بعضنا على بعض، ولم تقطع منه البراءة، فأدّيت إلى ابي بكر حقّه، وعرفت له طاعته، وغزوت معه في جنوده، وكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي؛ فلما قبض تولاّها عمر، فأخذها بسنّة صاحبه، وما يعرف من أمره، فبايعنا عمر، ولم يختلف عليه منّا اثنان، ولم يشهد بعضنا على بعض، ولم تقطع منه البراءة، فأدّيت إلى عمر حقّه، وعرفت له طاعته، وغزوت معه في جيوشه، وكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي، فلمّا قبض تذكّرت في نفسي قرابتي وسابقتي وسالفتي وفضلي، وأنا أظنّ أن لا يعدل بي، ولكن خشي أن لا يعمل الخليفة بعده ذنبا إلاّ لحقه في قبره، فأخرج منها نفسه وولده، ولو كانت محاباة منه لآثر بها ولده، فبرئ منها إلى رهط من قريش ستّة أنا أحدهم، فلمّا اجتمع الرّهط ظننت أن لا يعدلوا بي، فأخذ عبد الرّحمن بن عوف مواثيقنا على أن نسمع ونطيع لمن ولاّه اللّه أمرنا، ثم أخذ بيد عثمان بن عفّان، وضرب بيده على يده، فنظرت في أمري، فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي، وإذا ميثاقي قد أخذ لغيري، فبايعنا عثمان، فأدّيت له حقّه، وعرفت له طاعته، وغزوت معه في جيوشه، وكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي؛ فلمّا أصيب نظرت في أمري، فإذا الخليفتان اللّذان أخذاها بعهد رسول اللّه ﷺ إليهما بالصّلاة قد مضيا، وهذا الذي قد أخذ له الميثاق قد أصيب، فبايعني أهل الحرمين، وأهل هذين المصرين، فوثب فيها من ليس مثلي، ولا قرابته كقرابتي، ولا علمه كعلمي، ولا سابقته كاسبقتي، وكنت أحقّ بها منه.
وأخرج أبو نعيم في «الدّلائل» (^١) عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: عرض لعليّ رجلان في خصومة، فجلس في أصل جدار، فقال له رجل: الجدار يقع، فقال عليّ: امض، كفى باللّه حارسا. فقضى بينهما، فقام، ثم سقط الجدار.
_________________
(١) دلائل النبوة ٥٨٢.
[ ٢١١ ]
وفي «الطّيوريّات» بسنده إلى جعفر بن محمد عن أبيه قال: قال رجل لعليّ بن أبي طالب: نسمعك تقول في الخطبة: اللّهمّ أصلحنا بما أصلحت به الخلفاء الرّاشدين المهديّين، فمن هم؟ فاغرورقت عيناه، فقال: هم حبيباي أبو بكر وعمر، إماما الهدى، وشيخا الإسلام، ورجلا قريش، والمقتدى بهما بعد رسول اللّه ﷺ؛ من اقتدى بهما عصم، ومن اتبع آثارهما هدي إلى الصّراط المستقيم، ومن تمسّك بهما فهو من حزب اللّه.
وأخرج عبد الرّزّاق عن حجر المدريّ قال: قال لي عليّ بن أبي طالب: كيف بك إذا أمرت أن تلعنني؟ قلت: وكائن ذلك؟ قال: نعم؛ قلت: فكيف أصنع؟ قال:
العنّي ولا تبرأ منّي؛ قال: فأمرني محمد بن يوسف أخو الحجّاج - وكان أميرا على اليمن - أن ألعن عليّا، فقلت: إنّ الأمير أمرني أن ألعن عليّا فالعنوه، لعنه اللّه. فما فطن لها إلاّ رجل.
وأخرج الطّبراني في «الأوسط» وأبو نعيم في «الدّلائل» (^١) عن زاذان: أنّ عليّا حدّث بحديث، فكذّبه رجل، فقال له علي: أدعو عليك إن كنت كاذبا؟ قال: ادع؛ فدعا عليه، فلم يبرح حتّى ذهب بصره.
