أخرج ابن سعد (^٣) عن الأحنف بن قيس قال: كنّا جلوسا بباب عمر، فمرّت جارية، فقالوا: سرّيّة أمير المؤمنين، فقال: ما هي لأمير المؤمنين بسرّية (^٤)، ولا تحلّ له، إنّها من مال اللّه، فقلنا: فما ذا يحلّ له من مال اللّه تعالى؟ قال: إنّه لا يحلّ لعمر من مال اللّه إلاّ حلّتين: حلّة للشّتاء، وحلّة للصّيف، وما أحجّ به وأعتمر [من الظّهر]، وقوتي وقوت أهلي كرجل من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، ثم أنا بعد رجل من المسلمين [يصيبني ما أصابهم].
وقال خزيمة بن ثابت: كان عمر إذا استعمل عاملا كتب له، واشترط عليه أن
_________________
(١) تاريخ دمشق (جزء عمر) ٢٤٠.
(٢) أي رموه بالحصباء.
(٣) الطبقات ٣/ ٢٧٥ وهذا الفصل بكامله في تاريخ الإسلام ٣/ ٢٦٥ وما بعد.
(٤) السّرّية: الجارية المملوكة.
[ ١٥٥ ]
لا يركب برذونا، ولا يأكل نقيّا (^١)، ولا يلبس رقيقا، ولا يغلق بابه دون ذوي الحاجات، فإن فعل فقد حلّت عليه العقوبة.
وقال عكرمة بن خالد وغيره: إنّ حفصة وعبد اللّه وغيرهما كلّموا عمر، فقالوا:
لو أكلت طعاما طيّبا كان أقوى لك على الحقّ، قال: أكلّكم على هذا الرّأي؟ قالوا:
نعم. قال: قد علمت نصحكم، ولكنّي تركت صاحبيّ على جادّة، فإن تركت جادّتهما لم أدركهما في المنزل.
قال: وأصاب النّاس سنة (^٢)، فما أكل عامئذ سمنا، ولا سمينا.
وقال ابن أبي مليكة: كلّم عتبة بن فرقد عمر في طعامه، فقال: ويحك، آكل طيّباتي في حياتي الدّنيا، وأستمتع بها؟
وقال الحسن (^٣): دخل عمر على ابنه عاصم وهو يأكل لحما، فقال: ما هذا؟ قال: قرمنا إليه (^٤)، قال: أو كلّما قرمت إلى شيء أكلته؟ كفى بالمرء سرفا أن يأكل كلّ ما اشتهى.
وقال أسلم: قال عمر: لقد خطر على قلبي شهوة السّمك الطّريّ، قال: فرحل يرفأ (^٥) راحلته، وسار أربعا مقبلا، وأربعا مدبرا، واشترى مكتلا، فجاء به، وعمد إلى الرّاحلة فغسلها، فأتى عمر، فقال: انطلق حتّى انظر إلى الرّاحلة. فنظر وقال:
نسيت أن تغسل هذا العرق الذي تحت أذنيها؟ عذّبت بهيمة في شهوة عمر؟! لا واللّه لا يذوق عمر مكتلك.
وقال قتادة: كان عمر يلبس - وهو خليفة - جبّة من صوف مرقوعة بعضها بأدم، ويطوف في الأسواق على عاتقه الدّرّة يؤدّب بها النّاس، ويمر بالنّكث (^٦) والنّوى
_________________
(١) النّقيّ: الخبز الحوّارى: وانظر الخبر في تاريخ دمشق ٢٣٥.
(٢) السّنة: المحل والمجاعة.
(٣) تاريخ دمشق ٢٥٦.
(٤) القرم - بالتحريك - شدة الشهوة إلى اللحم.
(٥) يرفأ: اسم غلام كان لعمر.
(٦) النكث - بالكسر - الغزل المنقوض.
[ ١٥٦ ]
فيلتقطه ويلقيه في منازل النّاس ينتفعون به.
وقال أنس: رأيت بين كتفي عمر أربع رقاع في قميصه.
وقال أبو عثمان النّهدي: رأيت على عمر إزارا مرقوعا بأدم.
وقال عبد اللّه بن عامر بن ربيعة: حججت مع عمر، فما ضرب فسطاطا ولا خباء، كان يلقي الكساء أو النّطع على الشّجرة ويستظلّ تحته.
وقال عبد اللّه بن عيسى: كان في وجه عمر بن الخطاب خطّان أسودان من البكاء.
وقال الحسن: كان عمر يمر بالآية من ورده فيسقط حتّى يعاد (^١) منها أيّاما.
وقال أنس: دخلت حائطا فسمعت عمر يقول، وبيني وبينه جدار: عمر بن الخطّاب أمير المؤمنين، بخ، واللّه لتتّقينّ اللّه ابن الخطّاب أو ليعذبنّك اللّه.
وقال عبد اللّه بن عامر بن ربيعة: رأيت عمر أخذ تبنة من الأرض فقال: ليتني كنت هذه التّبنة، يا ليتني لم أك شيئا، ليت أمّي لم تلدني.
وقال عبيد اللّه بن عمر بن حفص: حمل عمر بن الخطّاب قربة على عنقه، فقيل له في ذلك، فقال: إنّ نفسي أعجبتني فأردت أن أذلّها.
وقال محمّد بن سيرين: قدم صهر لعمر عليه من مكّة، فطلب أن يعطيه من بيت المال، فانتهره عمر وقال: أردت أن ألقى اللّه ملكا خائنا؟ ثم أعطاه من صلب ماله عشرة آلاف درهم.
وقال النّخعيّ: كان عمر يتّجر وهو خليفة.
وقال أنس: تقرقر بطن عمر من أكل الزّيت عام الرّمادة (^٢)، وكان قد حرّم على نفسه السّمن، فنقر بطنه بأصبعه وقال: إنّه ليس عندنا غيره، حتّى يحيا النّاس.
وقال سفيان بن عيينة: قال عمر بن الخطاب: أحبّ النّاس إليّ من رفع إليّ عيوبي.
_________________
(١) يعاد: من العيادة، وهي زيارة المريض خاصة.
(٢) هو عام أصاب الناس فيه مجاعة، وهي سنة ١٧ من الهجرة.
[ ١٥٧ ]
وقال أسلم: رأيت عمر بن الخطاب يأخذ بأذن الفرس، ويأخذ بيده الأخرى أذنه، ثم ينزو على متن الفرس.
وقال ابن عمر: ما رأيت عمر غضب قطّ فذكر اللّه عنده، أو خوّف، أو قرأ عنده إنسان آية من القرآن إلاّ وقف عمّا كان يريد.
وقال بلال لأسلم: كيف تجدون عمر؟ فقال: خير النّاس، إلاّ أنّه إذا غضب فهو أمر عظيم، فقال بلال: لو كنت عنده إذا غضب، قرأت عليه القرآن حتّى يذهب غضبه.
وقال الأحوص بن حكيم عن أبيه: أتى عمر بلحم فيه سمن، فأبى أن يأكلهما، وقال: كلّ واحد منهما أدم.
أخرج هذه الآثار كلّها ابن سعد.
وأخرج ابن سعد (^١) عن الحسن قال: قال عمر: هان شيء أصلح به قوما أن أبدلهم أميرا مكان أمير.