وأخرج عن زرّ بن حبيش قال: جلس رجلان يتغدّيان، مع أحدهما خمسة أرغفة، ومع الآخر ثلاثة أرغفة، فلمّا وضعا الغداء بين أيديهما مرّ بهما رجل، فسلّم، فقالا: اجلس وتغدّ، فجلس وأكل معهما واستووا في أكلهم الأرغفة الثمانية، فقام الرّجل وطرح إليهما ثمانية دراهم، وقال: خذاها عوضا ممّا أكلت لكما، ونلته من طعامكما؛ فتنازعا، فقال صاحب الخمسة الأرغفة: لي خمسة دراهم، ولك ثلاثة، وقال صاحب الأرغفة الثّلاثة: لا أرضى إلاّ أن تكون الدّراهم بيننا نصفين؛ فارتفعا إلى أمير المؤمنين عليّ، فقصّا عليه قصّتهما فقال لصاحب الثّلاثة: قد عرض عليك صاحبك ما عرض، وخبزه أكثر من خبزك، فارض بالثّلاثة؛ فقال: واللّه لا رضيت عنه إلاّ بمرّ الحقّ، فقال عليّ: ليس لك في مرّ الحقّ إلاّ درهم
_________________
(١) دلائل النبوة ٥٨٢ ومختصر تاريخ دمشق ١٨/ ٦٥.
[ ٢١٢ ]
واحد، وله سبعة دراهم؛ فقال الرّجل: سبحان اللّه! قال: هو ذلك، قال: فعرّفني الوجه في مرّ الحق حتّى أقبله، فقال عليّ: أليس للثمانية الأرغفة أربعة وعشرون ثلثا؟ أكلتموها وأنتم ثلاثة أنفس، ولا يعلم الأكثر منكم أكلا ولا الأقلّ؟ فتحملون في أكلكم على السّواء، قال: فأكلت أنت ثمانية أثلاث، وإنّما لك تسعة أثلاث، وأكل صاحبك ثمانية أثلاث، وله خمسة عشر ثلثا، أكل منها ثمانية، وبقي له سبعة أكلها صاحب الدّراهم، واكل لك واحدا من تسعة، فلك واحد بواحدك، وله سبعة، فقال الرّجل: رضيت الآن.
وأخرج ابن أبي شيبة في «المصنّف» عن عطاء قال: أتى عليّ برجل وشهد عليه رجلان أنه سرق، فأخذ في شيء من أمور النّاس، وتهدّد شهود الزّور، وقال:
لا أوتى بشاهد زور إلاّ فعلت به كذا وكذا، ثم طلب الشّاهدين، فلم يجدهما، فخلّى سبيله.
وقال عبد الرّزّاق في «المصنف»: حدّثنا الثّوريّ، عن سليمان الشّيباني، عن رجل، عن عليّ، أنّه أتى برجل، فقيل له: زعم هذا أنه احتلم بأمّي، فقال: اذهب بهذا فأقمه بالشّمس، فاضرب ظلّه.
وأخرج ابن عساكر (^١) من طريق جعفر بن محمد عن أبيه: أنّ خاتم علي ابن أبي طالب كان من ورق نقشه «نعم القادر اللّه».
وأخرج (^٢) عن عمرو بن عثمان بن عفّان قال: كان نقش خاتم علي «الملك للّه».
وأخرج (^٣) عن المدائني قال: لمّا دخل عليّ الكوفة دخل عليه رجل من حكماء العرب، فقال: واللّه يا أمير المؤمنين لقد زنت الخلافة وما زانتك، ورفعتها وما رفعتك، وهي كانت أحوج إليك منك إليها.
وأخرج عن مجمّع، أنّ عليّا كان يكنس بيت المال، ثم يصلّي فيه، رجاء أن يشهد له أنّه لم يحبس فيه المال عن المسلمين.
_________________
(١) مختصر تاريخ دمشق ١٨/ ٤٣ وقيل غير ذلك، وانظر الديباج للختّلي ٦٩.
(٢) مختصر تاريخ دمشق ١٨/ ٥٩ و٥٧.
(٣) مختصر تاريخ دمشق ١٨/ ٤٤.
[ ٢١٣ ]
وقال أبو القاسم الزّجّاجي في «أماليه» (^١): حدّثنا أبو جعفر محمد بن رستم الطّبري، حدّثنا أبو حاتم السّجستاني، حدّثني يعقوب بن إسحاق الحضرمي، حدّثني سعيد بن سلم الباهلي، حدّثنا ابي، عن جدّي، عن أبي الأسود الدّؤلي، أو قال: عن جدّي أبي الأسود، عن أبيه، قال: دخلت على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ فرأيته مطرقا مفكّرا، فقلت له: فيم تفكّر يا أمير المؤمنين؟ قال: إنّي سمعت ببلدكم هذا لحنا فأردت أن اضع كتابا في أصول العربيّة، فقلت: إن فعلت هذا أحييتنا، وبقيت فينا هذه اللغة؛ ثم أتيته بعد ثلاث، فألقى إليّ صحيفة فيها: بسم اللّه الرّحمن الرحيم، الكلام كلّه اسم، وفعل، وحرف؛ فالاسم: ما أنبأ عن المسمّى، والفعل: ما أنبأ عن حركة المسمّى، والحرف: ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل؛ ثم قال: تتبّعه وزد فيه ما وقع لك، واعلم يا أبا الأسود أنّ الأشياء ثلاثة: ظاهر، ومضمر، وشيء ليس بظاهر ولا مضمر، وإنّما يتفاضل العلماء في معرفة ما ليس بظاهر ولا مضمر؛ قال أبو الأسود: فجمعت منه أشياء، وعرضتها عليه، فكان من ذلك حروف النّصب، فذكرت منها إنّ، وأنّ، وليت، ولعلّ، وكأنّ، ولم أذكر لكنّ، فقال لي: لم تركتها؟ فقلت: لم أحسبها منها؛ فقال: بل هي منها، فزدها فيها.
وأخرج ابن عساكر (^٢) عن ربيعة بن ناجد قال: قال عليّ: كونوا في النّاس كالنّحلة في الطّير، إنّه ليس في الطّير شيء إلاّ وهو يستضعفها، لو يعلم الطّير ما في أجوافها من البركة لم يفعلوا ذلك بها؛ خالطوا النّاس بألسنتكم وأجسادكم، وزايلوهم بأعمالكم وقلوبكم؛ فإن للمرء ما اكتسب، وهو يوم القيامة مع من أحبّ.
وأخرج (^٣) عن عليّ قال: كونوا بقبول العمل أشدّ اهتماما منكم بالعمل، فإنّه لن يقلّ عمل مع التّقوى، وكيف يقلّ عمل يتقبّل؟.
وأخرج (^٤) عن يحيى بن جعدة قال: قال عليّ بن ابي طالب: يا حملة القرآن،
_________________
(١) أمالي الزجاجي ٢٣٨ - ٢٣٩ والأشباه والنظائر للسيوطي ١/ ٩.
(٢) مختصر تاريخ دمشق ١٨/ ٧١.
(٣) مختصر تاريخ دمشق ١٨/ ٧٢.
(٤) مختصر تاريخ دمشق ١٨/ ٧١.
[ ٢١٤ ]
اعملوا به، فإنّما العالم من علم ثم عمل بما علم، ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، تخالف سريرتهم علانيتهم، ويخالف عملهم علمهم، يجلسون حلقا فيباهي بعضهم بعضا، حتّى إنّ الرّجل يغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى اللّه.
وأخرج (^١) عن علي قال: التّوفيق خير قائد، وحسن الخلق خير قرين، والعقل خير صاحب، والأدب خير ميراث، ولا وحشة أشدّ من العجب.
وأخرج عن الحارث قال: جاء رجل إلى عليّ فقال: أخبرني عن القدر. فقال:
طريق مظلم لا تسلكه؛ قال: أخبرني عن القدر. قال: بحر عميق لا تلجه؛ قال:
أخبرني عن القدر. قال: سرّ اللّه قد خفي عليك فلا تفتّشه؛ قال: أخبرني عن القدر.
قال: يا أيّها السّائل إنّ اللّه خلقك لما شاء أو لما شئت؟ قال: بل لما شاء، قال:
فيستعملك لما شاء.
وأخرج (^٢) عن علي، قال: إنّ للنّكبات نهايات، ولا بدّ لأحد إذا نكب من أن ينتهى إليها، فينبغي للعاقل إذا أصابته نكبة أن ينام لها حتّى تنقضي مدّتها، فإنّ في دفعها قبل انقضاء مدّتها زيادة في مكروهها.
وأخرج (^٣) عن عليّ، أنّه قيل له: ما السّخاء؟ قال: ما كان منه ابتداء، فأما ما كان عن مسألة فحياء وتكرّم.
وأخرج عن عليّ، أنّه أتاه رجل فأثنى عليه فأطراه، وكان قد بلغه عنه قبل ذلك، فقال له عليّ: إنّي لست كما تقول، وأنا فوق ما في نفسك.
وأخرج (^٤) عن عليّ، قال: جزاء المعصية الوهن في العبادة، والضّيق في المعيشة، والنّقص في اللّذّة، قيل: وما النّقص في اللّذّة؟ قال: لا ينال شهوة حلالا إلاّ جاءه ما ينغّصه إيّاها.
_________________
(١) مختصر تاريخ دمشق ١٨/ ٧١.
(٢) مختصر تاريخ دمشق ١٨/ ٧٤.
(٣) مختصر تاريخ دمشق ١٨/ ٧٥.
(٤) مختصر تاريخ دمشق ١٨/ ٧٦.
[ ٢١٥ ]
وأخرج عن علي بن ربيعة، أنّ رجلا قال لعليّ: ثبّتك اللّه - وكان يبغضه - قال عليّ: على صدرك.
وأخرج (^١) عن الشّعبيّ قال: كان أبو بكر يقول الشّعر، وكان عمر يقول الشّعر، وكان عثمان يقول الشّعر، وكان عليّ أشعر الثّلاثة.
وأخرج (^٢) عن نبيط الأشجعيّ، قال: قال عليّ بن أبي طالب ﵁: [من الوافر]
إذا اشتملت على اليأس القلوب … وضاق بما به الصّدر الرّحيب
وأوطنت المكاره واطمأنّت … وأرست في أماكنها الخطوب
ولم ير لانكشاف الضّرّ وجه … ولا أغنى بحيلته الأريب
أتاك على قنوط منك غوث … يجيء به القريب المستجيب
وكلّ الحادثات إذا تناهت … فموصول بها الفرج القريب
وأخرج (^٣) عن الشّعبيّ، قال: قال عليّ بن أبي طالب لرجل كره له صحبة رجل:
[من الهزج]
فلا تصحب أخا الجهل … وإيّاك وإيّاه
فكم من جاهل أردى … حليما حين آخاه
يقاس المرء بالمرء … إذا ما هو ماشاه
وللشّيء من الشّيء … مقاييس وأشباه
قياس النّعل بالنّعل … إذا ما هو حاذاه
وللقلب على القلب … دليل حين يلقاه
وأخرج عن المبرد قال: كان مكتوبا على سيف علي بن أبي طالب ﵁ (^٤): [من البسيط]
_________________
(١) مختصر تاريخ دمشق ١٨/ ٧٧ ومنتخب من كتاب الشعراء لأبي نعيم ٤٨ وإيضاح الوقف والابتداء لابن الأنباري ١/ ١٠٥.
(٢) مختصر تاريخ دمشق ١٨/ ٧٨ والأبيات بلا نسبة في الفرج بعد الشدّة ٥/ ٤٦ والمجتنى ١٠٢.
(٣) مختصر تاريخ دمشق ١٨/ ٧٨.
(٤) الأبيات في بهجة المجالس ١/ ١٤٣ و١٥٨ و٢/ ٣٠٠ منسوبة إلى بكر بن حمّاد التّاهرتي.
[ ٢١٦ ]
للنّاس حرص على الدّنيا بتدبير … وصفوها لك ممزوج بتكدير
لم يرزقوها بعقل عند ما قسمت … لكنّهم رزقوها بالمقادير
كم من أديب لبيب لا تساعده؟ … وأحمق نال دنياه بتقصير (^١)
لو كان عن قوّة أو عن مغالبة … طار البزاة بأرزاق العصافير
وأخرج (^٢) عن حمزة بن حبيب الزّيّات قال: كان عليّ بن أبي طالب يقول: [من المتقارب]
ولا تفش سرّك إلاّ إليك … فإنّ لكلّ نصيح نصيحا
فإنّى رأيت غواة الرّجا … ل لا يدعون أديما صحيحا
وأخرج (^٣) عن عقبة بن أبي الصّهباء قال: لمّا ضرب ابن ملجم عليّا دخل عليه الحسن وهو باك، فقال له عليّ: يا بنيّ احفظ عنّي أربعا وأربعا، قال: وما هنّ يا أبت؟ قال: أغنى الغنى العقل، وأكبر الفقر الحمق، وأوحش الوحشة العجب، وأكرم الكرم حسن الخلق، قال: فالأربع الأخر؟ قال: إيّاك ومصاحبة الأحمق، فإنّه يريد أن ينفعك فيضرك؛ وإيّاك ومصادقة الكذّاب، فإنّه يقرّب عليك البعيد ويبعّد عليك القريب؛ وإيّاك ومصادقة البخيل، فإنّه يقعد عنك أحوج ما تكون إليه؛ وإيّاك ومصادقة الفاجر فإنّه يبيعك بالتّافه.
وأخرج ابن عساكر عن عليّ، أنّه أتاه يهوديّ فقال له: متى كان ربّنا؟ فتمعّر وجه عليّ وقال: لم يكن فكان هو، كان ولا كينونة، كان بلا كيف، ليس له قبل ولا غاية، انقطعت الغايات دونه فهو غاية كلّ غاية؛ فأسلم اليهوديّ.
وأخرج الدّرّاج في «جزئه» المشهور بسند مجهول، عن ميسرة عن شريح القاضي قال: لمّا توجّه عليّ إلى صفّين افتقد درعا له، فلمّا انقضت الحرب ورجع إلى الكوفة أصاب الدّرع في يد يهوديّ، فقال لليهوديّ: الدّرع درعي، لم أبع ولم أهب، فقال اليهوديّ: درعي وفي يدي؛ فقال: نصير إلى القاضي؛ فتقدّم عليّ فجلس إلى جنب
_________________
(١) في ظ: كم من أريب … وفائق! صوابه: ومائق. كما في أ.
(٢) مختصر تاريخ دمشق ١٨/ ٧٩.
(٣) مختصر تاريخ دمشق ١٨/ ٩٣.
[ ٢١٧ ]
شريح وقال: لولا أنّ خصمي يهوديّ لاستويت معه في المجلس، ولكنّي سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: «أصغروهم من حيث أصغرهم اللّه» فقال شريح: قل يا أمير المؤمنين، فقال: نعم هذه الدّرع الّتي في يد هذا اليهوديّ درعي، لم أبع ولم أهب؛ فقال شريح: أيش تقول يا يهوديّ؟ قال: درعي وفي يدي؛ فقال شريح: ألك بيّنة يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، قنبر والحسن يشهدان أنّ الدّرع درعي؛ فقال شريح:
شهادة الابن لا تجوز للأب؛ فقال عليّ: رجل من أهل الجنّة لا تجوز شهادته؟ سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة؛ فقال اليهوديّ: أمير المؤمنين قدّمني إلى قاضيه، وقاضيه قضى عليه! أشهد أنّ هذا هو الحقّ، وأشهد أن لا إله إلا اللّه واشهد أنّ محمدا رسول اللّه، وأنّ الدّرع درعك.